الموصل في أواخر القرن التاسع عشر كما وصفها بريطاني

الموصل في أواخر القرن التاسع عشر كما وصفها بريطاني

صلاح سليم علي
من الرحالة البريطانيين الذين زاروا الموصل في أواخر القرن التاسع عشر ارنست واليس بوج (بج). وقد كتب العديد من الكتب عن مشاهداته في الشرق. أما الكتاب الذي تضمن رحلته الى الموصل ووصفه لها فهو كتابه [على ضفتي النيل ودجلة بين عامي 1886- 1913].. ويقع بمجلدين يتناول في الأول مصر وفي الثاني العراق.. ومن مشاهداته في الموصل :

يحمي الموصل سور قوي مبني من الطابوق [الحجارة] يبلغ طوله قرابة ثلاثة أميال.. وكان عندما رأيته في وضع جيد نسبياً.. وهو سور كامل باستثناء فجوة كبيرة فيه في الزاوية الجنوبية الشرقية وللمدينة تسع بوابات هي باب سنجار، باب الشط، باب السراي، باب الجسر، باب العراق، باب جديد، باب الطوب، باب لكش، باب البيض..[يستخدم واليس بج تسميات باب كبريت وباب القلعة وباب القصر والباب الضيق لبعض ابواب المدينة]...

وكانت بوابات الموصل في بواكير عهدها على الحكم العربي أقل عدداً ويرجح أن مدينة الموصل العربية كان لها أربع بوابات فقط.. وشوارع الموصل ضيقة جداً ورديئة التبليط فضلاً عن كونها وسخة حتى في أجواء الصيف، ولكن وضعها بعد سقوط الثلوج أو المطر الغزير لايوصف.. ومن البيوت مايبنى بالمرمر الرمادي الذي يجلب من محاجر قريبة من الموصل.. وهو نوع من الحجارة سهلة التقطيع ويمكن حملها واستعمالها في كل الأوقات وبخاصة في بداية نقلها من المحاجر.. وغالباً مانراها في مداخل البيوت وفي عتباتها وفي جدران الغرف وفناءات البيوت وايواناتها.. ومعظم البيوت في الموصل له سطوح مستوية تحيطها ستائر واطئة.. وتوفر السطوح مكاناً جيداً للنوم في الليل في  اثناء الصيف.. ويوفر الفناء [الحوش] مكاناً جيداً للجلوس في أيام الحر غير أن الفناء في الأوقات الأخرى غالباً ما يكون بارداً ورطباً.. ويلجأ أهل الموصل في ظهيرة الصيف شديد الحرارة الى السراديب الواسعة التي تبنى لهذا الغرض. غير أن الأجانب غالباً مايصابون بنوبات الحمى في اعقاب نومهم فيها.
والسوق في الموصل بناية شامخة حيث يتم اجراء معظم انواع الأعمال التجارية هناك.. ولكنه لايحتوي مايثير اهتمام الرحالة الذي شاهد اسواق اسطنبول أو القاهرة أو بغداد... فلم أجد محالاً لبيع التحف [الأنتيكات] وليس للتجار الذين يتعاملون بالمنسوجات ما يعرضونه مما يشد انتباه الزائر باستثناء الأقمشة الأنكليزية المستوردة من مانجستر والأقمشة الحلبية.. وسألت من غير ما جدوى على عينة من الموسولين الذي اخذ اسمه من مدينة الموصل، وكان ذائع الصيت في المشرق برمته لألوانه الجذابة وجودته الفائقة.. ولكن كل ماعرض عليّ كان من منتجات انكلترا وكان مطوياً على ألواح كرتونية مصنوعة في انكلترا ومحفوظ بورق انكليزي ويحمل اختام شركات انكليزية معروفة.. وفي أحد المحال رأيت علب أدوية ايطالية قديمة تحمل اسماء ادوية لاتينية وهاوناً نحاسياً مع يدّته وهي من متروكات طبيب أيطالي وفد الموصل من جزيرة ابن عمر ويذكر أنه كان فائق الذكاء.
وكان عرض الخضراوات في أيام التسوق في غاية العناية إلاّ أن الأسعار بدت لي باهظة. ولم أجد سكائر في المدينة والنوع الوحيد من التبوغ المتوفرة هو [التتن] الذي يزرع في الجبال الكردية.. ويباع بشكل اوراق كبيرة يقوم المشتري بكسرها وتفتيتها بيديه ثم يدخّنها بعد لفها بورق خشن كيفما اتفق ويكون شكل السكارة المعمولة بهذه الطريقة مدبباً من جهة وكبيراً من الجهة الثانية، وغالباً ماتتفكك الورقة مما يؤدي الى سقوط الجزء المشتعل من السيكارة فوق [ثياب] المدخن [ أي أن السيكارة"تتفلش"مما يؤدي الى سقوط جزء كبير من التتن المحترق].
والكلاب في الموصل تقدر بفيلق، ولابد أن يكون منها بضع عشرات في السوق وحده.. ومن هذه الكلاب المتوحش والهجومي وهي في ما يبدو متحدرة من انواع كردية أو جبلية أخرى)..[ويضيف واليس بج في ملاحظة]، ويشتم أهل الموصل الكلاب كلها باستثناء السلوقي.. إذ يقوم المسيحيون والمسلمون على حد السواء بشراء الخبز من السوق في كل يوم جمعة ليطعمون الكلاب الجائعة في طريقهم الى المقابر لزيارة قبور موتاهم.. ولاحظت أن اكثر من ينفق المال لهذا الغرض هم المسلمون. ثم يتطرق الى الجوامع والمساجد:
تقع الموصل على الضفة الغربية لدجلة مقابل ذلك الجزء من نينوى المعروف بالتل الكبير قوينجاق.. والمسافة بين تلقوينجق والنهر حوالي ميل ونصف الميل.. والوسيلة الرئيسة للانتقال بين المدينة والضفة الشرقية [اليسرى] هي جسر القوارب المتجهة في نهاياتها المدبّبة باتجاه التيار ويرتبط أحدها بالآخر بواسطة سلسلة حديدية، وفوق الجسر طبقة من التراب مفروشة فوق اغصان الأشجار التي ترتكز بدورها على طبقة من القضبان المفلوقة والكاملة وتشكّل هذه الطبقات الطريق فوق الجسر.. والقوارب نفسها قديمة ومخلخلة ولم أدهش عندما سمعت أن معظم تلك القوارب تحطم بعد ارتفاع مياه دجلة بشهر أو نحو ذلك.. وترتبط النهاية الشرقية لجسر القوارب ببقايا جسر حجري شيّده العرب[؟] في القرون الوسطى فوق دجلة.. ولاتزال عقود [أقواس] من ذلك الجسر قائمة وبمقدورها حمل الناس ووسائط النقل المارة فوقها.. ويوجد حول هذه الأقواس [عقود الجسر الحجري] وفي المساحة الممتدة امامها  ضرباً من المعارض الدائمية تُقام هناك عندما تنخفض مياه دجلة، حيث ينصب الباعة المتجولون من مختلف القوميات خيامهم ليبيعوا البيض والسمك والخبز والفاكهة والرقّي والبطيخ وما إلى ذلك، كما يقوم الحواة والبهلوانات على نحو متكرر بعرض مهاراتهم على الصبيان والأطفال الذين يتابعون مايقوم به الحواة والبهلوانات بانبهار شديد، بينما ينشد الكبار الى أحاديثهم ونكاتهم التي لاتخلو من طرافة وإثارة.. وعندما ينخفض النهر تستخدم بعض الأقواس كاصطبلات من قبل اصحاب القوافل ممن لايعبر النهر الى الموصل، بينما تحجب أقسام أخرى منها لشذاذ الآفاق الذين يستخدمونها لأغراض غير أخلاقية حتى في وضح النهار.
أما إدارة العدالة فمتراخية بما لايُقاس، وكان الشاهد المحترف [شاهد الزور] يعيش  بأفضل حال لأن أجوره تتزايد مع حجم جهله بالقضية التي يحضر لتقديم الشهادة فيها.. وهناك قضية أثارت اهتمامي من شأنها توضيح ماذهبت اليه بخصوص العدالة في الموصل.."جاء احد الجنود الى قوينجق وكان واجبه هو اجراء دورية في التل بينما كنا نقوم بالتنقيب فيه.. وكنا منشغلين بالتنقيب عندما لفتت انتباهنا مشاجرة [كلامية] بين الجندي وضابط صادف وجوده هناك، فقام الضابط بانتزاع بندقية الجندي ورفعها في الهواء وانهال بإخمصها على رأس الجندي، فسمعنا صوت ارتطامها بقوة ورأينا الجندي وهو يسقط على الأرض بدون حراك.. وفي اليوم نفسه جاء اليَّ بعض اقرباء الجندي وتوسلوا بي أن اصاحبهم الى الوالي لمطالبته بتحقيق العدالة بما يتعلق بجريمة القتل.. ولأنني اعرف تماماً وقائع القضية بالتفصيل، وافقت على الذهاب معهم فاستقبلني الباشا باهتمام بالغ وشكرني لزيارتي ووعد بالتحقيق في القضية.. وفي اليوم التالي ذهبت مجدداً الى الباشا لأرى ما تم عمله [بشأن القضية] فعرفت أن الجندي قد دفن في الليلة الماضية، وبعد يوم على زيارتي ارسل لي الباشا رسالة يقول فيها، إن الضابط سوف يحاكم في محكمته في السراي، ويوجه ليّ الدعوة بحضور المحكمة.. فذهبت في موعد المحاكمة ورأيت العديد من الشهود الذين جاءوا لتقديم الشهادة لصالح الضابط.. وذكر الجميع الحكاية نفسها بصياغات مختلفة ومفادها أن الجندي هو من هاجم الضابط بالبندقية وأنه فقد توازنه في اثناء هجومه فسقط على البندقية وبذلك جرح نفسه وإن الجرح الذي تسبّب به بنفسه هو سبب الوفاة.. ولكن أحداً لم يصدق شهادات هؤلاء الشهود المأجورين لأنهم عند استجوابهم ظهر أن أحداً منهم لم يكن حاضراً وقت مقتل الجندي.. وبعد الكثير من الكلام، طلب الباشا حضور طبيب نمساوي أو بولوني لتقديم شهادته.. فقال الطبيب بأنه اجرى فحصاً عدلياً لجثمان الضحية، فرأى فوق قلبه بقعة أظهرت أنه مقدّر له أن يموت حتماً في اللحظة نفسها التي مات فيها.. وإن الضربة التي تلقاها من البندقية [والتي هشّمت جمجمته]  لا علاقة لها بسبب الوفاة.. وتم إطلاق سراح الضابط بعد الإدلاء بتلك الشهادة....

عن مدوّنة (بيت الموصل)