8 حزيران 1925.. أول انتخابات نيابيّة في تأريخ العراق الحديث

8 حزيران 1925.. أول انتخابات نيابيّة في تأريخ العراق الحديث

إعداد : ذاكرة عراقية
انتهى المجلس التأسيسي العراقي من إنجاز المهمات التي أوكلت إليه وهي وضع القانون الأساس العراقي (الدستور) والمعاهدة العراقية البريطانية وسنّ قانون الانتخابات. وشرع بالتهيؤ للانتخابات النيابية، إذ صدرت الإرادة الملكية بإجرائها في الأيام التي تبدأ في أواخر مايس/ أيار 1925.

جرت الانتخابات في عهد الوزارة التي يرأسها ياسين الهاشمي واستمرت عشرة أيام انتهت في مثل هذا اليوم من عام 1925 وفاز فيها 86 مرشحاً، وفق نظام الانتخابات الثانوية إذ تجري على مرحلتين أولى وثانية. وقد عقد اول اجتماع لهذا المجلس في 16 تموز 1925، فانتخب رشيد عالي الكيلاني رئيساً للمجلس. واستمر المجلس النيابي الأول بأعماله الى أن صدرت الإرادة الملكية بحلّه سنة 1928. ومما يجدر ذكره أن رئيس الوزراء ياسين الهاشمي لم يستطع الحصول على أغلبية برلمانية فقدّم استقالة حكومته في 28 حزيران وأسّس حزباً جديداً سمّاه حزب الشعب جعله حزب المعارضة وأسّس رئيس الوزراء الجديد عبد المحسن السعدون حزباً باسم التقدم. وكانت تلك بداية موفّقة للحياة النيابية في تاريخ العراق الحديث. لقد لعب المجلس النيابي في العهد الملكي دوراً مفصلياً في مجريات الأحداث. وبعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 لم تستطع الحكومات المتعاقبة من إحياء الحركة النيابية، حتى شهد العراق عودتها في عام 2005.
أنيطت السلطة التشريعية وفق القانون الأساس الى مجلس الأمة والمكوّن من مجلس الأعيان ومجلس النواب، ويضم مجلس الأعيان 20 عضواً يعينهم الملك، ومدة العضوية في المجلس 8 سنوات على ان يتبدل نصفهم كل أربع سنوات).)
أما مجلس النواب، فقد باشر المجلس التأسيسي عمله لسن قانون انتخاب النواب، فبموجب المادة (37) من القانون الأساس التي نصّت على أن يكون (تعيين طريقة انتخاب النواب بقانون خاص يُراعى فيه أصول التصويت السري ووجوب تمثيل الأقليات غير الإسلامية).
عرضت وزارة العدلية العراقية بعد إتمام عملها في وضع لائحة مشروع قانون انتخاب النواب، على المجلس التأسيسي، الذي قرر في الجلسة 42 المنعقدة في 21/تموز/ 1924 تشكيل لجنة تدقيق المشروع (قبل البدء في مناقشته(.
 قدمت اللجنة تقريرها الى المجلس في 26/تموز/1924م، ولم يكن تقرير اللجنة على قدر كبير من الدقة نتيجةً لضيق الوقت، فاللجنة لم تتمكن من فحص المشروع بل اكتفت بملاحظة قانون الانتخاب التركي، ونظام انتخاب المجلس التأسيسي واستفادت من تجارب بعض أعضائها التي اكتسبوها عند إشرافهم على الانتخابات السابقة، إلاّ أنه من الجدير بالذكر أن اللجنة قد راعت في عملها كما ورد في مقدّمة التقرير مسألتين أساسيتين، الأولى، المحافظة على الأحكام والعبارات الواردة في القانون الأساس العراقي، أي عدم تعارض مواد اللائحة الجديدة مع مواد القانون الأساس، والثانية حفظ سلامة الانتخاب من وسائل التدخل.
لم يشهد مشروع قانون انتخاب النواب مناقشات حامية في داخل المجلس التأسيسي، ولعل ابرز وأطول المناقشات التي شهدها المجلس هو ما كان يتعلق بحقوق الطوائف الإسلامية في الانتخاب والموضوع المتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية الى ثلاث مناطق.
وفي 2/آب/1924 تم التصويت على القانون فحصل على الأكثرية الساحقة لعدد الأعضاء، وقد احتوى قانون انتخاب النواب لسنة 1924م على 52 مادة موزّعة على مقدمة ضمّت أحكاماً عامة وأربعة فصول، وأهم ما جاء فيه إن مبدأ الانتخاب على درجتين أي الانتخاب غير المباشر، ينتخب النائب بحيث يمثل 29 ألفاً من السكان، ويجب أن يكون قد بلغ الثلاثين من عمره وأن يكون من دافعي الضرائب، أما المنتخب الأول، فيجب أن يكون من الذكور الذين بلغوا الحادية والعشرين من العمر ومن دافعي الضرائب، وينتخب كل 250 منتخباً اولاً منتخباً ثانياً، ويجب أن يكون المنتخب الثاني قد بلغ الخامسة والعشرين ومن دافعي الضرائب).
  وينتخب نواب أضافيون يمثّلون الطائفتين المسيحية واليهودية في ألوية بغداد والموصل والبصرة، ويقسم العراق الى ثلاث مناطق انتخابية وكل لواء يعتبر دائرة انتخابية، ويجري الانتخاب بالتصويت السري، هكذا تم وضع أول قانون انتخاب النواب في تأريخ العراق المعاصر.
 
انتخابات عام 1924 ـ 1925
بعد المصادقة على قانون انتخاب النواب ونشره في 22/تشرين الأول/ 1924، صدرت إرادة ملكية تقضي بتعيين 15/تشرين الثاني من العام نفسه موعداً لبدء انتخابات قوائم المنتخبين الاولين.
بدأت الاستعدادات لخوض الانتخابات التي سيتمخض عنها تشكيل اول مجلس نواب في العراق، وتحوّلت الى حدث سياسي مهم على مدى الأشهر العديدة التي استغرقتها، واتسمت الانتخابات بحيوية اكبر من انتخابات اعضاء المجلس التأسيسي.
لم تخل نتائج هذه الانتخابات من سلبيات رافقت سير العملية الانتخابية، منها عدم توفر احصاءات دقيقة لسكان العراق حيث أصدرت الحكومة قراراً في 3/كانون الثاني/1925 بتشكيل لجنة لتدقيق نفوس العراق، مهمتها العمل من اجل تصحيح الزيادات الحاصلة وفق اسلوب التخمين، وكذلك لجعل عدد الناخبين منسجماً مع الخطة الموضوعة مسبقاً في تحديد عدد المقاعد، لكن هذا الاسلوب الاحصائي سبّب إجحافاً لحقوق بعض الالوية حيث تم تقليص عدد سكان البصرة من 180 ألف نسمة الى 120 ألف نسمة، أما السلبية الثانية فتكمن في تدخلات كل من الحكومة ودار الاعتماد البريطانية، حيث مارسوا ضغوطات مختلفة لضمان وصول مرشحيها الى مقاعد البرلمان.
انتهت الانتخابات واعلن عن نتائجها النهائية في 23/حزيران/1925م، حيث اسفرت عن فوز 88 نائباً كان من بينهم 55 نائباً لم يدخلوا المجلس التأسيسي السابق.
عقد مجلس النواب اول اجتماع لهُ في تموز 1925م، وانتخب رشيد عالي الكيلاني، رئيساً للمجلس، وصدرت كذلك ارادة ملكية بتعيين اعضاء مجلس الاعيان وانتخب يوسف السويدي رئيساً له.
مـن جانب آخر، كان عمر هـذه الدورة قصيراً فقد حل الملك البرلمان مكرهاً وبضغط مـن المندوب السامي البريطاني هنري دوبس مع بـداية اجتماعه الاعتيادي الثالث. وكـان للصراعات السياسية بيـن الاحـزاب والنواب داخل المجلس وعـدم رضا البريطانيين عن سيـاسة الملك ووزرائه التي يرأسها جعفـر العسكري فـي اصرارهم على فرض التجنيد الالزامي أثره فـي ذلك، اضافة الى انهيار وزارة العسكـري الائتلافية بعـد توقيعها معاهدة جديدة مع بريطانيا أواخر عـام 1927، لم تحقق فـي نظر المعارضة الشـروط الواجبة لاستقلال العراق عنـد دخوله عضواً في عصبة الامـم، فكان تكـليف عبد المحسن السعدون برئاسـة الوزارة الجديدة حسب رغبة المنـدوب السامي واصرار السعدون على حل المجـلس النيابي الذي سبـّب لوزارته السابقة ثلاث هزائـم أدت الى استقالته العامل الرئيس في الوصول بالبرلمــان العراقي الى حلّه تمهيـداً لإجراء انتخابات جديدة لصالح وزارة السعدون مما شكّل سابقة غير حكيمة على طريـق التجربة البرلمانية في العـراق.