بسّام الوردي.. حصار الموهبة

بسّام الوردي.. حصار الموهبة

علي حسين
عنيد وصارم صفتان لازمتا بسّام الوردي طوال حياته.العنادُ في مواجهة الساعين الى تقديم أعمال تلفزيونية ساذجة ومهلهلة، والصرامة في الاختيار سواء على مستوى النص أو الممثلين أو الكادر الفني الذي يعمل برفقته، وهذه الصرامة والعناد هما اللذان أنتجا عدداً من الأفلام القصيرة والتمثيليات ومسلسلات تعد على أصابع اليد حفرت في ذهن متفرج مثلي انطباعات كالوشم لاتُمحى.

كانت المرة الأولى التي تعرفت فيها على إبداعات بسّام الوردي، حيث شاهدت فيلمه القصير والجميل (حكايات للمدى) فأحسست أن وراء هذه الكاميرا مخرج يعزف على أوتار قلبه..

ففي أربع وعشرين دقيقة من الزمن، استطاع فيها هذا الفنان أن يمزج بين عدة فنون في طريقة لم يسبقه الكثيرون إليها مقدماً لنا مزيجاً من حكاية النحّات يحيى جواد مع قصائد رياض قاسم في مزج جديد بين الشعر والصورة ليكشف لنا عن قدرة بارعة في المزج بين التأثيرات البصرية للكاميرا وبين عناصر أدبية تذهب الى اللفظ والجملة مما يجعلنا نشعر بأن هذا المخرج قادر على ترجمة فيلمه الى نص أدبي جميل.
وإنه يمتلك في الوقت ذاته عيناً وروحاً فنانة لها القدرة على النفاذ والاختراق الى أعماق وأحاسيس إنسانية متشابكة ومعقدة وإخضاعها لمقتضيات العمل الفني الذي تنظمه هذه الرؤية التي جمعت في آن واحد بين متطلبات العمل السينمائي وإيقاعات القصيدة وجماليات الفن التشكيلي وسحر الموسيقى لتصدر عن رؤية فنية واحدة وعبر تيار وعي واحد وتتلامس وتتقاطع مع رؤى وأفكار المتلقين في لحظة واحدة وبطريقة واحدة وربما بأثر واحد، بحيث يمكن أن تحل الكلمة مكان الصورة أو تحل الصورة مكان الكلمة تعبيراً صافياً عن علاقة تبادلية شعورية في التعامل مع المحيط، ولأن الايقاع في (حكايات للمدى)عنصر أساس داخل العمل، فقد كان طبيعياً أن تنشأ الصلة مع الشعر بالذات بأوضح من الصلة مع أي فرع آخر من فروع الفنون، لأن الإيقاع في هذا الفيلم اتسم بالتنوع بمعنى المزج والتداخل بين إيقاعات مختلفة داخل وحدة تتمثل في إطار واحد كانت فيه قصائد رياض قاسم تعمد الى خلق إيقاعات منتظمة تشيع منها وتذيع إيقاعات شديدة الشبه بإيقاعات بسّام الوردي.
بدأ بسّام الوردي حياته الفنية مخرجاً حين انتمى الى الفرقة القومية للتمثيل في بداية تأسيسها ليقدّم لها أول أعماله المسرحية، مسرحية"الصليب"التي فازت بأفضل إخراج لموسم 70-71 ليتحول بعدها الى محبوبته السينما، فيقدّم عدداً من الأفلام الوثائقية والقصيرة ليجرب حظه مع التلفزيون لتفوز إحدى سهراته التلفزيونية (الامتحان) بجائزة أفضل تمثيلية في أحد المهرجانات التي كانت تُقام في بغداد في السبعينيات.. وكان حُلم بسّام الوردي أن يقدّم فيلماً روائياً طويلاً، ولم يتحقق هذا الحُلم إلا بعد أكثر من عقدين من الزمن، حيث أسندت إليه دائرة السينما والمسرح إخراج فيلم"ليلة السفر"الذي كان حظه عاثراً مثل حظه مخرجاً، حين مُنع من العرض في صالات السينما بسبب اعتراضات رقابية، في المقابل لم تتسنَ لأحلام بسّام الوردي في تقديم أعمال تلفزيونية كبيرة إن تحقق من خلال المؤسسة الرسمية ودائرة الإذاعة والتلفزيون، إذ كان المسؤولون عن هذه المؤسسة ينظرون الى مشاريع هذا الرجل الحالم بكونها مشاكسة للواقع ومحاولة لبث أسئلة لم يكن الوقت يسمح بطرحها أو مناقشتها.. إلا أن الفرصة جاءت في منتصف التسعينيات، ليقدّم بسّام الوردي مسلسله الاجتماعي (بيت العنكبوت).
الفقر... الرقم الاجتماعي الصعب كان خلفية وأرضية لهذا المسلسل التلفزيوني، وقد صاغه عبد الوهاب عبد الرحمن ببراعة كبيرة مؤلفاً وقف مع بسّام الوردي ليقدّما لوحة في وصف المجتمع العراقي وكانت عبقرية بسّام الوردي في قدرته على الاحتفاظ بلوحة الفقر والقهر في خلفية المسلسل من دون الانزلاق الى الخطابية والتقريرية والمباشرة. فكان القهر والعوز حاضرين في كل لحظة في سلوك شخصيات المسلسل.
من بين عشرات النقاط التي يمكن أن أتناولها عن هذا المسلسل، سأركّز على نقطتين اعتقد أنهما مهمتان لفهم طبيعة عمل بسّام الوردي.
النقطة الأولى: هي أن اختيار هذا المخرج لطريقة (التراكيب) في الانتقال من مشهد الى مشهد (واعني به التداخل بين المشهدين الذي يستمر لفترة قصيرة جداً) وفي كثير من الأحيان كانت تكملة الجملة / الحوار التي ينطق بها أحد الممثلين تستمر أثناء الانتقال من كادر الى كادر، واختبار هذا الأسلوب يضعنا أمام مخرج مفكّر، فهو لم يلجأ إليه لأسباب جمالية صرفة، لكنه استخدمه كسمة أساسية لحياة البشر الذين يرزحون تحت نير القهر والعوز، فهي حياة تبدو غير متحركة وإن المعاناة تتراكم طبقة فوق طبقة، ثم أن هذا الأسلوب مكّن بسّام الوردي من أن يخترع لنا نسقاً إبداعياً جديداً ولافتاً ألا وهو الجملة الناقصة، وهي جملة منطوقة أو مرئية يراها المخرج من الزوائد فيحذفها ليترك للمشاهد أن يكمل من موقعه هذه الجملة في عملية تجمع الفنان والمشاهد في لحظة صدق واحدة.
النقطة الثانية: فهي سيطرة هذا المخرج على أداء الممثلين وهم من الممثلين الكبار، إذ ظهر بعضهم بصورة غير تلك التي عهدناها، فهكذا كان مقداد عبد الرضا وغزوى الخالدي في"ليلة سفر»، هكذا كان خليل شوقي وأفراح عباس في"بيت العنكبوت"وهكذا شاهدنا مجموعات من الممثلين الشباب الذين عملوا معه في مسلسل"الصدى والصهيل». فقد أوحى لهم بسّام الوردي بطرائق تعبير جديدة وهذه الطرائق اثبتت أن بسّام الوردي صاحب رؤية فنية خاصة امتزجت فيها السيطرة المذهلة على إيقاع العمل والشاعرية الكاملة للكاميرا وتصدير الاحساس للمشاهد بأنه جزء لايتجزأ من العمل الفني.
كان بسّام الوردي المخرج والفنان مدركاً للمصاعب التي تواجه العمل الفني ويعرف أن ما ينقصنا الكثير، وأذكر أنني سألته مرة عما ينقصه لكي يقدّم دراما عراقية متطورة، فقد فجر هذا السؤال الكثير من الغضب والاستفزاز في نفسه، فخرج عن نبرته الهادئة ليقول لي في حماس صادق: (ينقصنا الثقافة والوعي وينقصنا أيضاً القدرة على الاختيار والرفض والقبول، ينقصنا أن نكون متعلمين وينقصنا أن نفكّر بشكل عصري ومنطقي وينقصنا نظام إداري مثقف وتنقصنا الحرية التي من خلالها نستطيع أن نقول مانريد.. تقديم الأعمال الفنية الجيدة لايتم من خلال إنتاج أفلام ومسلسلات هنا وهناك، بل من خلال بناء قاعدة صحيحة تبدأ بالتعليم والإعلام.. لكن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه كيف يتحقق كل هذا وسط صورة قاتمة لواقع ثقافي يسيطر عليه أنصاف الأميين).
بسّام الوردي نموذج صارخ لحصار الموهبة لقد كان مثل قتيل يمشي على الأرض، قد يحصل على نصف فرصة بعد نضال عنيد فتجيء رؤيته شهادة عالية الأهمية رؤية لفنان عاش الحياة بأكثر مما نعيشها وحلم بالعادي، وهو يدرك بأنه مستحيل. مات بسّام الوردي وهو يشير إلينا بأصابع الاتهام الى النكران وحصار الموهبة واغتيال التفوق.