يوليسيس أنشودة الحياة اليومية

يوليسيس أنشودة الحياة اليومية

بلاك موريسون
ترجمة: نجاح الجبيلي
قبل 44 سنة، وبين تأليف رواية البرتقالة الميكانيكية آ و التسجيل السادس للبيتلز ، نشر أنطوني بيرجس كتاب (هنا يأتي الجميع) وهو دراسة نقدية عن جيمس جويس موجهة للقراء الذين كانوا يخشون الأساتذة . هل جويس صعب؟ كلا على الإطلاق.

 قال بيرجس: إن كان ثمة كاتب للناس فإن جويس هو ذلك الكاتب . صقل بيرجس كتابه في ثمانية أشهر؛ أما دكلان كايبرد فقد قضي ثلاثة عقود يعمل على كتابه لكن عنوانه حصريّ على نحو مشابه ويريد أن يهشم أسطورة الصعوبة المحرّمة التي تفزع القراء . توجد على الغلاف صورة التقطها إيف أرنولد تظهر فيها مارلين مونرو أثناء شبابها وهي تلتهم الصفحات الأخيرة من رواية يوليسيس .
يروي "كايبرد" قصة أبيه الدبلني الذي عشق "يوليسيس" واستظهرها، وأغراه حضور ندوة عن جويس في كلية ترنتي فاندفع إلى الباب حال وصوله. وعلى الرغم من أن كايبرد أكاديمي إلا أنه يرتعب من أن كتاباً وضع للاحتفال بالرجل والمرأة العاديين لا يُقرأ من قبلهما ــ أو في الواقع من قبل "الطلاب والمحاضرين والمفكرين". بل يقرأ فقط من قبل الجويسيين المتخصصين. كان همنغواي يصرح بإعجابه بجويس لكنه قرأ فقط بضعة صفحات من "يوليسيس" وبقيت الصفحات الأخرى غير مفتوحة في نسخته من الرواية. ومؤخراً وضع رودي دويل القطة بين الحمام حين شكا بأن الرواية قد بولغ في إطرائها "وكان يمكن تأليفها بمحرر جيد".
سلّم كايبرد بإشارة دويل: فكرة "الكمال العظيم" ليوليسيس ساذجة. لكنه يدحض الاتهام أن الرواية غير قابلة للفهم. ويدل على أن جويس ليس واسع المعرفة خصوصاً. وخلافاً لنظرائه الحداثويين المتكبرين كان اجتماعياً وديمقراطياً آمن بالثقافة الشاملة وكان أكثر سعادة في مناقشة أعمال دكنز مع عمال البريد بدلاً من الجلوس في المقاهي البوهيمية. ربما تكون قراءة يوليسيس تحدياً لكن هكذا هي كل الأعمال. ويجب أن لا نحتاج إلى منصب كاهن مقدس كي يفسرها لنا.
تقول مولي بلوم :" أيتها الصخور أخبرينا بكلمات واضحة" وينتبه كايبرد إلى الرسالة: علي الرغم من الإشارة إلى أدورنو وأورباخ وبنجامين وما شابه فهو يتجنب الرطانة والنظرية الأدبية.يتكون معظم الكتاب من تعليق نقدي وهو ذو طراز قديم بيقظته النصية ويضرب بتأكيده حتى اليوم على جويس كونه ضد العنصرية والكولونيالية والحرب ومناصر للمرأة والتدوير. يقودنا كايبرد بصبر خلال الفصول الثمان عشرة ليوليسيس غير مدع أنه يقدم اكتشافات جديدة ــ بعد قرن تقريباً من الدراسات الجويسيةــ التي بالكاد تكون ممكنة، لكن تأويله للرواية كونها إنسانية وشعبية هو حيوي. هنا كتاب فيه حتي الشخصيات المتواضعة والهامشية تمنح مونولوجاً داخلياً. وعلى الرغم من استغراقاتها الذاتية إلا أن المونولوجات لها شعبية: بالوصول إلي عمليات الفكرة الخاصة تضعنا على تماس بعضنا مع بعض.
يغطي "كايبرد" الكثير من المادة وبعضها مألوف ( الزمن، الأحلام، الدائرية، تيار الوعي)، وبعضها أكثر مفاجأة، النفاية، رفع الإحراج ويوليسيس كـ (صحيفة مضادة). ثيمتان بارزتان. الأولى قراءته لبلوم ككل جنسي أو خنثي رب منزل أنيق بدلاً من رجل حسي...
كرم بلوم ورباطة جأشه تقدمان نموذجاً جديداً للبطولة. ومراعاته لستيفن ديدالوس السكران جزء من هذا. وهكذا هو تسامحه مع علاقة موللي بـ"بليزز بويلان". وبينما يقهر الآخرون ينتصر بلوم الصابر.
الفرضية الأخرى (المرتبطة) هي أن يوليسيس رواية تدور حول الفترة 1914ــ1921 ( حين كتبت) أقل مما تدور حول الفترة حزيران 1904 ( حين وضعت). كان سياق "إنشودة جويس الطويلة لكرامة الحياة اليومية" هي الحرب العالمية الأولى. يناقش "كايبرد": بدلاً من السرديات البطولية والتضحية بالدم منحنا جويس جمهور دبلن العادي وهو يذهب إلى عمله اليومي. الظلم البريطاني والمجاعة العظمي تكمن في الخلفية، وكذلك نهضة عيد الفصح والحكم الوطني. وفي قلب ذلك هناك بلوم اليهودي المروّض المستوعب جزئياً الذي يتحدى الأضرار العنصرية القومية للعصر.
هناك فترات ينسى فيها "كايبرد" نفسه ويصر على أن يوليسيس هي مثالية رغم كل شيء.إذا ما شعرنا بأننا خسرنا قراءتها فذلك " بالضبط هو الكيفية التي يريد جويس من القراء أن يشعروا". إذا ما سيطر الأثر الأدبي المحاكي لأثر سابق فذلك بسبب أن الأسلوب هو موضوع الكتاب. إذا ما أصبحت اللغة أحياناً مسهبة وأكثر تعليمية فذلك هو احتجاج جويس "ضد العالم الذي ألغي القيمة الثقافية". لا يوجد ارتياب بحماسة كايبرد، لكنه دائماً مقنع: هل يمكن أن يصدق مثلاً أن مولي بلوم هي "حاضرة بشدة ولوحدها في كلماتها الخاصة، وليس كشخصية سابقة" وأنها تصبح "صوت الكتاب كله"؟ ( القراء الأكثر شكاً ربما يتعاطفون مع نورا جويس التي قالت بأن "جيم لا يعرف شيئاً عن النساء"). ربما جعل كايبرد مهمته أبسط بالاعتراف أن بناء "يوليسيس" فيه عيب. وأن الصفحات المئتين المضافة إلى فصول "سيرسه وثيران الشمس" يحرّفها عن شكلها؛ أنها كتاب يجب أن يحفظ في الفراش مثل مجموعة شعرية بدلاً من قراءتها من أجل سردها.
وسواء أكانت يوليسيس فيها عيب أم لا فإنها ذات دور فعال كونها "سردا للحكمة" أو كتاب تمهيدي أخلاقي. وكما يقول كايبرد فهي تعطينا "نصيحة عن كيفية التغلب على الكارثة؛ وكيف تكون صريحاً عن الموت في عصر إنكاره؛ وكيف تمشي وتفكر في الوقت نفسه". إنها الطريقة التي كانا يمشيان بها ويتكلمان إذ يضع بلوم وستيفن متباعدين: الأول ذو عقل عملي وشديد الانتباه فعلاً والآخر قصير النظر وفي منتهي التثقيف لكنهما حزينان (أحدهما بسبب أمه والآخر بسبب ابنه)، لكن تقاربهما في الساعات القليلة هي لحظة الرواية الرئيسة ــ تجيء معاً منتصرة مثل كلمة مولي الأخيرة "نعم" في ذروتها الجنسية. هل أدركت مارلين مونرو وهي تقرأ تلك الصفحات الأخيرة من الرواية أن مولي كانت تمارس العادة السرية؟ وهل كان هذا هو السبب في أنها كانت في منتهي الافتتان؟ بالتأكيد أنها لا تبدو مصعوقة. ولا ينبغي أن تكون كذلك. وكما قال جويس:" إذا "يوليسيس" لا تناسب القراءة فأن الحياة لا تناسب العيش.