جمال الدين الأفغاني في العراق.. هل تأثّر المثقفون العراقيون الأوائل بأفكاره؟

جمال الدين الأفغاني في العراق.. هل تأثّر المثقفون العراقيون الأوائل بأفكاره؟

كريم الفرج
من أبرز المصلحين المسلمين في أواخر القرن التاسع عشر، جمال الدين الأفغاني، الذي مثّل الشخصية المسلمة المتنوّرة، من خلال طروحاته الإصلاحية، التي برزت في وقت كان المسلمون بحاجة إليها، إذ كانت بمثابة الرد الحقيقي والجريء ضدّ محاولات أوربا لفرض سيطرتها على البلاد الإسلامية.

 تبلورت أفكار جمال الدين الأفغاني الإصلاحية، من خلال حياته التي قضاها متنقلاً بين المدن الإسلامية، قدر لبيئات تلك المدن أن تؤدي أثرها البالغ في توجيهاته الإصلاحية، وهي (أفغانستان، بلاد فارس، النجف، كربلاء، الكاظمية، بغداد، البصرة، استانبول، القاهرة)، فضلاً عن بعض المدن الأوربية التي ساعدته في الإطلاع المباشر على جوهر التقدم الأوربي (باريس، لندن، روسيا القيصرية).  أما عن تأثيره الملموس في الحركة الفكرية لمثقفي العراق، فكانت تسير في اتجاهين، الأول مباشر، من خلال إقامته لبعض الوقت في العراق، والآخر غير مباشر، جاء من خلال كتاباته التي تصل مثقفي العراق في مجلته"العروة الوثقى".
كانت زيارة الأفغاني الأولى مع أبيه عام 1849 إلى النجف، إذ أمضى فيها أربعة أعوام للدراسة في مدارسها الدينية، أما الزيارة التي كان لها أثرها الملموس في عدد من مثقفي العراق في تلك المرحلة فكانت عام 1891، بعد نفيه من بلاد فارس، إذ استطاع أن يتصل مباشرة بالمثقفين البغداديين أثناء إقامته في بغداد مدة ثلاثة أشهر في محلة (باب الأغا)، بسوق الصفارين في خان عبد الصمد الأصفهاني. 
            أخذ مثقفو المرحلة في بغداد، يترددون عليه، وكان منهم نقيب أشراف بغداد سلمان الكيلاني، الذي لم يكتف بزيارته في محل إقامته، بل دعاه إلى الإقامة في داره لبعض الوقت، بحسب ما يرويه بعض المؤرخين، منهم أيضاً الشاعر عمر رمضان الهيتي، كذلك الوالي سري باشا (1889-1891)، والشاعر عبد المحسن الكاظمي (1877-1947)، الذي كــــــــــــــان متأثراً بدعوة الأفغاني وما كانت تهدف إليه من إصلاح، فضلاً عن محمود شكري الآلوسي الذي كانت تربطه بالأفغاني علاقة متينة مما نتلمسه من خلال الرسائل التي بعث بها إلى انستاس ماري الكرملي.
  وصف بعض المؤرخين محمود شكري الآلوسي، بأنه تأثر بجمال الدين الأفغاني تأثراً كبيراً وكان من أخلص تلامذته لما عرف عنه من حمله للرسالة التي نادى بها الأفغاني في إصلاح الدين الإسلامي من الشوائب والدخائل ومن ثم إصلاح الناس، كما زاره الشاعر معروف الرصافي (1875-1945)، الذي يعد من الشخصيات البارزة التي تأثرت بآراء وأفكار جمال الدين الأفغاني.
           من جملة النشاطات الثقافية التي قام بها الأفغاني، أثناء إقامته في بغداد، أنه نسخ بخط يده كتاباً عربياً في علم الكيمياء لأحمد بن زين الدين الأحسائي، كتب في آخره (كتبته بيدي في دار السلام في بغداد، أنا الغريب في البلدان والطريد في الأوطان جمال الدين الحسيني الاستانبولي)، ثم استدرك فخط على أسم بغداد كلمة (الشريف)، وعلى الاستانبولي كلمة الكابلي.
            أثناء إقامته في بغداد، زار الكاظمية، وأقام فيها أياماً في دار أحد وجهائها المثقفين ملا أحمد بن ميرزا محمد اليزدي، اتصل به جماعة من مثقفي الكاظمية والمتأثرين بأفكاره، منهم الحاج رؤوف التبريزي والحاج علي مطلب والحاج علي أكبر الرهابنة، وأنشأوا مجمعاً سرياً في سرداب في البيت، أتيح له أن يدعو من هناك إلى الإصلاح وإنشاء المدارس لهذا الغرض، منها مدرسة"الأخوة"في الكاظمية.
            باستثناء من اتصلوا بالأفغاني من المثقفين، أثناء إقامته في العراق لبعض الوقت، وتأثروا بأفكاره الإصلاحية بصورة مباشرة، كان هناك عدد من المثقفين العراقيين الذين توثّقت صِلاتهم به، حملوا أفكاره، وذلك منذ صدور الأعداد الأولى لمجلة (العروة الوثقى)، التي كان يحررها محمد عبده، أما أفكارها فكانت لجمال الدين الأفغاني، تأتي أهميتها في طروحاتها الفكرية والسياسية للواقع الإسلامي آنذاك، تمثل هدفها في إيقاظ الشعوب الإسلامية من غفوتها، والسعي إلى الوحدة والنهوض والثورة على الاستبداد والنفوذ الأوربي، ومحاربة العقائد التي تدعو إلى الاستسلام وإيهام الشعوب الإسلامية بتنافي الإسلام مع المدنية.
بهذا يمكن القول إن جمال الدين الأفغاني، من خلال أفكاره الإصلاحية، ترك أثراً واضحاً في تطور ونمو الحركة الفكرية لدى مثقفي العراق عامة وبغداد خاصة، بما كان ينشده من مبادئ الحرية أينما ذهب، كما إن أفكاره أضافت عاملاً مؤثراً إلى العوامل الأخرى، التي بلورت وأنضجت الاتجاهات الإصلاحية لدى مثقفي العراق.
           فضلاً عن ما تركته أفكاره الإصلاحية في الحركة الفكرية والثقافية لمثقفي العراق من آثار إيجابية، جاءت أيضاً أفكار المصلحين الآخرين منذ وقت مبكر من النصف الثاني من القرن التاسع عشر لتضيف أنماطاً جديدة لحصيلة المثقفين في العراق، فكانت أفكار الروّاد مـــــن أمثال ناصيف اليازجي، وبطرس البستاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وشبلي شميل، ومحمد رشيد رضا، قريبة من أذهان الفئة العراقية المثقفة، فقد كانت أفكار عبد الرحمن الكواكبي تصل إلى الموصل بشكل أسرع بحكم الجوار الجغرافي والعلاقات التجارية ومنها إلى بغداد، إذ كان الشباب العراقي المثقف يتابع بشغف أعمال الكواكبي ومعاصريه، ويأخذهم الزهو بهذه الأعمال ويتطلعون للقيام بمثل ما يقوم به من نهضة فكرية ودعوة للإصلاح وإثارة الروح القومية،  وصلت هذه الأفكار إلى بغداد عن طريق كتابيه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، و(أم القرى)، وصحيفتي"الشهباء"، و"الاعتدال".
          فضلاً عن أفكار الكثيرين ممن جاءوا بعد هؤلاء تأثر بهم المثقف العراقي، لاسيما أولئك الذين اتصفت أفكارهم بكونها أكثر تقدمية كشبلي شميل، إذ كانت تصل أفكارهم عن طريق الصحف المصرية والشامية، خاصة بعد العام 1908 الذي شهد انفتاح العراقيين على ما كان يجري في بقية الولايات العربية والعالم الخارجي من نهضة فكرية حديثة. هكذا أسهم المفكرون الرواد والإصلاحيون في إنضاج الوعي الثقافي لدى مثقفي العراق في تلك المرحلة، من تاريخ العراق الحديث والمعاصر.
           ووجدت أفكار الأفغاني لها تربة صالحة في العراق، وتركت تأثيرها في أفكار عدد من مثقفيه البارزين، منهم، فضلاً عن الذين سبق ذكرهم، فهمي المدرس المعروف بثقافته الإسلامية. ومن هذا المنطلق يفسر تأييد المدرس لثورة 1908 من الساعات الأولى لقيامها. وكذلك تأثر الرصافي بأفكار الأفغاني، وأغلب الظن أن الرصافي قد تأثر به في صياغة بيته الشعري الذي يقول:
                  قد رأينا شعباً بغير مليك              
  هل رأيتم بغير شعب مليكا
فقد ورد نص هذا القول في خطاب جمال الدين إلى ناصر الدين شاه أحدث في حينه ضجة كبيرة على صعيد العالم الإسلامي، إذ قال له:"الفلاح والعامل والصانع في المملكة، يا حضرة الشاه، أنفع من عظمتك، ومن أمرائك.. لاشك يا عظمة السلطان إنك رأيت، وقرأت عن أمة استطاعت أن تعيش بدون أن يكون على رأسها ملك، ولكن هل رأيت ملكاً يعيش بدون أمة ورعية؟". 

عن رسالة (الأب الكرملي ودوره....)