مقتطفات من ضباب ميغيل أونامونو.. الإنسان لا يرى أبعدَ مِنْ أنفه

مقتطفات من ضباب ميغيل أونامونو.. الإنسان لا يرى أبعدَ مِنْ أنفه

ترجمة: حسين نهابة
"الواقع المُتخيل! وهكذا لا أحد سيمتلك الحق للمطالبة بإبطال قوانين هذا الجنس الجديد من الأدب… ابتدعُ اسلوباً أدبياً، وإن ابتداع نوع جديد يكتمل بإطلاق اسم مناسب عليه، وأعطيه أنا القوانين التي تروق لي. وحواراً كثيراً!"
"صعب جداً أن يُضطر الى استغلال أحد الاشياء –فكر اوغوستو- واستخدامها. هذا الاستعمال يسيء بل يحطّم الجمال كله".

"الذي يسافر كثيراً، إنما يهرب من كل مكان ولا يبحث عن كل مكان يصله".
"نحن البشر لا نستسلم الى المصائب الكبيرة ولا الأفراح العظيمة، لأن هذه المصائب والأفراح تأتي مُقنّعة بغيمة واسعة من الحوادث الصغيرة، وهكذا هي الحياة: غيمة. الحياة ضباب".
"ننادي أنفسنا كما ينادوننا. في أزمان هوميروس كان الأشخاص والأشياء يحملون اسمين، الذي يُطلقه الإنسان، والذي تُطلقه الآلهة".
"الحب يسبق المعرفة، وهذا يقتل ذاك".
"سهل جداً أن تتزوج، لكن من العسير أن تصبح متزوجاً".
"حين يجد الإنسان نفسه معزولاً ويُغمض عينيه عن المستقبل وعن الحُلم، يتمرد عليه جحيم الخلود الساحق. الخلود ليس مصيراً. حين نموت، نمنح الموت نصف التفاتة ونشرع في المسير الى الخلف، الى الماضي، الى ما كان".
"ما يُسمى بالحب هو قصص كتب، شيء أُخترع ليُتكلم به ويُكتب عنه. حماقات شعراء. الايجابي هو الزواج. القانون المدني لم يتطرق الى الحب بل عن الزواج. كل ما يتعلق بالحب ليس سوى موسيقى".
"غالباً ما ينتهي الأمر بأن تكون لعبة لتخيلاتك".
"هل حياتي رواية، أم واقع مُتخيل أم ماذا؟ كل ما يحدث لي ويحدث لهم، هل هو حقيقة أم خيال؟ ربما يكون هذا كلّه حلماً من الله أو من كائنٌ مَن يكون، سوف يتلاشى حالما يستيقظ هو، وعليه نصلي له ونرفع له دعواتنا وتراتيلنا، لكي يظل غافياً، ويهدهد حُلمه. ربما تكون طقوس الأديان كلها، طريقة لتنمية حلم الرب حتى لا يستيقظ ويتوقف عن الحلم بنا؟".
مروض وحيد
"الحياة هي المروّض الوحيد للحياة. ليس هناك علم تربية يستحق. فقط يُتعلم للبقاء على قيد الحياة وكل انسان لابد أن يبدأ بالتمرن على الحياة من جديد".
"حالما يتكلم الإنسان، يكذب، وحين يتحدث الى نفسه، أي حالما يفكر مُدركاً ما يفكر به، يكذب. ليس هناك اكثر واقعية من الحياة الفايسيولوجية. الكلمة، هذا النتاج الاجتماعي، صُنعت لأجل الكذب".
"الكلمة وكل أنواع التعبير الاصطلاحي مثل القبلة والحضن… لا شيء نعمل سوى أن يمثل كلٌ دوره. الجميع بشر، أقنعة وممثلين هزليين. لا أحد يعاني أو يتلذذ بما يقوله ويعبّر عنه، وربما يدّعي أنه يستمتع ويعاني، وإلاّ فلن يستطيع العيش. نحن هادئون جداً في اعماقنا. مثلي أنا الآن أقوم بمهزلتي لوحدي، مُمثلاً ومُشاهداً في الوقت ذاته. لا يموت سوى الألم الجسدي. الحقيقة الكبرى أن الانسان الفايسيولوجي هو الذي لا يتكلم ولا يكذب".
"ربما لا يولد الحب إلاّ بولادة الغيرة، هي التي تُلهمنا لنحب. بعشق امرأة لرجل أو رجل لامرأة، لا يدركون هذه الحقيقة، ولا يذكرونها أمام أنفسهم، أي أنهم لا يُغرمون ببعضهم حقاً، إلاّ حين يرى هو بأنها تنظر الى رجل آخر، أو هي تنظر إليه مثلما تنظر الى امرأة اخرى".
"هناك دموع تُنعش وتُفرح القلب، ودموع تُشعل وتخنق".
"حين وطأ الشارع ووجد السماء فوق رأسه، والناس يذهبون ويجيئون، بمشيئتهم أو لمتابعة أعمالهم، دون أن يمعنوا النظر فيه حتى، أو يكترثون به لعدم معرفتهم به دون شك، شعر بأنه هو، تلك الأنا التي تنتسب الى"انا هو انا"فصار يتصاغر ويتصاغر، وينحسر في جسده باحثاً عن ركن صغير يتكور بداخله وأن لا يُرى مطلقاً. كان الشارع صالة عرض سينمائي وشعر أنه أحد أفراد هذا العرض، ظلٌّ وشبح. وأن هناك دائماً حماماً وسط هذه الحشود البشرية، ضياع في هذه الكتلة من البشر الذين يذهبون ويجيئون دون أن يعرفوه أو حتى ينتبهوا إليه، يثير في نفسه الوقع ذاته لحمام مفتوح على الطبيعة وعلى السماء وعلى زهرة الريح".
"لا أحد نتاج نفسه، إنما هو نتاج الآخرين".
شباب خالد
"رؤية الأبناء يكبرون هو الأجمل والأكثر فظاعة، على ما اعتقد. لا تتزوج اذن يا اوغوستو، لا تتزوج اذا أردت أن تستمتع بشبابك الخالد".
"ما الذي تريد أن نفعله نحن الفقراء، سوى أن نُطعم الأغنياء أولادنا؟".
"أنا انسان بسيط غاية في التواضع، عامل في الأفكار، أُلملم وأرتّب الاشياء لكي يعرف الذين يأتون بعدي كيف يستثمرونها. العمل الانساني جماعي، ولن يكون راسخاً ودائماً بفرديته".
"الوقت الضائع لا يعود حاملاً المناسبات التي تبددت".
"إن تفكر هو أن تشك ولا شيء سوى أن تشك. ممكن أن تؤمن، تعرف، وتتخيل دون أن تشك. لا الإيمان ولا المعرفة ولا التخيل يفترض الشك، لكن من غير الممكن أن تفكر دون أن تشك. من الشك، الذي هو من الايمان والمعرفة، يُخلق التفكير نشيطاً، متحركاً وحياً".
"حين يبحث أحد عن حجج لتبرئة نفسه، إنما يفعل بدقة عمل آخر لا علاقة له بالتبرير أمام الله".
"القتل من أجل القتل، فقدان للصواب، على الأغلب من أجل التحرر من الكره الذي لا عمل له سوى إفساد الروح، لأن أكثر من حاقد شُفي من غله وحلّت عليه الرحمة وأحب ضحيته، حالما انتزع الكره منها. العمل السيئ ينطلق من الشعور السيئ، لأن القانون يخلق المذنب".
"أن تكون أباً، على أن لا تكون مجنوناً أو بليداً، تُوقظ في نفسك أفظع ما في الانسان: الشعور بالمسؤولية".
"الزواج تجربة… نفسية، والأبوة كذلك… مَرَضية".
"كان يرغب بالانتحار لأنه كان نبعاً لمصائبه الشخصية".
"سمعت أن شخصاً ما خرج ذات ليلة مُسلحاً بمسدس وفي نيته قتل نفسه. ظهر بعض اللصوص وهجموا عليه لسرقته. تأهب للدفاع عن نفسه فقتل أحدهم بينما هرب الآخرون. وحين رأى أنه اشترى حياته بحياة الآخر، تراجع عن هدفه".
"نعم أنا إسباني، إسباني الولادة والتعليم والجسد والروح واللغة وحتى المهنة والوظيفة، إسباني قبل وبعد كل شيء، والإسبانية ديني، والسماء التي أريد أن اؤمن بها، هي إسبانيا الإلهية الخالدة وإن ربي هو ربٌ إسباني، وإن رب سيدنا دون كيخوته، هو ربٌ يفكر بالإسبانية، وبالإسباني قال: ليكن النور! وفعله كان فعلاً إسبانياً".
“المتشردون هم، الذين يقولون ما لا يفعلون ولا شيء لهم سوى فقدان الوعي وخنق التفكير".
"معظم المنتحرين، قتلة مُحبَطين. يقتلون أنفسهم لفقدان الشجاعة في قتل آخرين".
"حضرتك لا تريدني أن أكون أنا، أن أخرج من الضباب وأعيش، أعيش، أعيش، أن أرى نفسي، اسمع ذاتي، أشعر بي، أحس بكينونتي، أتألم، أكون: لمَ لا تريد؟ لمَ عليَّ أن أموت كائناً من وهم؟ يا سيدي المُنشيء دون ميغيل، حضرتك ستموت أيضاً، وتعود الى اللا شيء التي خرجت منه… رباه، هل ستتوقف عن الحُلم به! ستموت حضرتك، نعم ستموت شئت أم أبيت، ستموت حضرتك وسينقرض جميع الذين يقرأون هذا القصة، جميعاً، جميعاً، جميعاً لا يبقى منهم أحد".
فكرة أزلية
"لا استطيع أن أموت. فقط يموت الحي، الذي يعيش وأنا لا أستطيع أن أموت لأني غير موجود… أنا خالد! لا خلود سوى للذين لم يُولدوا ولم يوجدوا وأنا منهم. كائن من خيال هو فكرة، والفكرة خالدة دائماً… الخالدون لا يعيشون، وأنا لا أعيش ولا أظل على قيد الحياة. أنا فكرة! أنا فكرة!"“ما أغربه من حيوان، هذا الانسان! لا يرى أبعد من أنفه. يداعبنا دون أن نعرف السبب ولا لماذا حين نداعبه أكثر ونستسلم له، يرفضنا أو يعاقبنا. ليست هناك طريقة لمعرفة ما يريد، هذا إن كان يعرفه هو بنفسه. يظهر دائماً في هيئة أخرى بعيدة عن كينونته، وينظر من حيث لا ينظر، وكأن عالماً آخر يتبدى له. ومؤكدْ أنه ما كان سيوجد، لو أن هناك عالماً آخر".