من أسرار مشروع الغرّاف وسدّة الكوت في الثلاثينيات..كيف تحققت مقولة: لا مشروع قبل الغرّاف؟

من أسرار مشروع الغرّاف وسدّة الكوت في الثلاثينيات..كيف تحققت مقولة: لا مشروع قبل الغرّاف؟

 محمد عبود الساعدي
 إن مشروع الغرّاف الذي يقع على نهر الغرّاف في مدينة الكوت والذي سمّي بــ (سدّة الكوت)، كان مثار جدل طويل منذ عام 1927، سواء داخل أروقـة مجـلـسي الـنوّاب والأعــيـان أو داخـل الوزارات نفسها، وكان من أشد المتحمسين لتنفيذ المشروع نوّاب المنتفك، واختلفت الآراء في أهمية المشروع، فمنهم من قال إنه ليس أهم من مشروع الحبانية،

 في حين نجد الكثير ممن أيّد المشروع ومنهم الملك فيصل الأول، حينما زار لواء الكوت في 25 تشرين الأول 1928، والتقى بالأهالي، ويوضح ذلك عباس مهدي الوزير في وزارة جميل المدفعي سنة 1934 أنه لما كان يرافق الملك إلى الكوت ولدى رؤية الملك نهر الغرّاف أحزنه الأمر، فقال:"لا مشروع قبل الغرّاف"وأغرقت عيناه بالدموع. وعندما شرع المجلس في مناقشة عريضة وجواب على  خطاب العرش في 16 آذار 1933، أكد نوّاب المنتفك، أنه كان من المفترض لهذا المشروع أن يُباشَر فيه منذ عام 1928، ولكن بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، والخلافات السياسية كما مر ذكرها تأخر تنفيذ المشروع.
      ونظراﹰ لما لهذا المشروع من أهمية كبيرة ومصلحة ضرورية، أشار إليها عباس مهدي بكتاب رسمي رفعهُ إلى مجلس الوزراء في 10 نيسان 1934، أوضح فيه أن منطقة نهر الغرّاف تشمل مساحة قدرها 000، 850 متر، وهي تزرع سنة وتترك سنة أخرى، إلا أن أحوالها الزراعية سيئة جداﹰ مما يجعل منتجاتها الزراعية رديئة وضعيفة والحالة المسبّبة لذلك هو عدم وصول الماء لهذه المنطقة خلال أيام الصيهود، وخلال السنوات الأخيرة ظهرت مخاطرها بصورة واسعة وستكون هناك آثار سلبية على السكان من نواحٍ عدّة، لخّصها الرجل بهذه الأسطر:"أولها، عدم استقرار المنطقة نتيجة عدم توفر وسائط العيش، وثانيها، عدم استقرار سكانها وثالثها ستكون هناك هجرة  واسعة. فضلاﹰ عن، خلق مشكلات إداريـة وسياسية".
       وأكدت خطورة عدم تنفيذ مشروع سدّة الكوت صحيفة"الإخاء الوطني"في مقالة لها بعنوان"لا مشروع قبل الغرّاف"وذلك عام 1934، إذ أعربت أن عدم تنفيذ المشروع سوف يترك 250 ألف نسمة يقاسون أمض الآلام وأوجعها، وهم عرضة للكوارث التي أخذت تصيبهم في السنوات الأخيرة، لاسيما أن منطقة الغرّاف مكتظة بالسكان، وسوف تدمّر مساحات واسعة فيها. وأشار وزير المالية ناجي السويدي، الى أن مشروع الغرّاف سوف ينقذ مئات الآلاف من المجاعة والغرق، في حين أن بعض أرباب المصالح الشخصية أعربوا عن أن مشروع الحبانية هو أهم من مشروع الغرّاف الذي سوف يؤثر في المزروعات في لواء العمارة، إلا أن عباس مهدي كان على علم بتفاصيل المشروع ونتائجه، لذلك وقف لهم بالمرصاد حينما بيّن أن هذا المشروع سوف يقسّم توزيع المياه بين الألـــــــوية بصورة فنية وسوف لا يحصل أيُّ ضررٍ في مزروعات لواء العمارة.
      وفي الواقع، أن السبب الذي حمل عباس مهدي على الاهتمام بهذا المشروع، هو ما تضمنهُ تقرير المهندس وليم ويلكوكس (w. willcocks)، الذي اقترح انشاء سد على نهر دجلة لتنظيم مناسيب المياه إلى الدرجة الضرورية. وهكذا طلب عباس مهدي من مجلس الوزراء بضرورة انشاء هذا السد بالرغم من تكاليفه الجسيمة في حينها، إلا أنها أقل من موارد الدولة المالية. واقترح  من أجل القيام بهذا المشروع ضرورة البدء بثلاثة أشياء هي، مسح الأراضي، جمع وتحليل المعلومات المائية، درس المشكلات المتعلقة بالإنشاء والتصميم. ثم بيّن أن مديرية الري قامت بتحضير هذه الأمور خلال الشهرين الماضيين، ونسقت الدائرة المذكورة مع دائرة الطابو والأملاك الأميرية ليكون لدائرة الري مطلق التصرف في هذه المنطقة التي يحتمل انشاء المشروع فيها، كما قامت مديرية الري بدراسة طبقة الأرض في قاع النهر للمنطقة المخصّصة لإنشاء السد وهي مسألة مهمة وخطيرة بالنسبة للمتعهد.
      جهّزت وزارة الاقتصاد تصميماﹰ لسدّة الكوت من قبل مهندسين استشاريين في لندن وهم شركة ويلسون وشركائه (Wilson and its Partne)، وحسب هذا التصميم، فإن ارتفاع مستوى السدّة سيكون 16،75 متر من الشمال أمام السدّة وسيعمل على رفع مياه النهر وتحويل قسم منه إلى نهر الغرّاف، وبذلك سيتمكن نهر الغرّاف من أخذ نحو 250 متراﹰ مكعباﹰ في الثانية مما يؤدي إلى رفع المياه بمقدار8،60 متر، وبهذه الواسطة سوف يتدفق الماء إلى الغرّاف الذي ينقطع فيه الماء، ووفقاﹰ للتصاميم الموضوعة، فإن السدّة تتألف من 56 فتحةً، سعة كل واحدة منها 6 أمتار وارتفاعها 8 أمتار، وفي كل فتحة باب لتنظيم مناسيب المياه أمام السدّة وفيها مخرج للأسماك، ومن الناحية الغربية يوجد هويس (ممر للسفن) عرضه 16،05 متر، وطوله 80 متراﹰ، لمرور السفن وتقرر أن يكون طول سدّة الكوت 495،3 متر. وعلى بعد كيلو متر واحد تقرر انشاء ناظم الغرّاف شمال السدّة، وهو يتألف من 7 فتحات مماثلة لفتحات السدّة، وله هويس أيضاﹰ بعرض 8 أمتار، لمرور السفن الصغيرة. وبذلك يكون هدف السدّة تأمين المياه لأراضٍ تزيد مساحتها على 700  كيلو متر مربع مهدّدة بالجفاف.
      صوّت المجلس النيابي في جلسته الثالثة والأربعين المنعقدة بتاريخ 21 نيسان 1934، على "لائحة قانون الأعمال العمرانية الرئيسة لسنة 1934"ونصّت على تخصيص 237،3،000، دينار، لمـشـاريع الري لتـنـفـق خـلال خمـس سنوات. ولدى عرضها على مجلس الأعيان في جلسته السادسة والعشرين المنعقدة بتاريخ 26 نيسان 1934، صوّت عليها وكان أوّل المشاريع هو مشروع الغرّاف.
على أية حال، صدرت موافقة مجلس الوزراء على وضع المشروع تحت المناقصة وحدّد عباس مهدي يوم 15 أيار 1934، موعداﹰ لتسلّم العطاءات بخصوص مشروع سدّة الكوت، فقدّمت ست شركات عطاءاتها، ووضعت الوزارة لديها نسخة عن شروط المناقصة لمن يريد الاطلاع على تفاصيل المشروع ونسخة أخرى في بريطانيا لدى المكاتب الاستشارية، وبعد تقديم الشركات عطاءاتها أبرقت وزارة الاقتصاد والمواصلات إلى الشركة الاستشارية تطلب منها إرسال نسخ من عطاءات الشركات الست، لتدقيقها وتقديم تقرير بشأنها، وبعد إرسال التقرير إلى بغداد ودراسته من قبل لجنة خاصة وضعها عباس مهدي لتدقيق تقرير الشركة الاستشارية والعطاءات واختيار أفضلها، وقد وجدت اللجنة أن هذا التقرير يميل إلى ترجيح عطاء شركة بلفوربيتي (Balfour Beatty) البريطانية، من بين الشركات المتنافسة، وخلال جلسة مجلس الوزراء بيّن عباس مهدي، أن عطاء شركة هرسان المساهمة (Contribut Hrsent) الفرنسية، وشركة بلفوربيتي البريطانية، هما أفضل العطاءات، وعرض عباس مهدي وجهة نظره حول إعطاء الامتياز، وبيّن أن عطاء شركة بلفوربيتي هو الأفضل لنواحٍ عدة منها، أننا سبق وأن تعاملنا مع شركات بريطانية وهي أفضل من الشركات الفرنسية التي تتميز ببطء العمل، ثم لقابليتها الكبيرة. فضلاﹰ عن، امكاناتها، كما أن الفرق بسيط في سعر انشاء السدّة بين الشركتين، فالشركة البريطانية طلبت 1،152،380 دينار، والشركة الفرنسية طلبت 1،120،381 دينار، ومدة الإنجاز بالنسبة للشركة البريطانية عام 1937، وهي أقل من مدة انجاز الشركة الفرنسية عام 1938، إلا أن مجلس الوزراء قرر تأجيل النظر في هذا القرار للحصول على امتيازات افضل.
      وفي 1 آب 1934، جرت مناقشات بين عباس مهدي والمستر أ. م. ماك تكارت (Mr A.M. Mac Tkart)، ممثل شركة بلفوربيتي، الذي طالب عباس مهدي بالموافقة على بعض الشروط المالية والجمركية، وبدوره رفعها عباس مهدي إلى رئاسة الوزراء، وأيّد إعطاء المشروع إلى هذه الشركة، فعقد مجلس الوزراء مناقشات مطوّلة لترجيح أحد العطائين، وفي جلسته المنعقدة بتاريخ 11 آب 1934، قررت رئاسة مجلس الوزراء إعطاء المناقصة إلى شركة بلفوربيتي إلا أنه رغم ذلك طلبت رئاسة الوزراء، من عباس مهدي وزير الاقتصاد بالاتصال بالشركة الأخيرة لأجل تخفيض المبلغ من 1،152،380 دينار، إلى 1،120،380 دينار، وقبولها تسديد المبلغ خلال ثلاثة أشهر في حال تأخر الحكومة عن الدفع لأسباب قاهرة كالحرب مثلاً، وتعيين مهندسين من قبل الحكومة العراقية تابعين لأوامر مـديريـة الري والمساحة.
      وافق مجلس الوزراء في جلستهِ المنعقدة في 6 أيلول 1934، على ارسال هذا المشروع للشركة وتنفيذه، فكان باكورة أعمال هذه الوزارة وبوشر العمل فيه في 10 كانون الاول 1934، وكان قراره صائباﹰ في إعطاء هذا المشروع الضخم الى تلك الشركة كونها أنجزت المشروع بكل تقنية ومتانة موجودة في ذلك الوقت، فقد وضعت الشركة خرائط يمكن من خلالها توسيع السدة بعد 50 عاماﹰ من إنشائها، لذلك نرى أن المواد التي أُنشئت منها كالحديد الغاطس بالماء كل هذه السنين لم يعتريه الصدأ. فضلاﹰ عن، نظام البراغي وجماله، ونوعية السمنت المستعمل فيها، وهو من مشاريع الري التي لم تشهد لها الكوت مثيلاً منذ 70 عاماﹰ..

عن كتاب (عباس مهدي ودوره السياسي في العراق)