عندما أصبح الشاعر الرصافي نائباً

عندما أصبح الشاعر الرصافي نائباً

عبد الحميد الرشودي
في 1/ تشرين الأول من سنة 1928، قدّم الرصافي استقالته من التدريس في دار المعلمين العالية في إثر مشادة حدثت بينه وبين أحد الطلاب وقد حاول مدير المعارف العام يومئذ العميد طه الهاشمي، أن يثنيه عن عزمه ويعدل عن استقالته فأبى، مما اضطر الهاشمي الى قبولها آسفاً بتاريخ 1/ تشرين الثاني 1928 وبذلك كان آخر عهده بوظائف الدولة،

وتحت تأثير هذه الأزمة النفسية التي عصفت به عاودته ثانية فكرة الهجرة من العراق والتوجه الى الهند فيمم وجهه شطر البصرة ليستعين بصديقه عبد اللطيف المنديل عسى أن يسهل أمر سفره الى الهند، إلاّ أن المنديل تلقّى من عبد المحسن السعدون رسالة يطلب فيها أن يبذل مايستطيع للحيلولة دون سفر الرصافي، مما اضطره الى القفول الى بغداد بعد أن سكن غضبه وثاب إليه رشده، فتوجه نحو ميدان السياسة ورشّح نفسه لعضوية المجلس النيابي، فانتخب لعدّة دورات، استطعت أن أحصي أربع منها وهي:

1- العضوية الأولى : وكانت في الدورة الانتخابية الثالثة نائباً عن لواء العمارة (محافظة ميسان اليوم) وقد استمرت من 1/11/1930 الى 5/11/1933.
2- العضوية الثانية : وكانت في الدورة الانتخابية السادسة نائباً عن لواء الدليم (محافظة الأنبار اليوم) وقد استمرت من 8/8/1935 الى 29/10/1936.
3- العضوية الثالثة: عن لواء الدليم (محافظة الأنبار اليوم) وقد استمرت من 27/2/1937 الى 26/8/1937.
4- العضوية الرابعة : وكانت عن لواء الدليم (محافظة الأنبار اليوم) وقد استمرت من 23/12/1937 الى 6/مايس/1938، وبانتهاء الدورة الانتخابية الثامنة يكون قد انتهى آخر عهده بالنيابة.
لقد مثّل الرصافي الأمة في المجلس النيابي خير تمثيل وكان رقيباً يقظاً وحسيباً لايعزب عنه شيء كان خلال ذلك مثال الوطني الغيور على شعبه الحريص على المصلحة العامة كما كان نموذجاً فريداً للنائب المرشد والناصح المسدد، وآية ذلك أن كثيراً من خطبه في قاعة المجلس كانت تقاطع بالتصفيق والاعجاب من قبل زملائه النواب، وقد افاد الرصافي كثيراً من نيابته الأولى في مجلس"المبعوثان"العثماني لمدة دورتين وعرف تقاليد المجلس النيابي كما أفاد من تجارب نوّاب الدولة العثمانية من شتى أقطارها، فاكتسب خبرة ومراناً كان لهما أكبر الأثر في نجاحه في المجلس النيابي العراقي، ونحن إذا فاتتنا خطبه واقتراحاته التي أدلى بها في مجلس"المبعوثان"ولاشك أنه قد خطب واقترح، وإلاّ فكيف يحق له أن ينعى على نواب بغداد في مجلس"المبعوثان"صمتهم وجمودهم حين قال:
قد لازم الصمت عياً في مجالسه                 
 كانما هو من نواب بغداد  
أقول اذا فاتتنا خطبه في مجلس"المبعوثان"فإن خطبه في مجلس النواب العراقي لم تفتنا وذلك بفضل همة صديقه وراويته الأمين ومؤرخه الثبت الأستاذ المرحوم مصطفى علي، فقد شمر عن ساعد الجد فتتبعها في سجلاتها ومظانها الرسمية لمحاضر مجلس النواب ومجلة الوقائع العراقية وقد نسخها بخطه الأنيق الرشيق فبلغت 145 صفحة وهي - ولاشك - تمثل جانباً من أدب الرصافي السياسي، أضف الى ذلك جرأته وصراحته.
وهذه مقتطفات من خطبه تفصح عن مذهبه السياسي وموقفه من القضايا العامة واللوائح القانونية التي طرحت على بساط البحث والنقاش فهو يعلن أمام المجلس : بأننا يجب ان نلتزم فيها السكينة وأن نتكلم بتروٍ وهدوء وأن يحترم بعضنا بعضاً وإن كنا بالرأي مختلفين مادمنا نهدف الى غاية واحدة هي سعادة البلاد، واذا اختلفنا في الرأي فهذا ناشئ من وجهة النظر والاجتهاد. ولعلّ من المفيد أن نقف مع القارئ بعض الوقفات القصار من خطبه.
1- قال في يوم تصديق معاهدة 30 حزيران 1930 :
(ألفت انظاركم الى أن اول معاهدة أو بعبارة أخرى الى فكرة المعاهدة من أين نشأت، كلنا يعلم أن بريطانيا دولة منتدبة من قبل عصبة الأمم على العراق فهي جاءت لتعقد معاهدة مع هذه الأمة الضعيفة التي هي تحت انتدابها وهذا أمر غير معقول.... كان الشعب العراقي يمقت الانتداب بحيث أن جميع طبقات الشعب في الاندية والمقاهي والبيوت والأسواق كلهم يلهجون بكلمة واحدة وهي لانريد الانتداب، فلما رأى القابضون على زمام السياسة في البلاد أن الرأي العام العراقي بهذه المثابة أرادوا أن يأتوا الشعب من طريق المخادعة فقالوا لهم نترك الانتداب ونأتيكم بمعاهدة).
2- خطبته في لائحة قانون تعديل قانون المطبوعات: (ألقاها في الجلسة الثانية والثلاثين والمنعقدة في 2 نيسان 1934... أما أنا فأقول كما قال الشاعر : (إنما الحيلة في ترك الحبل) اقول : لقد جربنا هذه الطريقة فلم ننجح، فلنطلق الصحافة ولا نقيدها إلاّ بالمحاكم... يُقال أن الصحافة تشتم الناس أظن انه لايوجد واحد شتمته الصحف أزيد مني، ومع ذلك فأنا أشكر الصحف التي تشتمني إذا كانت لا تقصد من ذلك إلاّ المصلحة العامة. فهذا هو رأيي، أقول على الحكومة أن تسحب هذه اللائحة وتأتي بلائحة تعديل أخرى ترفع القيود عن الصحافة).
3- خطبته في الشيوعية (ألقاها في الجلسة الخامسة والعشرين المنعقدة صباح يوم الاثنين 7 حزيران 1937)
كان حكمة سليمان رئيس الوزراء وهو يرد على نائب الموصل بشير الصقال، الذي ورد في خطبته: أن الحكومة القائمة (نصيرة الفقراء) فتوجس حكمة سليمان خيفة من كلمة (الفقراء) التي ذكرها النائب المحترم بأن تكون معناها الشيوعية، وبصفتي رئيس الحكومة، أقول (ياجماعة إن هذه الحكومة بعيدة كل البعد عن الشيوعيين)، وهنا طلب الرصافي الكلام فقال: إن الذي افهمه من كلام فخامة رئيس الوزراء في هذه المرة وفي غيرها، هو أنه يحتفظ ويحذر كل الحذر من أن يسمع أو أن يتكلم بكلمة تدل على الشيوعية أو يشم منها رائحة الشيوعية، وأفهم أيضاً أن هناك أناساً يريدون في طي الخفاء أن يضعوا تحت اقدام الحكومة مزالق من ثلوج الشيوعية، إن هذا الشيء غريب، الشيوعية مبدؤها معلوم ومبدؤها عالٍ سام جداً فليت شعري من هؤلاء الذين يريدون أن يقاوموا هذا المبدأ السامي، إن هذا المبدأ لايقاوم إلاّ بشيئين، أما بثقافة عالية أو بقوة غاشمة عظيمة جداً…
سادتي أنا شيوعي، وشيوعيتي إسلامية، الشيوعية التي جاء بها محمد بن عبد الله (ص) وجاء في القرآن (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)  فالضمير هنا يعود الى الأغنياء، فهذه كلمة حق وكل فقير له حق في مال الغني، وكان صلوات الله وسلامه عليه، يرسل عمّاله لجباية الزكاة ثم يقول: خذوها من أغنيائهم وردّوها على فقرائهم، فسألتكم بالله، هل الشيوعية غير هذا؟ فارجوا من فخامة رئيس الوزراء أن يعرّفني الرجال الذين يريدون أن يقاوموا هذا المبدأ السامي بالجهل.

عن كتاب (الرصافي خطيباً) الصادر عن مؤسسة المدى