فريدا كاهلــو..سيرة فنانة من طراز خاص

فريدا كاهلــو..سيرة فنانة من طراز خاص

علاء المفرجي
في سيرة الفنانة المكسيكية الأشهر فريدا كاهلو، التي قدمتها للسينما مواطنتها المخرجة جولي تايمور عن كتاب سيرتها الذي وضعته المؤلفة هايدن هيراير، نحن امام واحدة من اهم الحقب التاريخية في تاريخ المكسيك كخلفية لحياة أهم الفنانات في الحركة السريالية في عشرينيات القرن المنصرم.

وإن كانت السينما المكسيكية قد حققت فيلماً عن هذه الفنانة بتوقيع بول ليروك في الثمانينيات، إلا ان مع فيلم تايمور ونص هيريرا، نحن امام حياة تستحق ان تروى..
هذه السيرة الممتدة بالكثير من اشكال الصراع مع الذات والاخر، مع الالم (باعتبار ان الابطال الحقيقيين هم الذين يمتازون بالخشوع امام الالم كما يرى ستيفان زفايج) هذه السيرة هي ما حاولت تايمور الوقوف عند محطاتها.. ولكن هل وفقت؟
مثل سيرة ايستوود لجي إدغار، وسيرة فيلدا لويد للمرأة الحديدية تاتشر كانت الشخصية هي المحور، وبالتالي كان الانشغال الاهم في ابرازها كشخصية مع اهمال واضح للظرف التاريخي واثره في صياغة الافكار والسلوك لهذه الشخصيات. ولعل في فيلم فريدا يبدو ذلك واضحاً بشكل كبير.. برغم حسنة التعريف بواحدة من اهم فنانات القرن العشرين على الاطلاق.. حداً جعلت منها ومن حياتها أسطورة.. لكنها  اي المخرجة- مع انشغالها بصياغة جمال هذه الاسطورة، قد اغفلت الكثير من التفاصيل في حياة كاهلو والاحداث المصاحبة لسيرتها التراجيدية. ولا يخطئ المشاهد اللبيب خضوع المعالجة للشروط الهوليوودية في جانبها التجاري البحت.. إذ لولا هذه الشروط فان مهمة إعادة انتاج سيرة فنانة من طراز فريدا كاهلو سينمائياً سيتطلب السير في حقل الغام لما للحدث التاريخي المصاحب من أثر كبير.
كاهلو لم تكن معروفة إلا بارتباطها بحياة اهم رسام جداريات في العالم على الاطلاق الفنان المكسيكي دييغو ريفيرا.. انتباه نقاد الفن لاعمالها كانت البداية الاولى في التعرف على سيرتها، ذلك ان اعمالها الواقعية مفعمة بالتوثيق، توثيق سيرتها مع الألم الذي أطر سنوات عمرها التي لم تتجاوز العقود الاربعة.. الانتباه الى منجزها الفني كان السبب الذي دفع البعض للتعرف على سيرتها، وحال كاهلو هنا كما هو حال كوخ ومودلياني وغيرهم من الفنانين الذين غمر الالم ابداعهم في حياتهم، ثم سلطت الاضواء عليهم بعد رحيلهم.
وجود سلمى حايك وأداؤها المذهل والذي لو اكتفت به بقية حياتها، لكان كافياً لبلوغها المجد في التمثيل، أقول ان التقمص المبدع من قبل حايك لشخصية كاهلو، سهل مهمة المخرجة في الاعتناء بشخصية الفنانة لذاتها من دون الاعتبار لعلاقتها مع الشخصيات الاخرى بل ومع احداث زمنها.. لذا كانت الشخصيات الاخرى وعلى اهميتها تسبح في فلكها فاقدة اهميتها التاريخية، ولاشك ان ذلك كان نزولاً عند شروط التسويق الهوليوودي.. بل ان التركيز على موهبة كاهلو والالام التي عانتها افرغها هي الاخرى من الكثير من الصفات التي ربما كانت الاهم في صياغة مجدها وشهرتها، واعني هنا عقائديتها وانخراطها النشط في الحركة الشيوعية.. بل ان الفيلم تعامل مع دخول القائد الشيوعي التاريخي الفذ (تروتسكي) والذي كان مطارداً من قبضة رفيقه السابق ستالين، تعامل معه من كونه معشوقاً لفريدا ليس إلا، بل وسيلة لاثارة غيرة (ريفيرا) زوجها الذي عرف عنه علاقاته النسائية المتعددة.. في وقت ان علاقة تروتسكي بفريدا وريفيرا هي اكبر من ان تسجن بمثل هذا التصور السطحي، إلا اذا كان ذلك سببه التعاطي مع القضية بما يناسب وجهة نظر سياسية تقضي ان تروتسكي  ليس إلا ذريعة لابراز وحشية ستالين (كذا!). الامر الآخر المهم الذي تغافله الفيلم وصناعه، هو الذي يشكل ركناً مهماً في سيرة فريدا كاهلو هو علاقتها بالحركة السريالية تلك الحركة التي كانت في أوج صعودها في الفترة التي يتناولها الفيلم.
ففريدا كاهلو كانت بالضد من رأي الرمز الاول للسريالية وصاحب بيانها الاول (اندريه بريتون) من ان اعمالها تنتمي للسريالية، ذلك ان لوحاتها تتسم بالواقعية لما تضمنته من قدرة على ترجمة القهر والالم الذي خيم على حياتها على مدى ثلاثين عاماً.. ولم تكن قراءتها حتى على المشاهد العادي تكتنفها صعوبة ما، على عكس ما اتسمت به اعمال السرياليين الاخرين.. هذه العلاقة على اهميتها لم تجد المساحة المطلوبة في الفيلم.. وهو يعد احد هفواته- اي الفيلم-.
سيرة كاهلو كما قدمها الفيلم إذن لم تكن مكتملة للاسباب التي ذكرنا بعضها، وبالتالي فهي تنتمي الى القراءة المبسترة لسير الشخصيات، او القراءة الانتقائية إن صحت التسمية.