الذكرى الستون لثورة 14 تموز 1958.. كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟

الذكرى الستون لثورة 14 تموز 1958.. كيف انسحب العراق من حلف بغداد؟

إبراهيم هاشم معضد
تضمن  البيان الأول للثورة إشارة واضحة على أن اتجاه سياسة حكومة الثورة الجديدة بإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع جميع دول العالم على أساس من  المساواة والمصالح المتبادلة، والتزام العراق سياسة الحياد الايجابي ورفضه  الاعتراف بسياسة الانحياز إلى أي من المعسكرين المتصارعين وتمسكه بقرارات  مؤتمر باندونغ التي أكدت على عدم الانحياز لأيّ من الكتلتين.

 كما ركز رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم في خطاباته التي ألقاها في مناسبات عديدة على إتباع حكومته سياسة الحياد الإيجابي كذلك سعت حكومة الثورة إلى إقامة علاقات الصداقة مع جميع دول العالم وقامت بتوسيع العلاقات والروابط الودية في مختلف الميادين مع الدول الاشتراكية.

وقد برزت هذه السياسة في الناحية التطبيقية العملية لسياسة حكومة عبد الكريم قاسم عن طريق الانسحاب من حلف بغداد عام 1959 ومن جميع مواثيق الانحياز التي ارتبط بها العراق مع بريطانيا والولايات المتحدة في العهد الملكي، وفي إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الاتحاد السوفيتي ودول العالم الاشتراكي إضافة إلى الدول الغربية.
عقد عبد الكريم قاسم مؤتمراً صحفياً حضره مندوبو وكالات الأنباء العراقية والعربية والأجنبية مساء يوم 26 تموز 1958 بيّن فيه"إن الجمهورية العراقية دولة مسالمة تصادق جميع دول العالم وإن مسألة ضخ النفط وتصديره ستكون على أساس تجاري محض يؤمن المنافع المتبادلة للدول المتعاملة معنا"وقال:"إن الأسس التي يقوم عليها التعاون بيننا وبين الدول العربية وخاصة الجمهورية العربية المتحدة تضمن مصالح الشعوب العربية قاطبة"، قال إن الجمهورية العراقية تلتزم بقرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين أو أي من القضايا التي تتم مداولاتها في المستقبل ضمن نطاق الأمم المتحدة.
كذلك صرح الدكتور عبد الجبار الجومرد وزير الخارجية في 27 تموز 1958 موضحاً سياسة العراق الخارجية نكون أصدقاء لسائر دول العالم لا فرق بين شرقيها وغربيها وأن نستغل هذه الصداقة لمصلحة البلاد من النواحي السياسية والتجارية والتعاون مع الجميع على توطيد الأمن والسلام في العالم وإنقاذ البشرية من ويلات الدمار، وقد سبق وأن أعلنت الحكومة احترامها لميثاق الأمم المتحدة ولقرارات مؤتمر باندونغ، إننا لا نفرق بين دولة وأخرى ممن يرغب في أن يؤسس علاقات دبلوماسية معنا من الدول المعترفة، فنحن حاضرون لتحقيق ذلك وهذه هي خطة متبعة لدى سائر الدول".

كان من أهم أهداف اللجنة العليا للضباط الأحرار والهيئة الوطنية العليا لجبهة الاتحاد الوطني، الانسحاب من حلف بغداد، وأن من أولويات قادة الثورة التخلص من هذه التبعية والبعد عن المحيط العربي، بالرغم من أن أهداف هذا الحلف هو محاصرة الاتحاد السوفيتي وأفكاره الشيوعية من أن تتسرب إلى شعوب المنطقة العربية الطامحة للاستقلال والتخلص من نير العبودية ونهب خيراتها.
وعندما سُئل عبد الكريم قاسم عن موقف العراق من الحلف قال:"إن دول الحلف لم تعترف بعد بالثورة، ولذلك فإن موقف العراق سوف يتحدد في ضوء مواقف دول الحلف"، ويستشف من هذا التصريح أن جزءاً من سياسة التهدئة التي يحاول قادة الثورة اتباعها خشية من التدخل الخارجي أو الأجنبي ضد الثورة وهي في مهدها. أما بعد ذلك فقد اتخذ العراق تجميد عضويته في الحلف منذ اليوم الاول للثورة حتى 24 آذار 1959، حيث انسحابه منه رسمياً ونهائياً.

اتخذت حكومة الثورة مؤقفا وسطاً إزاء هذا الموضوع، فهي لم تنسحب رسمياً من الحلف، ولكنها أنهت عضويتها عملياً وذلك باتخاذها عدة خطوات عملية لذلك. فقامت بإغلاق مقر الحلف بعد احتلاله من قبل القوات العراقية، ولم يدخله احد من أعضاء السكرتارية، ولم يعقد أي اجتماع فيه. ولم يرسل العراق وفداً لحضور الاجتماع الوزاري في لندن في 28 تموز 1958 وبقي مكان العراق شاغراً على الرغم  من حضور سكرتير الحلف العراقي عوني الخالدي وفي الأشهر التالية حوكم العسكريون والمدنيون من ساسة العهد الملكي بتهمة عقد حلف بغداد.
كما كانت الصحافة والإذاعة تعد خروج العراق من الحلف أمراً منتهياً، وقد طالبت الأحزاب والفئات والرأي العام والصحافة بالانسحاب من الحلف، فطالب الوزراء القوميون في الوزارة الخروج من الحلف. كما طالبت جبهة الاتحاد الوطني والحزب الشيوعي والمنظمات الشيوعية الأخرى كأنصار السلام، وكذلك الاتحاد السوفيتي عبر إذاعة موسكو وتحذيره من اجتماع الحلف في كراجي في  26 كانون الثاني 1959 بأنه يستهدف الدول العربية ولاسيّما العراق.

إن مبررات الانسحاب من الحلف كانت قائمة منذ العهد الملكي، وكان من المتوقع أن يتم الانسحاب منه بعد ثورة 14 تموز مباشرة لذلك أعلنت الحكومة العراقية الانسحاب منه رسمياً في 24 آذار1959، وأرسلت مذكرات تحريرية إلى سفارات كل من بريطانيا وتركيا وإيران وباكستان بصفتهم اعضاءً فيه، والى السفارة الأميركية شفهياً باعتبار الولايات المتحدة عضواً في اللجنة العسكرية فقط.
وقد جاء في مذكرة الانسحاب"وجدت الحكومة العراقية إن بقاء العراق طرفاً في ميثاق بغداد لا يتماشى وسياسة الحياد الايجابي التي أعلنتها وسارت بموجبها فعلاً ثورة  14 تموز1958، كما انه لا ينسجم مع رغبات الشعب العراقي الذي أعلن عن معارضته للحلف... فالحكومة العراقية ترى أن انسحابها من عضوية ميثاق بغداد وسيلة لتدعيم وإنماء الصداقة بين العراق والدول كافة... وهي تؤكد رغبتها في استمرار العمل على تدعيم أواصر الصداقة والمودة مع تلك الدول بما يتفق ومبادئ الأمم المتحدة، وهي واثقة بأنها ستجد من الدول الصديقة ما تأمله من التعاون بروح المودة التي يحس بها العراق تجاهها لاسيما أن الروابط التاريخية والمنافع المتبادلة التي تربط العراق بهذه الدول عوامل أساسية أثبتت الأيام صلاحها في دوام تعاون مستمر وعلاقات ودية مزدهرة".
أما مبررات الانسحاب المذكورة فقد كانت قائمة بعد قيام الثورة فلماذا كان هذا التأخير على الرغم المطالب الملحة من الأحزاب والرأي العام العراقي بالانسحاب منه؟ كما أن تردد عبد الكريم قاسم بانتظاره المدة القانونية للعضوية في الحلف وهي 5 سنوات والتي كانت تنتهي في 24 شباط 1963 ولكن لم يحدث ذلك لأن الانسحاب تم قبل هذه المدة بسنة تقريباً، قد يكون سبباً آخر لعدم الانسحاب من الحلف.

بعد انسحاب العراق قرر أعضاء الحلف تغيير اسمه من حلف بغداد إلى منظمة المعاهدة المركزية، تم ذلك في اجتماع الحلف في 21 آب 1959 في أنقرة، كما إن الصحف العراقية هاجمت اجتماعات الحلف في طهران في 17 تشرين الثاني1959، وعدت ذلك تآمراً على العراق وتشجيعاً للنشاطات التخريبية ضده. كما أن عبد الكريم قاسم كان يرى في الاتحاد السوفيتي مصدراً ممكناً للدعم الدبلوماسي والاقتصادي والإمداد العسكري، بالرغم من أن العلاقة بين الاتحاد السوفيتي ومصر في عهد جمال عبد الناصر أخذت بالتوثق،  لكن عبد الكريم قاسم  يرى أن ذلك يجعل الاتحاد السوفيتي ليس حليفاً قوياً للعراق.
ومن جهة أخرى وقف الاتحاد السوفيتي موقف المؤيّد للعراق خلال مناقشات مجلس الأمن في  16 تموز1958 لشكوى لبنان ضد الجمهورية العربية المتحدة في فضح دوافع الإنزال الأميركي في لبنان  وأشار إلى انهيار حلف بغداد ومبدأ ايزنهاور هو السبب في ذلك.
وفي 18 تموز أشار المندوب السوفيتي إلى د. عبد المجيد عباس ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة الذي أعلن ولاءه للملك حسين فعزلته الثورة وعيّنت هاشم جواد بدلاً منه، بقوله:"إن الممثل الذي يحتل مقعد العراق بصورة غير قانونية قد أكد استمرار اتحاد العراق و الأردن، بيد أن الواقع هو أن حكومة العراق قد أعلنت انسحابها الفوري من ذلك الاتحاد".

 وإن اعتراف الجمهورية العربية في 15 تموز 1958 أعطى الثورة سمة معينة أمام الدول الاشتراكية ودول العالم الثالث نظراً للوزن الدولي الكبير الذي تشكّله الجمهورية العربية المتحدة، ولمكانة عبد الناصر كأحد أقطاب دول عدم الانحياز، فبعد اعتراف الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية في 16 تموز 1958 اتخذت كل من يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبولندا ورومانيا في 17 تموز نفس الموقف تجاه الثورة وحكومتها.

 عن رسالة (وزارة الخارجية العراقية)