أوّل مسمار في نعش انقلاب بكر صدقي..استقالة الإصلاحيين في وزارة الانقلاب سنة 1937

أوّل مسمار في نعش انقلاب بكر صدقي..استقالة الإصلاحيين في وزارة الانقلاب سنة 1937

د. وسام عكار التميمي
أخفق (التضامن الوزاري) بين أعضاء الوزارة السليمانية منذ تأليف تلك الوزارة في 29 تشرين الأول 1936، واتضح لبعض الوزراء صعوبة الاستمرار في العمل بعد أن تجلّت مطامع بكر صدقي العسكرية، وأخذت حدة الخلافات تزداد، لاسيما بين الأخير والوزراء الإصلاحيين وأخذ يتدخل في أمور البلاد الصغيرة والكبيرة،

 كما أنه دأب على حضور اجتماعات مجلس الوزراء ويتدخل في شؤونه وفي مقرراته، ويحاول أن يفرض تعيين بعض الأشخاص في مناصب معينة، وذلك الأمر كان يثير جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي.
في إثر ذلك قدّم الجادرجي استقالته من الوزارة في 26 آذار 1937، وقد تضمّنتْ الاستقالة إشارته إلى أن مهمة الوزارة هي القضاء على الأوضاع السابقة والبدء بالإصلاحات الشاملة بالسرعة المستطاعة، ولكن مضى على تأليف الوزارة ما يقارب الستة أشهر ولم تتحقق الآمال ولم تتغير الأوضاع السابقة، وعليه، فلا يستطيع الاستمرار في المسؤولية، ولكن تلك الاستقالة ظلت معلقة.
ومن جانبه كان جعفر أبو التمن يدعوا إلى التريث ولا يؤيد كامل الجادرجي في اندفاعه نحو الاستقالة وترك الحكم، وكان يأمل في إن تتغير الأمور، وفي الوقت نفسه كان حكمت سليمان يؤملّ أبو جعفر التمن بأن الأوضاع سوف تتحسن، وكان الأخير يعتقد بقوة حكمت سليمان وقدرته على السيطرة على الأمور من جهة، ومن جهة أخرى كان جعفر أبو التمن يحاول البقاء في الوزارة وإصلاح الأمور لأنه كان يخشى الإخفاق.   
بَيْدَ إنَّ الأمور أخذتْ تسير منْ سيئ إلى أسوأ، وقد أثارت بعض الحوادث التي وقعت في منطقة الفرات الأوسط، كلاً من كامل الجادرجي وزير الاقتصاد والمواصلات، وجعفر أبو التمن وزير المالية، نتيجة ذلك اجتمعا في دار الأخير واستعرضا الموقف في الساحة السياسية، وقررا الاستقالة، وتم عرض الأمر إلى يوسف إبراهيم وزير المعارف، فأقر وجهة نظرهما، ثم رأوا من المناسب أن يعرضوا الأمر على صالح جبر وزير العدلية فوافقهم، لاسيما وإن الأخير كان مستاءً من سير الأوضاع العامة التي لا تبعث الى الطمأنينة، وتفشي المبادئ المتطرفة تفشياً مزعجاً.
في 19 حزيران 1937، قدّم جعفر أبو التمن وزير المالية، وكامل الجادرجي وزير الاقتصاد والمواصلات، ويوسف عز الدين إبراهيم وزير المعارف، وصالح جبر وزير العدلية استقالتهم من وزارة حكمت سليمان، والثلاثة الأولون هم من جمعية الإصلاح الشعبي. وقد قبلتْ الاستقالة في 24 حزيران. وجاء في نص الاستقالة.
(فخامة رئيس الوزراء).
"لما كانت البلاد التي طالما ضحينا في سبيل تحقيقها حرصاً على سعادة أبناء البلاد ورفاههم واطمئنانهم وتأمين العدل بين الجميع، قد حيل دون تحقيقها والتدابير الحكيمة والسليمة التي قررناها في سبيل استقرار البلاد والتي أجمع الرأي العام على تحبيذها، توخى الجميع حسن نتائجها، فقد شاءتْ الأقدار إلا أن تنعكس الآية فتمزق دماء أبناء البلاد ضحية لتصرفات بقيت مكتومة علينا لولا شيوع استهجانها في كثير من الأوساط. ولأن التمادي في إتباع السياسة المحسوسة والاندفاع إليها لا يتفق مع السياسة الرشيدة الواجب على المخلصين إتباعها فلم يبق لنا أي أمل في الاشتراك في المسؤولية. ولذلك قدمنا استقالتنا. مع الاحترام".
إن ما جاء في الاستقالة من إن دماء أبناء البلاد تزهق ضحية تصرفات بقيت مكتومة، هو إشارة إلى حركات عصيان مدني وقعتْ في منطقة الفرات الأوسط في 15 آذار 1937، فتح مخافر للشرطة بين مركز الديوانية والسماوة والعمل بالتجنيد الإجباري، فحصل تمرد عشائري نسبتْ فيه إلى القوة الحكومية القسوة في قمعه. فكان هذا الحادث السبب المباشر لتقديم الاستقالة، أما أسبابها الأُخرى فإنها كانتْ قد تجمعتْ منذ وقت سابق وبعد مدة قصيرة من بدء الحُكم بعد نجاح الانقلاب، إذ بدأت تظهر لدى بكر صدقي نزعات ممارسة الحُكم الفردي.
وذكر كامل الجادرجي إنه بعد أن بلورت اتجاهات بكر صدقي الدكتاتورية، وتوجيه حملة قمع متزايدة ضد العناصر التقدمية، لم يعد أمام تلك العناصر مجال للنشاط وحرمتْ – بالإضافة إلى الاضطهاد – من حرية العمل السياسي ومن التعبير عن الرأي(186).
يظهر إن جعفر أبو التمن وكامل الجادرجي وباقي أعضاء جمعية الإصلاح الشعبي الآخرون لم يتمكنوا من تصحيح ذلك الوضع الذي كانوا يطمحون إلى إقامته بعد الانقلاب، ولم يتمكنوا من حمل حكمت سليمان على الوقوف موقفاً منسجماً مع موقفهم ضد تدخل بكر صدقي في شؤون الحُكم السياسية وغيرها والحيلولة دون تنفيذ اتجاهاته بفرض حكم فردي في العراق. وعندما رأى الوزراء من الإصلاحيين إنه لم يعد لوجودهم في الحُكم يخدم أهدافهم التي قبلوا الاشتراك في الانقلاب وفي الحكم لغرض تحقيقها، ومن ذلك تحقيق الحياة الديمقراطية للعراق، وجدوا إنه يتعيّن عليهم الاستقالة من الوزارة، وعندما وصلوا إلى تلك القناعة جاء السبب المباشر للاستقالة سابق الإشارة إليه- فقدّموا استقالتهم من الوزارة واشترك معهم في تقديمها صالح جبر وزير العدلية.
من جانبه، وصف السفير البريطاني في العراق، كلارك كير في رسالة له إلى وزارة الخارجية البريطانية، دوافع الوزراء المستقيلين بقوله"إن جعفر ابو التمن قد تأثر بأخبار الخسائر الفادحة لمواطنيه الشيعة في الهجوم على العشائر في السماوة والروايات المبالغ فيها عن قساوة متصرف الديوانية، وقد أثار ذلك سخط أبو التمن، أما كامل الجادرجي فإنه انضم إليه لأنه توقع أنه على أية حال سيخرج من الوزارة، ويوسف عز الدين تبع كاملاً كصديق مخلص له، وصالح جبر ربما كان مسروراً حقيقة بالانسحاب مع جماعة جديدة من وزارة لم يكن مرتاحاً أبداً في وجوده فيها. كما إن لكل وزير من الوزراء المستقيلين نظرته في نقد حكمت سليمان ولكنهم يتفقون على إنَّ رئيس الوزراء هو في يدّ رئيس أركان الجيش وهذا الأمر لا يحتمل".
كان وقع الاستقالة على حكمت سليمان وقع (الصاعقة) على حد وصف كامل الجادرجي،لاسيما وقد اتفق موعد الاستقالة مع زيارة وفد من وزارة الخارجية التركية إلى العراق.
وقد قابل رئيس الوزراء الاستقالة بانزعاج كبير وأبدى دهشته من أن يكون جعفر أبو التمن على رأس المستقيلين، لأنه لم يكن يعتقد أنه لا يتعاطف معه، بالرغم من علمه أن الجادرجي وصالح جبر كانا مستائين من الوضع. كما قام بكر صدقي بمناشدة أبو التمن للعدول عن استقالته، لكن الرجل رفض ذلك قائلاً"إني أرفض أن أحمل الطبل بينما أنت الطبال". ولكي يسبب جعفر أبو التمن إرباكاً لرئيس الوزراء وينشر روح السخط ضد الحكومة، أوعز بطبع نسخ كثيرة من الاستقالة ووزّعت على المواطنين في بغداد ومناطق الفرات الأوسط.
وفي جلسة مجلس النواب الني انعقدتْ في 26 حزيران 1937 – وكانت آخر جلسة في الاجتماع غير الاعتيادي للمجلس -  تليت الإرادة الملكية الصادرة بقبول استقالة الوزراء الأربعة. تحدث رئيس الوزراء حكمت سليمان عن الاستقالة فقال"إن العمل الذي جوبهت به الحكومة وتقديم الوزراء استقالاتهم بهذه الكيفية الغريبة، اترك عليها الحكم إلى المجتمع العراقي، ولا أقول أكثر من هذا الآن، لأن المستقيل كفيل بفسح المجال للمناقشة والعتاب، ولابد للمجتمع العراقي النبيل أن يقف على الحقيقة في جميع المسائل مع مضي الزمن".
تمهد السبيل أمام بكر صدقي لإقامة دكتاتورية عسكرية بعد أن تخلص من الإصلاحيين وبدأت الحكومة تمارس أسباب القمع ضد العناصر اليسارية التقدمية. فأسقطت الجنسية العراقية عن عبد القادر إسماعيل وأخيه يوسف وسافرا إلى سوريا، وتعرض الاصلاحيون إلى الاضطهاد ومحاولات الاغتيال، فأضطر قسم منهم السفر إلى الخارج، فقد سافر كامل الجادرجي إلى قبرص وصادق كمونة ومكي جميل إلى سوريا، أما جعفر أبو التمن فقد قيل إنه سافر إلى إيران تحت ضغط التهديد بالاغتيال.
    ومن جانب آخر، أعلنتْ وزارة الداخلية إغلاق جمعية الإصلاح الشعبي في الرابع عشر من تموز 1937، وجاء في بيان الوزارة"قررتّ وزارة الداخلية إغلاق جمعية الإصلاح الشعبي بعدما ثبت لديها إن مقاصدها مضرّة بكيان المملكة وسلامة المجتمع، واستهدافها بثّ فكرة مسمومة كالشيوعية وقد ظهرت آثارها في المواقف المخلّة بالأمن العام".
    لم يطل الزمن بوزارة حكمت سليمان، إذ ما لبث أن أغتالت العناصر القومية بكر صدقي، ومحمد علي جواد، قائد القوة الجوية في مطار الموصل في (11 آب 1937) على يد نائب العريف محمد عبد الله التلعفري، فحدثت تمردات عسكرية في الموصل وبغداد، حينذاك شعر حكمت سليمان، أن وزارته زائلة لا محال، فقدّم استقالته في (17 آب 1937)، وفي اليوم نفسه، كلّف الملك غازي جميل المدفعي بتأليف وزارته الرابعة، وإعلان اتباع سياسة إسدال الستار على الماضي والترفع عن الانتقام. وهكذا فشلت تجربة التحام جمعية الإصلاح الشعبي بالجيش العراقي، ذلك الالتحام الذي لم يكن قائماً على أي تقارب أيدلوجي بين الطرفين.

عن رسالة (جمعية الاصلاح الشعبي ودورها...)