الانتخابات النيابيّة الأخيرة في العهد الملكي

الانتخابات النيابيّة الأخيرة في العهد الملكي

د.  فاضل محمد رضا
يبدو أن قيام الجمهورية العربية المتحدة في 1 شباط 1958 أمر أقلق الأسرة الملكية الهاشمية في كل من العراق والأردن، فأملت عليها خطورة الظروف اتخاذ خطوة مقابلة تحفظ لها وجودها وتساعدها في النهوض والاستمرار، ولاعتبارات شخصية وسياسية، تقدم ملك الأردن باقتراح إلى ملك العراق يدعوه فيه الى الاتحاد فقوبل هذا العرض بترحاب شديد مع شيء من مظاهر الابتهاج.

بدأت المفاوضات التمهيدية بتبادل الوفود بين العراق والأردن، وفي 11 شباط توجه الملك فيصل على رأس وفد ضمّ كل من توفيق السويدي، وبرهان الدين باشا أعيان وزير الخارجية، ونديم الباججي وزير المالية، وعبد الرسول الخالصي وزير العدلية، والتحق بالوفد يوم 13 شباط 1958 عبد الاله ولي العهد.
وفي 14 شباط 1958 أُعلن عن اتفاق الجانبين على إقامة (الاتحاد العربي) برئاسة الملك فيصل الثاني، ونظرت الأوساط السياسية، والشعبية في العراق الى الاتحاد العربي بالمعارضة واللامبالاة، ولاسيّما أنها تعلم أن هذا الاتحاد أملته المصالح الشخصية، والرغبة الاستعمارية، فأعلنت جبهة الاتحاد الوطني انها ستكافح أي مشروع تقوم به بريطانيا واعوانها لتوريط العراق في الاتحاد مع شرق الأردن تنفيذاً لمخططاتها المبيتة.
نتيجة لتوتر الوضع السياسي في إثر قيام الاتحاد بين العراق، والأردن، وما يحتاج إليه الوضع الجديد من تشريعات تدعم كيان الاتحاد، وترصين وحدته، والقضاء على المعارضة الشعبية التي بدأت بوادرها منذ اعلان الاتحاد، لتكون له القدرة على الوقوف بوجه التحَدّيات الخارجية التي تمثلت بقيام الجمهورية العربية المتحدة، من خلال دعم المعارضة السورية، والتفكير بالعمل العسكري إذا اقتضى الأمر، وقد رأى البلاط أن هذا العمل يحتاج الى رجل قوي يقوم بأعباء المهمات الجديدة، وبعد أن اعتذر عبد الوهاب مرجان من القيام بها وقدّم استقالته بتاريخ 2 آذار 1958، اسندت المهمة الى نوري السعيد في 3 آذار 1958، وتحدث نوري السعيد عن إجراءات وزارته التي استهدفت دعم الاتحاد بجميع الوسائل وإعداد دستور الاتحاد الجديد، ثم تعديل الدستور العراقي لإيجاد التناسق بينه وبين دستور الاتحاد، وما يترتب على ذلك التعديل من حلّ المجلس الحالي وإجراء انتخابات جديدة على أن يتم ذلك قبل انتهاء المدة التي حددها اتفاق الاتحاد.
ولمّا كان قيام الاتحاد العربي اقتضى تعديل الدستور كما قدمنا، صدرت الإرادة الملكية في 27 آذار 1958 بحلّ مجلس النواب ولزوم إجراء انتخاب مجلس جديد.
توقّع ساسة المعارضة أن الانتخابات الجديدة ستشهد مداخلات نوري السعيد  السافرة كدأبه في الوزارات السابقة، فدعوا الى مقاطعتها، ووجّهوا بياناً أشاروا فيه الى معاناة العراق التي تكمن في الحكم الدكتاتوري الذي يهدف الى إزالة البقية الباقية من مقومات الحياة الدستورية، واستعرضوا سياسة السعيد في ضرب الحركة الوطنية والإمعان في انتهاك حريات الشعب الدستورية، وفي مثل هذا الجو لا يجد المواطن سبباً للمشاركة في انتخابات عرفت نتائجها مسبقاً، لا تستهدف سوى الاتيان بشهود زور على السياسة المرسومة، ولم يبق أمام الشعب إلا مقاطعتها وعدم الاعتراف بالمجلس الذي نتج منها.
وشهدت المعركة الانتخابية أفضع أنواع التزييف والتلاعب، ولم تدخر السلطات الادارية وسعاً إلا وبذلته، وقد اعترض المرشح عبد اللطيف محمد علي عن منطقة الاعظمية متهماً مدير ناحية الاعظمية بالترويج الى مقاطعة الانتخابات، وقد استفسر المرشح عن سبب هذه الدعوة، وهل تأتي على وفق خطة الحكومة، في الوقت الذي يحظى فيه بتأييد كبير من أهالي المنطقة، وطالب وضع الأُمور في نصابها، فأجاب مدير الناحية على اعتراض المرشح بأنّه لا يحظى بتأييد أبناء المنطقة بعد خسارته أمام خصمه طالب مدير الناحية بإقامة الدعوى عليه على وفق المادة (159) من قانون العقوبات البغدادية، وقدم المرشح قاسم محمد الخاصكي عن المنطقة الرابعة في بغداد اعتراضاً لعدم تطبق المواد (46، 47، 48) من قانون انتخاب النواب، إلاّ أنّ حاكم المنطقة الانتخابية الرابعة رفض الاعتراض، مع أن التزييف بحسب ما افاد المرشح المعترض وقع مرتين، المرة الأولى مسك الصندوق مفتوحاً بيد معاون الشرطة بعد أن اخرج لجنة الانتخاب قسراً، والمرة الثانية حين انتهاء عملية الانتخاب وإرغامه على ترك المركز الانتخابي قبل التصنيف بقوة الشرطة. في حين اعترض كامل القصاب المرشح عن منطقة الكاظمية لدى حكام المنطقة احمد المطيري، على عدم توفير الشروط القانونية لأحد المرشحين المنافسين له.
وبعد انتهاء المدة القانونية للترشيح بلغ عدد المرشحين في أنحاء العراق كافة (300) مرشح تنافسوا على المقاعد النيابية، وأعلن وزير الداخلية سعيد قزاز في المؤتمر الصحفي الذي عقده في قاعة الصحافة بدار الإذاعة يوم 5 أيار 1958، وتحدث فيه عن الدعايات المغرضة الصادرة من الخارج والتي زعمت بأن هناك ضغطاً على الناخبين مستدلاًّ على ذلك (أن بعض الفائزين بالتزكية كانوا نوّابها منذ ما لا يقل عن 15 سنة وقد خرجوا في كل مرة بالتزكية لمكانتهم في مناطقهم الانتخابية)، ولدى مقابلته الى مراسل الاسوشيتدبريس ويونايتدبريس، أعلن أن عدد الفائزين بالتزكية بلغ (118) نائباً وإن الانتخابات جرت في 6 ألوية لملء 27 مقعداً من مجموع 145 مقعداً، وسُئل عما اذا تبيّن للحكومة بوجود معارضة، فأجاب أن المعارضة اذا وجدت سوف تتبيّن بعد انعقاد مجلس النوّاب الجديد، وزعم في الاجابة بتوفير حرية الانتخابات، والدعاية الانتخابية، وحرية الرأي وأن المرشحين مارسوا كل ما ضمن لهم القانون من حرية، وقد سُئل عن احتمال قيام احزاب، أجاب أن الحكومة ستدرس الموضوع وتنظر إليه بإمعان ودقّة.
صدرت الارادة الملكية بدعوة مجلس النوّاب لعقد اجتماعه غير الاعتيادي في 10 أيار 1958، في الوقت الذي عقد مجلس الوزراء جلسة استثنائية برئاسة رئيس الوزراء نوري السعيد لبحث صيغة خطاب العرش الذي سيلقيه الملك في افتتاح المجلس وقد افتتحت الجلسة الأولى للدورة السادسة عشرة في 10 أيار 1958 بخطاب العرش الذي اشار فيه الى السياسة القومية التي تبناها العراق والتي تمثلت في قيام الاتحاد العربي، ولتحقيق الوحدة العربية لابد من تعديل القانون الأساس، وبعد أن قدمت الحكومة لائحة التعديل وافق عليها مجلس النوّاب وحلّ وجرى انتخاب المجلس الحالي، وأن أهم أعماله اتمام تشريع لائحة التعديل الثالث للقانون الأساس.
 بدأ مجلس النوّاب انتخاب اعضاء ديوان الرئاسة، فأحرز عبد الوهاب مرجان (134) صوتاً ليكون رئيساً للمجلس، ثم انتخب عز الدين ملا نائباً أولاً وقد أحرز (125) صوتاً، أما النائب الثاني كان من نصيب فوزي الخضري والذي صوّت له (112) نائباً، وانتهى هذا المجلس بقيام ثورة 14 تموز 1958 لتنتهي بهذا صفحة من صفحات تاريخنا الحديث.

عن رسالة (الانتخابات النيابية في العراق...)