جان رينوار: «أبي» عاشق الضوء

جان رينوار: «أبي» عاشق الضوء

خليل صويلح
بعين السينمائي، يحوّل المخرج الفرنسي ذكرياته مع والده أوغست رينوار إلى كتاب «رينوار أبي»  الذي انتقل أخيراً إلى المكتبة العربية (المدى ــ تعريب عباس المفرجي). من  خلال السنوات التي قضاها برفقته، يطلعنا على تفاصيل علاقتهما، ومحطات  أساسية في سيرة رائد الانطباعية وبعض أفكاره حول الفن، كما يطعّم عمله بشهادات بعض معاصريه ليأخذنا إلى صراع القيم بين جيلين الصبي الذي بدأ حياته برسم صورة ماري أنطوانيت على أطباق الخزف، أنهى رحلته على جدران متحف «اللوفر».

المسافة بين هذين المشهدين يوثّقها الابن في سيرة استثنائية. كان جان رينوار (1894ـــ 1979) قد أُصيب في قدمه خلال الحرب العالمية الأولى، فاضطر إلى أن يقضي فترة النقاهة إلى جانب والده الرسّام أوغست رينوار (1841ـــ 1919) أحد أبرز الانطباعيين الفرنسيين من دون منازع.
الحوارات التي دارت بين السينمائي والرسّام في فترة متأخرة من حياة الأب، ألهمت السينمائي بإعادة صوغها على هيئة سيرة للأب «كان أبي يسرد هذه الذكريات على نحوٍ عشوائي، لكني أعتقد أني نجحت في ترتيب الوقائع»، يقول الابن في تقديم هذه السيرة التي نقلها إلى العربية أخيراً عباس المفرجي بعنوان «رينوار أبي» (المدى) الذي صدر عام 1962 بالفرنسية.
الذاكرة إذاً، هي جوهر هذه السيرة المرحة في استعادة محطات أساسية من سيرة رائد الانطباعية. مرض الروماتيزم والشلل الذي أقعد الأب، لم يمنعه من الرسم حتى آخر يوم في حياته «طلب علبة رسمه وفراشه ورسم شقائق النعمان. تماهى مع الزهور ونسي ألمه، ثم أومأ إلى أحدهم لأن يناوله فرشاته، وقال: اليوم تعلّمت شيئاً ما»، ومات في الليلة نفسها. هذه الاسترجاعات العشوائية للذكريات، تبدو كما لو أنها مكتوبة بعين السينمائي لجهة بناء الحبكة والشخصيات والأمكنة، أو الشريط الذي لم ينجزه الابن.
هكذا، يغوص جان رينوار في تفاصيل علاقته بوالده من دون أن يتكئ على ما كتبه الآخرون عنه، ليكشف تدريجاً صراع القيم بين جيلين، ومكابدات الأب الذي نشأ في عائلة فقيرة، وصورة باريس البهية أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تفقد خصوصيتها، تحت وطأة التغيّرات السريعة للعالم المعاصر. كان رينوار يعوّل على أهمية العمل اليدوي قبل أن تطيحه الآلة، ويفقد جاذبيته وروح صانعه، مثلما يقدّس عمل الحواس على حساب العقل، وهذا ما نجده في نظرته إلى العمارة والنحت والجسد والموسيقى. مروحة واسعة من الذكريات تدور في فضاء بيت شبه مهجور، يرممها الابن بأفكار من الأب حول جوهر الإنسانية، ومواجهة الألم بمعناه العميق، وخصوصاً بالنسبة إلى رسّام لا يملك غير يديه لتوثيق الجمال، «سبب هذا الانحطاط، هو أن العين فقدت عادة الرؤية"يقول. هكذا تتسرب أفكار رينوار الأب، وفقاً لمشيئة السينمائي في كتابة بورتريه بصري للحظة استثنائية تشبه الاعترافات، سواء في ما يخص مفهوم الأب للون، أو لجهة علاقاته الغرامية مع موديلاته، أو شغفه بالطبيعة كمصدر أساس لاكتشاف جوهر الجمال «كي تكون فناناً عظيماً، عليك أن تتعلّم قوانين الطبيعة». يتوغل السينمائي، من دون تردّد في نبش كل ما هو مخبوء في سيرة الأب: ضجره من السياسة والحروب والتطور التقني، بالإضافة إلى تناقضاته، فهو يبدو، كما لو أنه واحد من شخصيات شكسبير، وفقاً لما يقوله الابن «ما من شيء هو أبيض أو أسود بالمطلق». ويشير إلى شغفه بتكرار رسم المنظر نفسه، لقناعته بأن «كل حدث هو كشف باهر بالنسبة إليه، سواء كان يرسم الفتاة نفسها أو غصن الكرمة نفسه»، متتبعاً غريزته، في المقام الأول. هو الذي يقول إنّه «مع القواعد، تكون في بعض الأحيان، عرضة للخطأ»، ويضيف:"فائدة التقدّم بالعمر هي أنك تصبح واعياً لأخطائك بسرعة أكبر".
لا يكتفي رينوار الابن بما اكتشفه عن كثب من سيرة والده، بل يرمم كتابه الضخم بشهادات بعض معاصريه، كما سيجد بين أوراقه مفكرة تحتوي على بعض أفكاره حول الفن والعمارة، وعن ولائه الأخير للانطباعية «خذ ورقة من شجرة ما. خذ مئة ألف ورقة أخرى من نوع الشجرة نفسها، فلا واحدة منها تشبه الأخرى»، و«خذ عملاً، إذا ما ضبطته بالفرجار، فإنه سيفقد مبدأه الأساس». ويتوقّف جان رينوار مليّاً أمام لوحات والده، وطريقته في مزج الألوان، وكيفية بزوغ الفكرة على سطح القماشة الخشنة، مع كل ضربة فرشاة. يأسف جان أن بعض أعمال والده غير المكتملة قد استُخدمت على نحوٍ مفجع، إذ كانت أخته المقيمة في الريف، تستخدمها لسد ثقوب في السقف، فيما استخدم زوجها بعضها الآخر لبناء حظيرة للأرانب! لكنّ يديه المشلولتين، لم تتوقفا عن الرسم إلى اللحظة الأخيرة.

عن الاخبار اللبنانية