سيّدة من النمسا في بغداد في منتصف القرن التاسع عشر.. مشاهدات عن نساء بغداد

سيّدة من النمسا في بغداد في منتصف القرن التاسع عشر.. مشاهدات عن نساء بغداد

د. صباح الناصري
عـنـدمـا وصـلـت إيـدا لـورا فـايـفـر Ida Laura PFEIFFER  إلى تـبـريـز في عـام 1848 قـادمـة مـن الـعـراق، وقـدّمـت نـفـسـهـا لـلـقـنـصـل الـبـريـطـاني فـيـهـا، نـظـر إلـيـهـا الـقـنـصـل بـدهـشـة، ولـم يـصـدّق أنّ هـذه الـنّـمـسـاويـة الّـتي بـلـغـت الـحـاديـة والـخـمـسـيـن مـن عـمـرهـا كـانـت تـقـوم بـدورة حـول الـعـالـم بـدأتـهـا وحـدهـا وبـإمـكـانـات مـاديـة مـحـدودة مـنـذ سـنـتـيـن كـمـا قـصّـتـه عـلـيـه بـلـغـة إنـكـلـيـزيـة تـشـوبـهـا لـكـنـة ألـمـانـيـة قـاطـعـة الـحـدّة.

 وازدادت دهـشـتـه عـنـدمـا أخـبـرتـه إيـدا فـايـفـر، أنّـهـا لـم تـكـن الـرّحـلـة الأولى الّـتي قـامـت بـهـا!وقـد كـان كـلّ مـا ذكـرتـه هـذه الـمـغـامـرة الـنّـمـسـاويـة صـحـيـحـاً. فـقـد قـامـت بـخـمـس رحـلات بـدأتـهـا في سـنّ الـخـامـسـة والأربـعـيـن، واسـتـغـرقـت سـتّـة عـشـر عـامـاً. وأكـمـلـت خـلالـهـا دورتـيـن حـول الـعـالـم.

تـركـت إيـدا فـايـفـر فـيـيـنـا في الـنّـمـسـا في أوّل أيّـار 1846، لـتـبـداً رحـلـتـهـا الـثّـانـيـة الّـتي دارت فـيـهـا حـول الـعـالـم. وبـعـد أن عـبـرت الـمـحـيـط الأطـلـسي، زارت الـبـرازيـل وذهـبـت إلى الـشّـيـلي، ثـمّ عـبـرت الـمـحـيـط الـهـادي نـحـو الـصّـيـن. وتـوقـفـت في طـريـقـهـا بـجـزيـرة تـاهـيـتي. ووصـلـت سـفـيـنـهـا إلى الـصّـيـن عـام 1947، ثـمّ زارت الـهـنـد. ووصـلـت مـن بـومـبـاي عـن طـريـق الـخـلـيـج إلى شـط الـعـرب في 11 أيّـار 1848، ووصـلـت إلى الـبـصـرة في الـيـوم الـتّـالي.وقـد تـكـلّـمـت إيـدا فـايـفـر عـن الـعـراق في ثـلاثـة فـصـول مـن كـتـابـهـا"رحـلـة امـرأة حـول الـعـالـم Eine Frau fährt um die Welt"الّـذي نـشـرتـه عـام 1850.
وكـتـبـت عـنـدمـا وصـلـت إلى بـغـداد :
“وظـهـرت عـاصـمـة الـخـلافـة الـقـديـمـة في أبـهى حـلّـة وسـعـة مـن بـعـيـد، ولـكـنّـهـا فـقـدتـهـمـا عـنـدمـا اقـتـربـنـا مـنـهـا. وتـلامـعـت الـمـنـائـر والـقـبـاب في الـشّـمـس، فـهي يـغـطـيـهـا طـابـوق مـزجـج. وتـتـابـعـت الـقـصـور والـبـوابـات والأسـوار تـحـاذي مـيـاه دجـلـة الـبـنّـيـة الـطّـيـنـيـة، بـيـنـمـا تـغـطي الـبـسـاتـيـن الـمـلـيـئـة بـالـنّـخـيـل وأشـجـار فـواكـه أخـرى الـسّـهـول الـمـحـيـطـة بـالـمـديـنـة إلى مـدّ الـبـصـر".
“ومـا كـادت بـاخـرتـنـا تـتـوقـف حـتّى أحـاطـ بـهـا رجـال مـن أهـل الـبـلـد. وكـان لـهـم مـراكـب غـريـبـة تـشـبـه الـسّـلال الـمـسـتـديـرة يـصـنـعـونـهـا مـن سـعـف الـنّـخـيـل ويـطـلـونـهـا بـالأسـفـلـت، ويـسـمـونـهـا قـفّـة  guffer. وقـطـر الـواحـدة سـتّـة أقـدام وعـلـوهـا ثـلاثـة أقـدام، وهي آمـنـة جـدّاً لا تـنـقـلـب أبـداً ويـمـكـنـهـا أن تـمـرّ بـأسـوء الـتّـيـارات. وقـد اخـتـرعـت في زمـن سـحـيـق الـقـدم".
وكـان الـمـقـيـم الـبـريـطـاني في بـغـداد عـالـم الآشـوريـات راولـنـسـن   Rawlinson، وقـد رفـضـت إيـدا فـايـفـر ضـيـافـتـه لـهـا لأنّـه كـان أعزب!
“وكـان أوّل مـا انـبـغى لي الـحـصـول عـلـيـه هـنـا ثـوب واسـع أتـلـفـع بـه يـسـمّى الإزار isar، وطـربـوش صـغـيـر ألـفّ حـولـه مـنـديـلاً لـيـصـيـر عـمـامـة صـغـيـرة. ولـكـنـني لـم أتـحـجـب بـالـقـنـاع الـسـمـيـك الـمـصـنـوع مـن شـعـور الـخـيـول الّـذي تـتـحـجـب بـه الـنّـسـاء هـنـا والّـذي يـكـاد يـمـنـعـهـنّ مـن الـتّـنـفـس. ومـن الـصّـعـب تـصـور عـذاب أشـدّ مـنـه لـلـنـسـاء خـارج الـدّار. ويـكـنـس الإزار تـراب الـطّـريـق عـنـدمـا نـسـيـر ويـحـتـاج إلى مـهـارة في الإمـسـاك بـأطـرافـه لـكي لا يـنـزلـق بـل يـغـطي الـجـسـد بـأكـمـلـه"،"وأنـا أشـفـق عـلى الـمـرأة الـمـسـكـيـنـة الـمـجـبـرة عـلى حـمـل طـفـلـهـا أو أشـيـاء ثـقـيـلـة أخـرى أو تـريـد غـسـل الـمـلابـس عـلى ضـفـة الـنّـهـر وهي تـعـدّل وضـع إزارهـا بـاسـتـمـرار. والـمـرأة لا تـعـود مـن غـسـيـلـهـا إلّا مـبـتـلّـة يـسـيـل مـنـهـا الـمـاء. وحـتّى أصـغـر الـبـنـات هـنـا يـلـبـسـن هـذا الإزار حـالـمـا يـخـرجـن مـن الـدّار".
“وفي مـلابـسي الـشّـرقـيـة هـذه جـبـت الـمـديـنـة سـافـرة الـوجـه مـن غـيـر أن يـتـعـرض لي أحـد. وقـد تـفـحـصـت أحـيـاءهـا، وإن لـم يـكـن هـنـاك الـكـثـيـر مـمـا يـسـتـحـق أن يـزار، فـلـم يـبـق شيء مـن آثـار زمـن الـخـلـفـاء. وبـنـيـت الـدّور بـالـطّـابـوق الـمـحـروق، ولـهـا طـابـق واحـد [فـوق الـطّـابـق الأرضي]. ولا نـرى مـن الـدّروب إلّا خـلـفـيـاتـهـا، ونـادراً مـا نـرى جـزءاً مـن الـدّار بـنـوافـذ ضـيّـقـة عـلـيـهـا شـنـاشـيـل. ولا اسـتـثـني مـن ذلـك إلّا الـدّور الّـتي تـطـلّ واجـهـاتـهـا عـلى الـنّـهـر، فـفي واجـهـاتـهـا نـوافـذ، شـديـدة الـجـمـال في بـعـض الأحـيـان"،"وقـد بـدت لي الـدّروب ضـيّـقـة مـتـربـة مـلـيـئـة بـالـقـاذورات"،"وجـسـر الـقـوارب عـلى دجـلـة، وعـرضـه هـنـا 690 قـدمـاً، في حـالـة يـرثى لـهـا، ولـم أرَ أسـوأ مـنـه في مـكـان آخـر".
زيـنـة نـسـاء بـغـداد :
“وكـان بـيـن الـنّـسـاء والـفـتـيـات الـحـاضـرات بـعـض مـن رائـعـات الـجـمـال. وكـنّ جـمـيـعـاً خـلّابـات الأنـظـار لا يـمـكـن لـشـاب أن يـخـتـلـس إلـيـهـن الـنّـظـرات مـن غـيـر أن يـسـقـط في دائـرة سـحـرهـنّ. وهـذا يـعـود إلى مـهـارتـهـنّ في صـبـغ أهـدابـهـنّ وحـواجـبـهـنّ. وقـد أزلـن مـن حـواجـبـهـنّ كـل شـعـرة صـغـيـرة تـخـرج عـن تـخـطـيـطـهـا الـمـاهـر، أمّـا مـن لـيـس لـهـنّ مـا يـكـفي مـن شـعـر يـمـلأ هـذا الـتّـخـطـيـط فـقـد أكـمـلـن مـا يـنـقـص بـرسـمـه بـالـقـلـم. وكـلّ هـذا يـزيـد مـن بـريـق أعـيـنـهـنّ. ونـجـد رغـبـة الـتّـوصـل إلى هـذا الـجـمـال الـمـصـطـنـع حـتّى عـنـد نـسـاء الـعـامـة مـن الـخـادمـات"،"وارتـدت الـنّـسـاء مـلابـس عـلى الـطّـراز الـيـونـاني ــ الـتّـركي، فـلـبـسـن سـراويـل حـريـر ربـطـت أسـافـلـهـا حـول الـكـاحـلـيـن، وفـوق الـسّـراويـل ثـياب طـويـلـة طـرّزت بـخـيـوط الـذّهـب، ضـيّـقـة حـول الـكـتـفـيـن ثـمّ تـنـفـتـح وتـتـدلى بـسـعـة. أمّـا الـذّراعـان فـيـغـطـيـهـمـا الـحـريـر، ويـربـطـن خـاصـراتـهـنّ بـأحـزمـة بـعـرض الـكـف تـزيـّنـهـا مـن الأمـام أزرار واسـعـة مـن ذهـب مـطـعـمـة بـالـمـيـنـا، وعـلى الـجـانـبـيـن أزرار أصـغـر مـنـهـا. وتـزيـن مـعـاصـمـهـنّ ونـحـورهـنّ وصـدورهـنّ أسـورة وقـلائـد مـن الـلـؤلـؤ والـجـواهـر وبـيـنـهـا قـطـع نـقـود مـن الـذّهـب. وتـنـحـدر جـدائـل رقـيـقـة مـن أعـلى رؤوسـهـن وتـسـقـط في أحـضـانـهـنّ. ومـن الـمـؤسـف أنّ ذوق بـعـضـهـنّ الـسّـيئ دفـعـهـن إلى صـبـغ شـعـورهـنّ فـتـحـول الـسّـواد الـلامـع إلى نـوع مـن الـبـنّي الأحـمـر الـشّـديـد الـقـبـح".
“ورغـم أنّ مـظـهـر مـجـمـوعـة الـنّـسـاء جـذّاب فـصـحـبـتهـنّ لا مـتـعـة فـيـهـا ولا تـشـويـق، وقـد الـتـزمـن الـصّـمـت بـاسـتـمـرار، ولـم يـظـهـر عـلى وجـه أيّـة واحـدة مـنـهـنّ لا انـفـعـال ولا تـعـبـيـر عـن عـاطـفـة. وهـنّ يـحـتـجـن إلى بـهـارات الـحـيـاة : الـفـكـر والـتـعـلّـم، فـبـنـات الـبـلـد لـم يـعـلـمـونـهـنّ شـيـئـاً. وسـيـكـتـمـل تـعـلـيـمـهـنّ عـنـدمـا سـيـصـبـحـن قـادرات عـلى الـقـراءة بـلـغـاتـهـنّ (الأرمـنـيـة أو الـعـربـيـة)، ولـكـن حـتّى لـو تـوصـلـن إلى ذلـك، فـهـل سـيـجـدن مـا يـقـرأن مـا عـدا الـكـتـب الـدّيـنـيـة؟".
زيـارة لـحـريـم الـبـاشـا :
“وقـد تـمـتـعـت بـزيـارة قـمـت بـهـا عـدّة أيّـام بـعـد ذلـك إلى حـريـم الـبـاشـا. وكـانـت الـنّـسـاء ثـرثـارات ضـاحـكـات مـلـيـئـات بـالـمـرح والـمـزاح، إلى حـدّ أنّـهـنّ تـجـاوزن تـقـريـبـاً مـا أتـحـمّـلـه. ووجـدت خـمـس عـشـرة مـنـهـنّ كـنّ قـد تـحـضّـرن لـزيـارتي، وتـزيّـنّ ولـبـسـن أبـهى ثـيـابـهـنّ مـثـل تـلـك الّـتي سـبـق أن وصـفـتـهـا. والاخـتـلاف الـوحـيـد هـو أنّ الـقـفـطـان Kaftan الّـذي ارتـديـنـه فـوق الـثّـيـاب كـان أقـصـر ومـن قـمـاش يـشـفّ عـمّـا تـحـتـه، وأنّ عـمـائـمـهـنّ كـان يـزيـنـهـا ريـش نـعـام. ولـم أرَ بـيـنـهـنّ واحـدة شـديـدة الـجـمـال. ومـا عـدا حـلاوة في أعـيـنـهـنّ، فـلـيـس فـيـهـنّ نـبـل ولا تـقـاطـيـع وجـوه مـعـبّـرة".
“والـحـريـم الـصّـيـفي الّـذي اسـتـقـبـلـتـني الـنّـسـاء فـيـه حـسـن الـبـنـاء، حـسـب الأسـالـيـب الـحـديـثـة لـلـمـعــمـار الأوربي، وفـيـه نـوافـذ عـالـيـة جـيّـدة الانـفـتـاح. ووقـفـت وسـط حـديـقـة زهـور صـغـيـرة تـحـيـطـهـا بـسـاتـيـن أشـجـار فـواكـه. وبـعـد أن بـقـيـت مـعـهـنّ أكـثـر مـن سـاعـة، مـدّت مـائـدة ووضـعـت حـولـهـا الـكـراسي. وقـد دعـتـني الـزّوجـة الـرّئـيـسـيـة لـلـجـلـوس، وكـانـت قـد جـلـسـت، ولـم تـنـتـظـر أن نـجـلـس قـبـل أن تـبـدأ بـاخـتـيـار مـا تـحـبّـه مـن الـصـحـون وتـأكـلـه بـأصـابـعـهـا. وقـد أجـبـرت أنـا أيـضـاً عـلى أخـذ الـطّـعـام بـأصـابـعي فـلـم يـكـن في الـدّار لا سـكـاكـيـن ولا شـوكـات. وفي نـهـايـة الـوجـبـة فـقـط جـلـبـت لي مـلـعـقـة شـاي صـغـيـرة مـن الـذّهـب لآكـل بـهـا. وكـانـت تـغـطي الـمـائـدة صـحـون مـن أكـلات مـمـتـازة، وأنـواع مـن الـرّز وكـمـيـات كـبـيـرة مـن الـحـلـويـات والـفـواكـه. وقـد وجـدتـهـا كـلّـهـا شـديـدة الـلـذة".
“وبـعـد أن انـتـهـيـنـا جـلـسـنـا مـعـاً، ومـن لـم تـجـد مـقـعـداً جـلـسـت مـع أخـرى عـلى نـفـس الـمـقـعـد، ثـمّ جـاءت الإمـاء الـلاتي كـن بـيـنـهـنّ زنـجـيـات شـديـدات الـقـبـح وجـلـسـن حـول الـمـائـدة لـيـأكـلـن مـا تـركـنـاه.
ثـمّ جـلـبـت الـقـهـوة ودارت بـيـنـنـا في فـنـاجـيـن صـغـيـرة، وجـلـبـت الـنّـرجـيـلات. وكـانـت فـنـاجـيـن الـقـهـوة عـلى صـحـون صـغـيـرة مـن الـذّهـب طـعّـمـت بـالـلـؤلـؤ والـفـيـروز"."ويـمـكـنـنـا أن نـفـرّق بـيـن نـسـاء الـبـاشـا وبـيـن الـخـادمـات والإمـاء فـقـط مـن مـلابـسـهـنّ وجـواهـرهـنّ، أمّـا في طـريـقـة تـصـرفـاتـهـنّ فـلـم أجـد فـرقـاً كـبـيـراً. وجـلـسـت الـخـادمـات مـن غـيـر تـردد عـلى الأرائـك، وشـاركـن في الـحـديـث مـن غـيـر أن يـسـمـح لـهـنّ أحـد بـذلـك، ودخّـنّ وشـربـن الـقـهـوة مـثـلـنـا تـمـامـاً. ويـعـامـل أهـل الـبـلـد الـخـدم والـعـبـيـد أحـسـن بـكـثـيـر مـمـا نـفـعـلـه مـعـهـم في أوربـا. والـفـرق الـوحـيـد هـو أنّ الأتـراك مـا زالـوا يـمـتـلـكـون عـبـيـداً هـنـا".

عن (بين دجلة والفرات مدونة الدكتور صباح الناصري)