جمعية أصحاب الصنائع.. أول تجمع نقابي للعمال العراقيين سنة 1929

جمعية أصحاب الصنائع.. أول تجمع نقابي للعمال العراقيين سنة 1929

زينب جبار العكيلي
إن تحرك العمال في العام 1924، الذي يعد أول تحرك منظم ومن أجل هدف محدد ألا وهو السماح بتأسيس نادٍ للعمال ليكون أول مركز يجتمع فيه العمال للتداول في مشكلاتهم العامة والخاصة وتوثيق الصلة فيما بينهم، إلا أن الحكومة آنذاك رفضت الطلب، ولم توافق على اجازة مثل هذا النادي، ولم يقلل هذا الرفض من عزيمة العمال وتصميمهم على مواصلة المطالبة والتمسك بحقوقهم.

وفي العام نفسه أعلن عمال الميناء في البصرة إضرابهم، إذ كانوا يتعرضون الى ظروف عمل شاقة، وضد ما لحق بهم من إجحاف من ادارة الميناء البريطانية التي لم تنظم لهم العقود الخاصة بعملهم، كما هو الحال بالنسبة للعمال الأجانب. ولئن رفضت ادارة الميناء تلك المطالب، فإن تلك الانتفاضة تعد واحدة من أهم الانتفاضات التي شهدتها البصرة. من جانبهم أعلن عمال السكك في العام 1927 اضرابهم عن العمل وذلك للمطالبة بتشريع قانون للعمل، فضلاً عن مجموعة من المطالب الاقتصادية. ومن المفيد جداً أن نثبت هنا شهادة احمد عباس تمر، الذي كان احد المشاركين في اضراب عمال السكك موضوع البحث، والتي نقلتها لنا جريدة"الفكر الجديد"إذ قال:
"خرجت مسيرة من العمال متوجهين الى مجلس الوزراء لمقابلة المسؤولين، وطرح المطالب التي كان على رأسها زيادة الأجور وتحسين ظروف المعيشة، فتصدت الشرطة لهم ومنعتهم من مواصلة السير، لكنها في نهاية الأمر سمحت لمجموعة من العمال كانت برئاسة النقابي محمد صالح القزاز، بمقابلة المسؤولين". وقد عُدَّ هذا الإضراب باكورة الحركة العمالية في العراق كما يؤكد الباحث طالب عبد الجبار.
لاشك في أن قوة الطبقة العاملة وحركتها المتنامية في سبيل تحقيق بعض مطالبها مكّنها من الحصول على موافقة وزارة الداخلية بإجازة"جمعية أصحاب الصنائع"في الأول من تموز عام 1929. أكدت الجمعية الوليدة، التي كانت الأقرب الى هموم العمال ومشاكلهم، والتي انتخبت هيئتها التأسيسية برئاسة محمد صالح القزاز، في اول اجتماع لها في 26 تموز 1929، أن غايتها تهذيب أصحاب الصنائع من الوجهة الأخلاقية والصناعية والعلمية والاجتماعية، ونشر مبادئ الآداب الفاضلة بين افرادها، وترقية الصنائع في العراق وإرسال من تجد فيهم الكفاءة على حسابها للتخصص في إحدى الصناعات خارج العراق، وتسعى الجمعية إلى الاتفاق مع بعض الأطباء لمعالجة المرضى من افراد الجمعية وعائلاتهم مقابل أجور زهيدة تدفعها الجمعية من صندوقها.
وتفرض ضرورة البحث الإشارة إلى موقف الصحف المحلية من"جمعية أصحاب الصنائع"إذ كانت جريدة"العالم العربي"من أكثر الصحف المحلية التي تابعت مراحل تشكيل الجمعية وموافقة وزارة الداخلية على إجازتها. وقد تمنت الجريدة على"جمعية أصحاب الصنائع"أن تؤسس على أسس صالحة ثابتة ليتسنى لها النجاح والسعادة لجميع العمال، وقد تأكد ذلك من خلال المقالة الافتتاحية للجريدة التي حملت عنواناً"الضرورة تخلق أبطالاً وعمالاً"والتي بيّنت فيها كيفية حصول مجموعة من العمال الوطنيين على اجازة من قبل وزارة الداخلية بتأسيس"جمعية أصحاب الصنائع"كما ذكّرت"العالم العربي"بهذه المناسبة بأن جمعية الحلاقين قد سبقتها بأيام، وكان نجاحها أكيداً على الرغم من العراقيل والصعوبات، فضلاً عن ذلك، تابعت جريدة"العالم العربي"اجتماع الجمعية وانتخاب هيئتها الإدارية في 26 تموز1929، كما ونشرت النظام الداخلي للجمعية وقد عدَّت يوم إجازتها في الأول من تموز، التاريخ الرسمي لبداية عملها.
كما قامت جريدة"العالم العربي"بنشر بيانات الجمعية الموجهة للعمال والصناع من أجل ترقية الحركة الصناعية، وذلك بقيامها بإعداد معرض عام لمختلف الصنائع والمنسوجات العراقية. فضلاً عن قيام جريدة"العالم العربي"بنشر نشاطات الجمعية، ومنها قيامها بفتح صفوف عدة لتدريس اللغة العربية والانكليزية، وعلى الرغم من حداثة الجمعية فقد أمّها عدد كبير من المشتركين على اختلاف مهنهم وحرفهم.
في حين نشرت جريدة"نداء الشعب"بيانات"جمعية أصحاب الصنائع"للعمال والحرفيين عندما كانت تدعوهم الى الاستماع الى المحاضرات الصناعية التي تُلقى في مقر الجمعية. كما وذكرت جريدة"نداء الشعب"أن الاجتماع والجمعيات من الشؤون الطبيعية التي رافقت نشوء الإنسان منذ أقدم العصور، ولاتزال ترافقه وتمشي مع حاجاته جنباً إلى جنب، وإن العامل الأول في تقدم الجمعيات ونجاحها هو تضامن أفرادها وتآزرهم، وإن"جمعية أصحاب الصنائع"مؤلفة من هذه القاعدة. لهذا فهي تحث العمال وأرباب المهن الحرة في هذه البلاد على تعضيد الجمعية بالانضمام إليها لتتمكن من تحقيق الغاية التي تأسست الجمعية من اجلها
أما جريدة"العراق"فتولت هي الأخرى نشر بيانات ونداءات"جمعية أصحاب الصنائع"الموجهة للعمال ودعوتهم للانضمام إليها، لأنها تأسست من أجل الدفاع عن مصالح العمال وحماية مصنوعاتهم التي اندثرت وماتت، على حد قول الجريدة، ودعتهم الى أن يتحدوا ويتعاونوا تاركين وراءهم كل ما من شأنه أن يثير الحقد والخصام. وفي هذا السياق نشرت الجريدة المذكورة هذا النداء:"وانتم ياعمال هذا القطر المسكين ما أحوجكم وما أفقركم الى الاتحاد، فيه تعلمون عيوبكم وتستروا نقائصكم وهل من نقص فيكم سوى التشتت والافتراق هذا الذي صار بسبب انحطاطكم وانحطاط البلاد فجرَّها إلى مهاوي الذلة والهوان".
الى جانب ذلك قامت جريدة"البلاد"بنشر خطب محمد صالح القزاز الى العمال الآخرين للانضمام الى الجمعية، ولاسيما صانعو الأحذية، حيث قام بتوزيع نظام الجمعية عليهم.
ومما يجدر ذكره هنا، أن"جمعية أصحاب الصنائع"التي هي احدى مظاهر التنظيم النقابي، أدت دوراً كبيراً في حياة العمال العراقيين، وكانت هذه الجمعية تستند أساساً الى قاعدة عمالية لا حرفية، وكان معظم قادة الجمعية يتميزون بوعي طبقي، وكان محمد صالح القزاز نفسه أنموذجاً رائعاً للدفاع بإخلاص عن القضية التي تبناها. إذ"كان يعرف كيف يحرك العواطف، ويثير الهمم، ويعرض المشاكل، ويدافع عن الحق".
لم يتوان محمد صالح القزاز، كونه رئيس"جمعية أصحاب الصنائع"عن الكتابة للجهات المسؤولة، ولاسيما وزارة الداخلية، شارحاً لها وبكل جرأة وصراحة بأن الجمعية المذكورة وجدت أساساً لخدمة العامل العراقي، كما أنها لم تدخر جهداً في مساعدة الحكومة في حل مشكلة البطالة. وعليه لم يكن غريباً والحالة هذه أن تحظى نشاطات الجمعية باهتمام ومتابعة من لدن العديد من القوى والأحزاب، فأخذت تتابع نشاطاتها وتدعم حركتها، ولم يكن مجرد مصادفة أن يحضر حفلاتها جمهور كبير كان يضمّ وزراء ونواباً وصحافيين وأدباء.
قادت"جمعية أصحاب الصنائع"إضرابات عدّة للعمال، فضلاً عن وقوفها بصلابة مع العمال في مطالبهم المشروعة، مما أثار حفيظة الحكومات العراقية التي أوكلت الى أجهزتها الأمنية مهمة متابعة نشاطات محمد صالح القزاز وتحركاته بعناية. ولم تكتف بذلك وإنما حاولت خلق بديل عن"جمعية أصحاب الصنائع"الذي تمثل بـ"جمعية عمال الميكانيك العراقية"التي ولدت ميتة، ولم تقم بأيّ دور على الرغم من كل الدعم والتأييد الحكومي الذي حظيت به.
لقد تعرض العمال خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الى ضغوط شديدة مضافة إلى ما كانوا يعانونه من أوضاع سيئة، فقد توالت قوائم فصل عشرات العمال من المعامل والشركات العراقية والأجنبية، فارتفع بذلك عدد العاطلين عن العمل في سنوات تلك الأزمة بصورة لم يعرفها العراق من قبل والتي أشار إليها أحد الكتاب المعاصرين عندما قال:"إن الأزمة الاقتصادية الضاربة قد بدأت بوادرها بالظهور في العراق وتفاقم شرها، بعد أن انتشرت البطالة بين صفوف العمال التي شملت معظم مرافق البلاد بأجمعها والتي برزت علائمها في العجز الذي وقع في ميزانية الدولة وفي الكساد العام".
فكان من الطبيعي جداً أن يتبع العمال الذين استنفدوا الوسائل المشروعة لتحقيق مطالبهم العادلة وسائل أخرى أكثر ثورية، وعليه فقد بدأ عمال السكك في الثالث من كانون الأول 1930إضراباً عاماً للمطالبة برفع الحيف عنهم. ومما يستحق الذكر أن"جمعية أصحاب الصنائع"ناشدت الملك فيصل الأول بالتدخل ونصرة العمال المضربين، ولم يكتف المسؤولون في العراق بتجاهل مطالب العمال فقط، وإنما زادوا الطين بلة عندما أصدروا في حزيران 1931 قانون رسوم البلديات، الذي فجّر إضراباً عاماً دخل التاريخ باسم"ثورة الشعب الصامتة"والذي هزَّ الحكومة القائمة هزاً.
إن الذي يستوجب الذكر هنا موقف الملك فيصل الأول الذي كان خارج العراق آنذاك، من هذا الإضراب، فقد أبرق إلى وكيله مشدداً على ضرورة عدم استخدام العنف، وعند عودته الى بغداد، أعرب البلاط عن ثقته بالملك لمعالجة المأزق الاقتصادي المسيطر على العالم بأسره.
عن رسالة (الموقف الرسمي والشعبي
من الطبقة العاملة 1932-1939)