لغز بولغاكوف... صراعٌ خفي بين الأديب والسلطان

لغز بولغاكوف... صراعٌ خفي بين الأديب والسلطان

عبد الله حبة
لا يماري أحد في أن الكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف (1891- 1940) يعتبر أحد أبرز الكتّاب الروس في القرن العشرين. وقد أدرجته جامعة ييل الأميركية بين أعظم عشرة كتّاب أثروا في الأدب العالمي المعاصر. علماً أن أعمال هذا الكاتب القليلة لم تنشر في وطنه إلا بعد وفاته بأكثر من 25 عاماً. وكان الكاتب قد نشر جزءاً فقط من روايته الأولى"الحرس الأبيض"في احدى المجلات الدورية في عام 1923 وعدة قصص،

 فجلبت إليه أنظار النقاد والمهتمين بالأدب بصفته موهبة أدبية متألقة جديدة. أما أعماله المسرحية الرئيسة مثل"أيام أسرة توربين"و"موليير"و"شقة زويا"فكانت تقدم على خشبة مسرح موسكو الفني ومسرح فاختانغوف في فترات متقطعة في حياته بين فترة وأخرى طبقاً لمزاج المسؤولين في القسم الثقافي في الحزب الشيوعي السوفيتي. وفي الفترة من عام 1941 الى عام 1954 سمح بتقديم مسرحيتين له فقط، هما"الأيام الاخيرة"(بوشكين) و النص المسرحي الذي أعدّه من رواية نيقولاي غوغول"الأنفس الميتة". وبقيت مخطوطات غالبية أعماله بدون نشر بعد وفاته في عام 1941. ولم تعرف ثلاثة أجيال من أبناء الاتحاد السوفيتي شيئاً عن الكاتب وأروع أعماله – رواية"المعلم ومرجريتا"إلا في عام 1966 لدى نشرها مع حذف بعض المقاطع منها في إحدى المجلات الأدبية. وجسد الكاتب فيها وقائع حياته والأوضاع في بلاده بصورة مجازية وشاعرية اقترن فيها الواقع والخيال بأروع شكل مما جلب له الشهرة في الاتحاد السوفيتي والعالم حال نشرها.

ومأساة بولغاكوف تكمن في أنه لم يستطع الاندماج مع الأوضاع الناشئة في روسيا بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية في عام 1917 حين دعا زعيمها لينين الى وضع الأدب في كنف الحزب وإخضاعه لمهام الثورة الآنية. ولئن سار في هذا الدرب الكثير من شعراء وكتاب الاتحاد السوفيتي لاحقاً مثل فلاديمير ماياكوفسكي وديميان بيدني، وحتى الكسندر بلوك في سنيّ الثورة الأولى ومكسيم غوركي"كاتب البروليتاريا الأول"وميخائيل شولوخوف في الفترة بعد صدور روايته"الدون الهادئ"والكونت الكسي تولستوي بعد عودته من المهجر والكسندر فادييف وفالنتين كاتايف واسحاق بابل وزوشينكو وفسيفولود ايفانوف ومئات الكتّاب والشعراء غيرهم، فإن آخرين وجدوا صعوبة في الاندماج مع شعار"الأدب والفن من اجل تحقيق مهام الحزب"، ومنهم بولغاكوف ومارينا تسفيتايفا وآنا اخماتوفا واوسيب مندلشتام وبوريس باسترناك وغيرهم الذين عانوا الأمرّين من الرقابة الحزبية وملاحقة السلطات لهم. علماً أنه ظهر في أواخر العشرينيات وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي عدد كبير من الكتّاب"الحزبيين"الملتزمين بالواقعية الاشتراكية التي لم يستطع أي أحد من الباحثين حتى الآن اعطاء تقييم دقيق ومحدد لها. وظهر كتّاب تخصّصوا في الكتابة عن لينين مثلاً ومنهم ميخائيل شاتروف الذي كتب سلسلة من المسرحيات عنه التي فرضت على مسارح البلاد. كما تخصص كتاب آخرون في الكتابة عن أحداث الثورة البلشفية والحرب الأهلية.
وبعد الحرب العالمية الثانية صدرت مئات الروايات والمسرحيات عن بطولة رجال الجيش الأحمر. ومنذ أواخر العشرينيات، توفي الكثير من المناضلين الثوريين أو قتلوا في معارك الحرب الأهلية، وتولى السلطة ممثلو البيروقراطية الحزبية، وفقد الحزب شحناته الثورية ومبادئ العدالة الاجتماعية الحقيقية التي جذبت إليه سابقاً بسطاء الناس والمعذبون في الأرض. وفي هذه الأجواء ما كان يمكن تقبل أدب الكاتب ميخائيل بولغاكوف البعيد عن"الحزبية"... الكاتب الذي واصل تقاليد الأدب الكلاسيكي الروسي ذي النزعة الغنسانية البعيد عن الايديولوجيات. وثمة رأي سائد في خارج روسيا مفاده أن جميع الأدب الروسي خاضع لايديولوجية ما. ولكن الدراسة الموضوعية لأعمال بوشكين وغوغول وسالتيكوف شيدرين وليسكوف وحتى تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف، تظهر أن هذا الأدب غير مؤدلج. وواصل بولغاكوف رسالة هؤلاء الكتّاب وتأثر بشكل خاص بأعمال غوغول وسالتيكوف شيدرين في تصوير الواقع بأسلوب ساخر. الأمر الذي جعله عرضة للهجمات المستمرة في الصحافة السوفيتية التي أنهالت عليه بسيل من الاتهامات بكونه يخدم الفكر البرجوازي ويتجاهل إنجازات الثورة.
نشأ بولغاكوف في كييف في أسرة قريبة من الكنيسة الارثوذكسية. فقد كان والده أستاذاً في الأكاديمية الدينية، وورث هذه المهنة عن والده القسيس مرغماً، حيث أن أبناء رجال الكنيسة كانوا يتمتعون بالحق في الدراسة مجاناً في المؤسسات التعليمية التابعة لها. أما والدته فقد كانت معلمة وابنة قمص في الكنيسة المحلية بمقاطعة اوريول، حيث عاش الزوج أيضاً. إنها المقاطعة ذاتها التي وهبت روسيا مشاهير الكتاب مثل تورغينيف وليسكوف وبونين. وعاشت الأسرة حياة متواضعة في بيت مستأجر ورزق الوالدان بخمسة أولاد وبنات أكبرهم ميخائيل الذي اتقن منذ صباه عدة لغات وتشبّع بحب الأدب الروسي والموسيقى والغناء والمسرح، حيث كان غالباً ما يقدم افراد الأسرة واصدقاؤهم الحفلات الموسيقية والمسرحيات البيتية. وتأثر بولغاكوف بأجواء الفولكلور الأوكراني ذي السمات الشاعرية والخيال الواسع.
في صيف عام 1907 توفي افاناسي ايفانوفيتش رب العائلة بعد إصابته بمرض شديد مرتبط بالتصلب الكلوي، وهو المرض ذاته الذي أصاب ميخائيل لاحقاً وأدى الى وفاته في عام 1940. وكان هذا الحدث كارثة بالنسبة الى الأسرة كلها، لأنه كان معيلها الوحيد. وفي البداية هبّ الاصدقاء لمساعدة الأسرة وخصّص لها راتب تقاعدي قليل، ثم اضطرت الأم الى العمل في التدريس وأصبحت مفتشة في مدارس البنات. ولكن مواردها لم تكن كافية لإطعام الأسرة الكبيرة.
كانت فارفارا ميخايلوفنا والدة الكاتب، تتمنى أن يصبح أولادها من مهندسي سكك الحديد. لكن ميخائيل التحق بكلية الطب في جامعة كييف. وعندما كان في السنة الرابعة، نشبت الحرب العالمية الأولى فتطوع للذهاب الى الجبهة كطبيب جراح في مستشفى عسكري. وفي عام 1916 عاد الى كييف حيث أنهى الدراسة في الجامعة بعد أداء الامتحانات. وقبل تسلّم شهادة التخرج، عاد الى الجبهة مجدداً وبرفقته الفتاة تاتيانا التي أحبها وتزوج منها لاحقاً. وعملت تاتيانا في المستشفى كممرضة. وفي العام نفسه، استدعي ميخائيل الى موسكو وتم تبليغه بأنه يجب طبقاً للقانون أن يلتحق بعد الدراسة بالعمل في أحد مستشفيات الأرياف في مقاطعة سمولينسك التي عانت قلّة الأطباء. وهكذا أصبح بولغاكوف الطبيب الوحيد في مستشفى قضاء سيتشفيف. وكان يقوم فيه بدور طبيب الباطنية والجراحة والعيون والأسنان وعلاج الأطفال. وقد كتب بولغاكوف فيما بعد عن تجاربه في هذه الفترة مجموعته القصصية"مذكرات طبيب ريفي".
وسمع بولغاكوف في الأرياف البعيدة نبأ قيام ثورة شباط البرجوازية في عام 1917 من دون أن يعرف ما حدث بالضبط. فعاد الى كييف لزيارة والدته. وهناك بلغه نبأ قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية في عام 1917. وأدى هذا الحدث الى تشتيت أفراد العائلة التي كان شبانها جميعاً يرتدون الزيّ العسكري وخدموا في الجبهة. وعانى ميخائيل بولغاكوف من تغيّر السلطة في كييف الذي كانت ترافقه الإعدامات والقتل على الهوية وأفعال النهب والاغتصاب، وهو ما يرافق عادة حالة الفوضى في غياب السلطة. ووجد بولغاكوف – الطبيب البعيد عن السياسة نفسه فجأة مرغماً على مسايرة السلطات الجديدة والمتغيّرة باستمرار. فقد جعله الحرس الأبيض ضابطاً طبيباً في جيشه، وعندما احتل الألمان كييف مع مجيء نظام"الرادا المركزية"وأرغموه على الخدمة في المستشفى التابع لهم. وعند انسحاب الألمان جاءت عصابات بتلورا من القوميين الأوكرانيين ومنحوه أيضاً رتبة ضابط طبيب تابع لهم. وهرب رجال العصابات من المدينة بعد نهبها وتدميرها حين بدأ هجوم الجيش الأحمر عليها. وكتب بولغاكوف لاحقاً"إنني جندت لدى السلطة الخامسة التي سيطرت على المدينة". وصارت السلطة السوفيتية الجديدة تطارد جميع الضباط السابقين، ولقى الكثيرون منهم حتفهم بأنْ أطلق عليهم الرصاص بدون أي سبب. وكاد بولغاكوف بدوره أن يُقتل حين طاردته جماعة من المسلحين في الشوارع وأطلقوا باتجاهه رصاص بنادقهم بكونه ضابطاً، وأفلح في الهرب بالقفز وراء حاجز أحد البيوت والاختباء في الأزقة والوصول الى بيته، حيث استبدل الزيّ العسكري بملابس مدنيّة. وبقي بولغاكوف الطبيب البالغ من العمر 27 عاماً في المدينة المضطربة فترة قصيرة من الزمن. وقد روى الكاتب وقائع تلك الفترة في روايته الملحمية الكبيرة"الحرس الأبيض"والتي حوّلها فيما بعد الى مسرحية"أيام آل توربين".
سيطرت القوات السوفيتية على كييف طوال ربيع وصيف عام 1919. ورفعت في الشوارع لافتات كُتب عليها"السلام للأكواخ – والحرب على القصور". وأقيمت في أول أيار منصات في الشارع الرئيس- كريشاتيك وقف عليها قادة اللجنة الثورية السوفيتية لاستعراض تظاهرات الكادحين الذين كانوا يردّدون النشيد الأممي. بينما كانت تسمع بين حين وآخر طلقات الرصاص في أطراف المدينة خلال الاشتباكات مع أفراد العصابات. وواصل بولغاكوف عمله كطبيب ليلاً ونهاراً بعد أن خلت المدينة من غالبية الأطباء الذين هربوا مع عوائلهم جراء حالة الفوضى. وفي أواخر آب، حاصرت قوات الجنرال دينيكين المدينة بدعم عصابات بيتلورا، واضطر الجيش الأحمر للانسحاب منها. وفي 31 آب، رفع رجال بيتلورا لافتات في الشوارع كُتب فيها:"عاشت اوكرانيا المستقلة"وأعلنوا أن زعيمهم سيمون بيتلورا سيخطب في المساء. لكن دخل المدينة في المساء رجال الاستطلاع من جيش الجنرال دينيكين. واجتاحت كييف موجة من الإرهاب والرعب والتدمير وبدأ تجنيد الرجال عنوة وكان من يرفض يُعدم فوراً. وتم تجنيد الاختصاصيين والأطباء بصورة خاصة وكان بولغاكوف أحدهم. وانتقل الى مؤخرة القوات خارج المدينة مع غيره من الأطباء وفناني مسرح الأوبرا والموسيقيين وغيرهم ممن قررت قيادة قوات دينيكين إرسالهم الى الجنوب. وسافر الى مدينة فلاديقوقاز ليتوجه منها بعد لقاء زوجته تاتيانا الى مقر عمله الجديد في مدينة غروزني عاصمة الشيشان حالياً. وهناك حدث انعطاف حاد في حياة بولغاكوف. ويذكر الباحث ف. لاكشين أحد أوائل من كتب عن سيرة حياة بولغاكوف يقول:"إن الأفراد ينضجون في ظروف الثورة بسرعة... واعتقد بأنه لم يكن من وليد الصدف أن عمد طبيب الأمس المتفوق في الدراسة، الذي بدا أنه لم يكن لديه ما يشكو منه في مهنته، الى ترك عمله كطبيب ممارس في كييف، فجأة وبدون سابق إنذار،  وركب القطار الى جهة مجهولة لديه عبر أراضي البلاد التي عذبتها الحرب والجوع. وأدرك في الطريق فجأة، ما لم يحدسه من قبل وهو أن قدره أن يصبح كاتباً وليس طبيباً". حدث ذلك في سبتمبر/ أيلول عام 1919 وكانت منطقة القوقاز ما زالت تحت سيطرة الجنرال دينيكين، واعتبر بولغاكوف طبيباً عسكرياً يوجد في خدمته. ووصل الى مدينة روستوف -على- الدون وهناك صدر إليه الأمر بالتوجه الى غروزني ومنها الى قرية شيشين- اؤول (في جمهورية الشيشان حالياً) حيث توجب عليه العمل كطبيب ريفي. لكنه عرف في غروزني أن سلطة دينيكين غير موجودة إلا في جزء من المدينة، لأن بلاد الشيشان الجبلية كانت تعيش حياتها الخاصة بها. وقد أعلن أمامها الشيخ حجي اوزون (تجاوز عمره آنذاك سن العامين بعد المائة)"الغزوات"– أي الجهاد – ضد قوات دينيكين التي ضمّت"الكفار"اتباع القيصر الروسي السابق. كما نشطت مجموعة البلشفي المضمد السابق غيكالو المؤلفة من العمال والحرس الأحمر في غروزني. فشهد بولغاكوف المعارك الطاحنة بين مختلف الفصائل المسلحة. ووصف بولغاكوف الملحمة الشيشانية هذه في روايته"المغامرات العجيبة لطبيب"التي يعتبرها المؤرخون خير مرجع عن الأحداث في القوقاز في تلك الفترة. ولاسيما المعركة عند شيشين- أؤول، حيث تقابل فرسان القوزاق ومشاة دينيكين مع فصائل الثوار والبلاشفة وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى من الطرفين.
بقي بولغاكوف بعد الأحداث الدامية في شيشانيا في حيرة من أمره. وانتقل مع زوجته مرة أخرى الى مدينة فلاديقوقاز الخاضعة للسلطة السوفيتية. وكتب عن هذه الفترة يقول:"لقد عانيت من وضع انعطاف نفسي حاد في 15 شباط عام 1920 حين تركت الطب الى الأبد ووهبت نفسي للأدب". وكان جيش الفرسان الأحمر قد أقام السلطة السوفيتية في فلاديقوقاز. وبدأت تصدر في المدينة صحيفة ادبية بإسم"القوقاز"وعمل بولغاكوف فيها بصفة صحافي وتخلى نهائياً عن مهنة الطب، بل أخفى شهادته كخريج كلية الطب"بإمتياز". وذكرت زوجته لاحقاً، أنه مارس شتى المهن فعمل ممثلاً في المسرح ومقدم برامج فنية ومحاضراً، وألّف القواميس وعمل مهندساً وصحافياً. وسعى الى إخفاء انتمائه الى عائلته في كييف خشية ملاحقات السلطة الجديدة.
وفي مطلع عام 1920 لحقت الهزيمة بقوات الحرس الأبيض في القوقاز نهائياً. وحلت أيام السلام الأولى بعد الحرب الأهلية. وكانت المنطقة مملوءة بآلاف الأطفال اليتامى.. هم عبارة عن هياكل عظمية ومغطاة بطبقة من الجلد – حسب وصفه. ووضعت السلطة كمهمة أولية لها تقديم المساعدة لهم. وجرت حملة لإيواء وإطعام هؤلاء الأطفال وكذلك تعليمهم. ونشأت منظومة تعليم، وفي الوقت نفسه شُرع بنشر الأدب الكلاسيكي العالمي والروسي.. وتأسيس المسارح وفق البرنامج الذي أعدته مفوضية الشعب للتنوير. ونظراً لقلة المثقفين في المدينة التي هجرها مثقفوها في فترة الحرب، وكانت اللجنة الثورية التي تتولى ادارة الأمور بحاجة الى أي شخص متعلم، فقد تم تعيين بولغاكوف في منصب رئيس القسم الأدبي"ليتو"في اللجنة. وافتتح مسرح بإسم"المسرح السوفيتي الأول"في المدينة الجائعة. وقدمت فيه العروض المجانية للعمال والجنود رجال الجيش الأحمر. لكن المسرح كان بحاجة الى نصوص مسرحية تناسب المرحلة الثورية. فبدأ بولغاكوف بكتابة المسرحيات. وكتب أربع مسرحيات ذات مواضيع مختلفة ("دفاعا عن النفس"و"الإخوة من آل توربين"و"عرسان من طين"و"أبناء الملا"و"ثوار كومونة باريس")، والتي قام بإتلافها لاحقاً، لأنه اعتبرها ضعيفة. كما صار يكتب المقالات الهزلية في الصحيفة المحلية. ولم ينشر القسم الأدبي أي كتاب لعدم توافر الورق، وحتى الصحيفة كانت تصدر بصفحتين أو أربع صفحات صغيرة الحجم. لهذا تركّز الاهتمام على تقديم حفلات فنية تتخللها المحاضرات عن بوشكين وتشيخوف وهايدن وباخ وموزارت، يقدمها لهم"الرفيق بولغاكوف". اذ لم يوجد غيره من يستطيع القيام بهذا العمل في المدينة أيامذاك. وقد أثنت صحيفة"كومونيست"المحلية على نشاط الرفاق الشباب العاملين في"ليتو"من أجل نشر الثقافة البروليتارية. لكنها أشارت أيضاً الى أن"واجبهم الثوري والحزبي"يقضي بعدم تقديم الأدب والفن البرجوازيين بل نشر الأدب البروليتاري والمستقبلي (نسبة الى تيار المستقبليين). فالبروليتاريا لا تحتاج الى بوشكين وتشيخوف وأمثاله.
دخل بولغاكوف في فلاديقوقاز عالم المسرح المحترف لدى تقديم مسرحياته على خشبة المدينة ذات التقاليد الفنية العريقة منذ العهد القيصري. وهناك بالذات قدّم مسرحيته"الإخوة من آل توربين"التي طورها لاحقاً بموسكو، حين عرضت بعد ستة أعوام في مسرح موسكو الفني بعنوان"أيام آل توربين". وأصبحت من رموز المسرح السوفيتي والروسي، حيث يتواصل عرضها في روسيا حتى اليوم. وتطورت في فلاديقوقاز مهاراته في الكتابة المسرحية. ولم يكن راضياً عن مسرحياته هذه لأنها كتبت على عجل كما ذكر ذلك في رسالة موجهة الى شقيقته. لهذا فإن نجاح هذه المسرحيات لم يخدع كاتبها. كانت نصوص مسرحياته تُرسل الى"قسم التأليف المسرحي الشيوعي"في مفوضية الشعب للتنوير (وزارة الثقافة) بموسكو، والذي كان يترأسه فسيفولود مييرهولد المخرج المسرحي الذائع الصيت فيما بعد. وقد ارتبط بولغاكوف معه فيما بعد بأواصر صداقة حميمية وعمل معه في مسارح موسكو.
إن مصير بولغاكوف عموماً يتسم بمسحة دراماتيكية منذ أن توفي والده، وعندما عانت عائلته من العوز ومشقة الحياة. لكنَّ بذور موهبته قد غرست فيه منذ الطفولة في أجواء حب الأدب والفن والموسيقى والمسرح والشيء الأهم حب المطالعة التي أعطت ثمارها لاحقاً حين ترك مهنة الطب ومارس الإبداع الأدبي. ولهذا وجد سهولة بالغة في الكتابة بأسلوب رشيق وجميل كان يحسده عليه الكثير من كتاب عصره. وثمة اسطورة بأن بولغاكوف بدأ الكتابة في وقع متأخر بأصالة ونضوج كشفتا موهبته الفذة والأصيلة. وبدت"مذكرات مدوّنة على كم القميص"التي نشرت في عامي 1921 و1922، وكأنها من ابداع كاتب قدير تجاوز مرحلة النضوج، وظهر في الأدب"كاتباً جاهزاً". غير أن الواقع يبيّن أن الكاتب مرَّ بمراحل إخفاق، وكذلك راودته الشكوك في قدراته الأدبية قبل أن يصبح كاتباً شهيراً في الثلاثين من العمر تقريباً. وكان متشدداً وحازماً في تقييم أعماله مع نفسه، وغالباً ما كان يعيد كتابة أجزاء كاملة منها لأنه كان يعتبرها دون المستوى المطلوب. ويقول الباحث فلاديمير لاكشين، إن بولغاكوف تعلمّ بهذه الصورة كيف يجب ألا يكتب في عمله الإبداعي. وتعلّم أنه يجب ألا يكتب بـ"طلبية"من أحد ما ولا"حول مناسبة معينة"وأن يشعر بـ"الخجل الاستيتيكي"من عمله- كما قال ليف تولستوي- الذي هو أفضل دافع للكمال في الأدب.
وتعتبر مقالاته الهزلية المنشورة في فترة 1922 – 1925 حين انتقل للإقامة بموسكو بمثابة"توطئة"لكتابة أعمال نثرية ناضجة. وكان قد بدأ العمل في القسم الأدبي بمفوضية الشعب للتنوير (وزارة الثقافة) التي ترأسها الكاتب والفيلسوف البلشفي اناتولي لوناتشارسكي. ونشرت المقالات في جريدة"غودوك"لسان حال عمال سكك الحديد وجريدة"في العشية"الصادرة في برلين باللغة الروسية. وقد كشفت مقالاته نضوجه وخبرته الكبيرة في الحياة، حيث شهد خلال الربع الأول من القرن أحداثاً مصيرية غيّرت وجه روسيا وقلبت النظام القيصري ومن ثم البرجوازي، وكوارث الحرب الأهلية وأحداثها الدامية وخراب البلاد مادياً ومعنوياً. وقد استمد بولغاكوف من هذه الوقائع المأساوية كلها مادة أعماله النثرية. وفي الواقع أن بولغاكوف الطبيب يشبه تشيخوف الطبيب في بداية حياته الأدبية، حين كان ينشر في الصحف مقالات هزلية صغيرة شحذ بها قلمه ككاتب مبدع لاحقاً. وكتب بولغاكوف مثل تشيخوف عن نفوره من العمل الأدبي"حسب الطلب"البعيد عن الإبداع الحقيقي. لكنه مثل تشيخوف لم يكن منصفاً لدى تقييم أعماله الأدبية المبكرة. فقد طوّر الكثير منها في أعماله لاحقاً وضمنها رواياته ومسرحياته التي جلبت له الشهرة. إذن أن تجربة عمله في"ليتو"في فلاديقوقاز ومن ثم بموسكو وفي الصحف لم تذهب عبثاً.
استقر بولغاكوف في نهاية المطاف بموسكو في أواخر أيلول 1920 بعد فترات تجول قصيرة في تفليس (تبيليسي حالياً) وباطومي وكييف.  ووجد على الفور عملاً في القسم الأدبي"ليتو"التابع للسوفيت الأدبي العام في موسكو. وانغمر في الأوساط الأدبية للعاصمة حيث يوجد الكثير من الادباء المعروفين، بينما لم يكن قد نشر أيامذاك سوى"مذكرات على كم القميص". وجاء في رسالة موجّهة الى أمه في عام 1921 أنه يفكر بكتابة دراما عن نيقولاي الثاني وراسبوتين وأحداث 1916 -1917، وأعدَّ خطة العمل. لكنه عدل عن الفكرة حيث انشغل بكتابة مجموعته القصصية"مذكرات طبيب ريفي"وواصل العمل في روايته الملحمية"الحرس الأبيض".
وقد انطلق بولغاكوف في رواياته من تجاربه الأدبية السابقة، وامتزج اسلوبه الأدبي الرفيع المتسم بالشاعرية المتفتحة والطليقة بالكلام اليومي الذي يتردد في الشارع. مما جعل قراءته ميسّرة وسهلة لدى القارئ المثقف والبسيط على حد سواء. وقد ساعدت الكلمة المتداولة في الحياة اليومية بولغاكوف لدى تأليف الأعمال الدرامية التي تعتمد على الحوار. فهو شاعري وراوية في الدراما وفي الوقت نفسه هو كاتب درامي لدى تأليف القصص والروايات. إن السمة الأخرى المميزة للكاتب هو التزامه بالدقة في وصف الحدث وتحديده الزمان والمكان بأسلوب الريبورتاج لحد ذكر التواريخ والأماكن في المدينة بدقة متناهية. وهذا يرتبط أيضاً بعمله كصحافي وكاتب ريبورتاجات وكطبيب ممارس يتوخى الدقة في كل شيء. وأدخل بولغاكوف في العمل الأدبي ما كان يعتبر"شيئاً وضيعاً ومبتذلاً"في وصف الوقائع والأحداث اليومية وتقديمه بشكل جميل. وساعده في ذلك أنه اعتاد كتابة يومياته التي ضمنها كل سمات الحياة اليومية، ومنها حتى حالة الطقس والأسعار في المتاجر ووسائل المواصلات، ووصف الناس الذين كان يلتقيهم. لكن الشرطة صادرت هذه الدفاتر لدى تحري بيته وأعيدت إليه لاحقاً، فقام بحرقها ولم يعاود كتابة اليوميات بعد هذا. وكان بولغاكوف يشعر بأنه المؤرخ الذي يدوّن احداث زمانه وحياته الشخصية. وبما أن الحوادث العابرة اليومية قد لاتبقى في الذاكرة، فإنه كان يدوّنها بصورة دقيقة. ولهذا نجده في نثره يطلق العنان لخياله وفي الوقت نفسه يصوّر"لون"و"مذاق"الزمن بصورة طبيعية. وفي هذا الترابط يغدو نثره تجسيداً لجاذبية أعماله الأدبية المتسمة بروح العصر.
لا يعرف الكثير عن عمل بولغاكوف في"ليتو" بموسكو، وبقيت فقط مقاطع من أعماله الأدبية غير المكتملة في تلك الفترة. وكتب عندئذ بقية"مذكرات على كم القميص" و"المغامرات العجيبة لطبيب" التي نشرت في 1921-1922 بمجلتي "في العشية" و"البوق". وأنجز في هذه الفترة رواية "الحرس الأبيض" ورواية"أيام أسرة توربين" وشرع بكتابة مسرحية"الهروب"حول أحداث نهاية الحرب الأهلية. كما واصل كتابة رواية قصيرة اسمها"الداء". وقد شغلت الرواية فكره كما ورد في رسائله الى شقيقته. وفيما بعد تحولت الى رواية"المورفين"عن حياة طبيب ريفي أدمن على تعاطي المخدرات. ولم تنشر هذه الرواية إلا في عام 1927 في مجلة"مديتسينسكي رابوتنيك"غير واسعة الانتشار الخاصة بأخبار الطب، والتي نشر فيها أيضاً في عامي 1925 – 1926 المجموعة القصصية"مذكرات طبيب شاب". وكان بولغاكوف حسب أقوال معارفه في ذلك الوقت قليل الكلام كما لو أنه لا يريد الإفصاح عما يدور في فكره، وإذا ما تحدث فإن حديثه كان مترعاً بالهزل الطريف الذي لم يكن يميّز الزملاء الشباب من الصحافيين الجادين والمتحمسين للأحداث في فترة بناء الدولة السوفيتية الفتية في العشرينات من القرن الماضي.
ونظراً لقلة ما نشره من أعمال أدبية في تلك الفترة وعدم وجود تجاوب من قبل القرّاء، فقد كان بولغاكوف يشعر بنوع من العزلة الشديدة. وكان القلائل ممن تفهموه وقدّروا موهبته ومنهم زوجته الثالثة يلينا سيرغييفنا التي رافقته حتى اليوم الأخير من حياته، وكذلك بيوتر بوبوف أحد القرّاء المعجبين به والذي سجل لاحقاً سيرة حياته. وكان الكاتب يحتاج الى ردود فعل القرّاء والتجاوب معهم وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة الى كل أديب في بداية درب الإبداع. زد على ذلك، أنه كان بطبيعته يميل الى معاشرة الناس، ويتوق الى التعارف مع الآخرين، لكنه اضطر في هذه الفترة الى تجنب صخب الصالونات واللقاءات في النوادي والاجتماعات الأدبية، لأنه وجد فيها الكثير من النفاق والزيف والتي كان يصفها بأنها"حفلات ساهرة في غرفة الخدم".
تغيّر الوضع حين عُرض عليه تقديم النص المسرحي لروايته"الحرس الأبيض"والذي تقرر إخراجها بعنوان"أيام أسرة توربين"على خشبة مسرح موسكو الفني في مطلع الثلاثينيات. وكان بولغاكوف معجباً جداً بهذا المسرح وبأعمال ستانيسلافسكي ونيميروفتيش- دانشينكو فيه. وحدث الأمر عندما تلقّى رسالة جاء فيها:
"المحترم ميخائيل افاناسوفيتش"
بودّي للغاية أن اتعرف عليكم والتحدث حول بعض الأمور التي تهمني وربما تكون شيّقة لديكم أيضاً.
فإذا وجدت متسعاً من الوقت سيسرني لقاءكم غداً مساء (4/4) في مبني الاستديو.
التوقيع : بوريس فيرشيلوف
وكانت الرسالة مكتوبة على ورقة فيها شعار"استوديو مسرح موسكو الفني". وقد وجّهت الدعوة الى بولغاكوف لكتابة النص المسرحي لروايته التي أنجز كتابتها لتوّه ونشرت أجزاء كبيرة منها في نيسان 1925 في إحدى المجلات الأدبية هي"روسيا". وكانت هذه الدعوة بمثابة معجزة، لأنها جاءت في وقت كان الكاتب في أمسّ الحاجة للتخلص من العمل الروتيني في"ليتو"الذي كان يستنزف القسم الأكبر من وقته وجهده، بدلاً من التفرغ للعمل الإبداعي. وقيل لاحقاً أن الدعوة تمت بتوصية من صديقه الشاعر بافل انتوكولسكي، الذي كان يعمل في مسرح فاختانغوف، وأراد أن يخرج هذه المسرحية هناك أيضاً. وقد وعده بولغاكوف لاحقاً بمسرحيته التالية"شقة زويا"بدلاً من"آل توربين". علماً أن مسرح موسكو الفني كان بعد جولته في أميركا وأوروبا بحاجة ماسّة الى ربرتوار يتضمن مسرحيات جديدة غير مسرحيات تشيخوف وغوركي والكسي تولستوي، التي أخرجت في فترة أصبحت في طيّات الماضي... وبالذات الى مسرحيات تتحدث عن الأحداث الثورية في عام 1917 لتقديمها في ذكرى قيام الثورة.
عكف بولغاكوف على كتابة المسرحية طوال الصيف. وفي هذه الفترة أيضاً نشر قسماً آخر من روايته"الحرس الأبيض"وأعد للطبع كتابه"أقاصيص شيطانية"وتضمنت هذه المجموعة القصة الطويلة"البيوض القاتلة"التي حظيت كثيراً بإعجاب مكسيم غوركي. لكنها أثارت غضب ليونيد افيرباخ المسؤول في الاتحاد الثوري للكتاب البروليتاريين الذي نشر في صحيفة"الازفستيا"مقالة هاجم فيها بولغاكوف واعتبره كاتباً بعيداً عن نهج الثورة. لكن غالبية أدباء روسيا رحّبوا بظهور موهبة شابة جديدة يمكن مقارنتها بتولستوي ودوستويفسكي. وغدا بولغاكوف بين ليلة وضحاها حديث المنتديات الأدبية والمسرحية في روسيا.
وعموماً أن بولغاكوف تحدث فيما بعد في روايته الساخرة"رواية مسرحية"عن مجيئه الى مسرح موسكو الفني وعمله هناك. وأبدى رجال المسرح حماساً كبيراً لدى اخراج المسرحية التي حققت نجاحاً باهراً وقدمت على خشبة المسرح الموسكوفي حتى الآن اكثر من ألف مرة. وتولى مهمة الغخراج ايليا سوداكوف تحت إشراف ستانيسلافسكي. وشارك بولغاكوف نفسه في جميع البروفات واعترف ستانيسلافسكي فيما بعد في رسالة الى بولغاكوف في 4 ايلول 1930"لقد عملت معك في عدة بروفات فقط من"آل توربين"... وتحسست فيك عندئذ موهبة المخرج (وربما الممثل؟)".
وهكذا وجد بولغاكوف في أعوام الثلاثينات الوسط الذي يمكن أن يعيش فيه وخرج من عزلته القسرية السابقة. فالمسرح عمل جماعي، وعيد دائم لجميع العاملين فيه بالرغم من جميع المصاعب التي ترافق العمل المسرحي. وكان من اكبر الصعوبات بالنسبة له عدم تقبل ستانيسلافسكي لرؤية بولغاكوف في التأليف المسرحي. ومن المعروف أن ستانيسلافسكي رفض في حينه قبول تقديم مسرحيات تشيخوف في مسرح موسكو الفني، لولا تدخل نيميروفيتش - دانشينكو المربّي المسرحي والكاتب والمخرج المسرحي الذي كان معجباً بتشيخوف، وتنازل حتى عن جائزة بوشكين الأدبية التي منحت له لصالح تشيخوف. وقد كشف امامه الأبعاد الفنية القيمة لمسرحيات تشيخوف وقام شخصياً بتدريب الممثلين على الأدوار. وحدث الشيء ذاته هذه المرة مع مسرحيات بولغاكوف، حيث طلب ستاتنيسلافسكي تغيير العديد من المشاهد وحتى التركيز على أبطال معينين فيها. الأمر الذي أغضب بولغاكوف. وحدثت مناقشات حادة خلال البروفات. وحدث الشيء ذاته لدى العمل في مسرحيات بولغاكوف الأخرى في هذا المسرح ومنها"موليير".
وفي آخر المطاف، اضطر بولغاكوف الى تقديم استقالته والانتقال للعمل في مسرح البولشوي في كتابة ليبرتو الاوبرات. وكتب بولغاكوف في رسالة مفعمة بالسخرية المريرة الى صديقه بيوتر بوبوف يشكو فيها من إدارة مسرح موسكو الفني جاء فيها:"لدي عيد اليوم.. انني أجلس عند المحبرة وانتظر أن يفتح الباب ويظهر وفد من ستانيسلافسكي ونيميروفيتش يحمل رسالة تحية وهدية ثمينة. ويشار في التحية الى جميع مسرحياتي المشوّهة والقتيلة... كما تدرج قائمة بجميع الأفراح التي انعموا بها عليّ خلال عشرة أعوام في زقاق مسرح موسكو الفني. أما الهدية الثمينة، فستتمثل بإناء معدني نبيل ما (النحاس مثلاً) فيه الدم الذي امتصاه من عروقي خلال عشرة أعوام". وتعبّر هذه الرسالة بشكل مؤثر عن معاناة بولغاكوف من العمل في المسرح الذي أحبه وعمل وصقل مواهبه فيه كاتباً ومخرجاً وممثلاً ومنحه كل قواه خلال العقد الأخير من حياته. إن أقوال بولغاكوف هذه تجسد أيضاً الصراع بين عبقريتين أرادت كل واحدة إثبات وجهة نظرها في العمل الفني. وبعد هذا منعت مسرحياته من قبل الرقابة الحزبية.
وترتبط بفترة عمل بولغاكوف شخصية أخرى أثرت في مصير بولغاكوف هي شخصية الزعيم السوفيتي يوسف ستالين. وعرف الأدب السوفيتي الكثير من الكتّاب الذين لم يمارس ستالين في حياتهم تأثيراً يذكر باستثناء مكسيم غوركي. أما علاقته ببولغاكوف فهي علاقة خاصة جديرة بالذكر. فمنذ العروض الأولى لمسرحية"أيام آل توربين"التي قدمت في مسرح موسكو الفني في عام 1926، أبدى ستالين اهتماماً بعمل بولغاكوف. ورغم أن ستالين كان يشجع احتدام الصراع السياسي في الأدب والذي ترك آثاره المؤلمة في حياة بولغاكوف إلا أنه عمل في الوقت نفسه على بسط نوع من الحماية على الكاتب بصورة خفية. وقد صور بولغاكوف هذا الوضع بصورة مجازية في مسرحيته عن موليير وعلاقته بالملك لويس الرابع عشر. وثمة شبه فعلي بين الحالتين.
وفيما وصف ستالين مسرحيات بولغاكوف في رساته الى الكاتب المسرحي بيل – بيلوتسيرسكي بأنها مسرحيات"غير بروليتارية"بلا شك، فإنه دافع في الوقت نفسه عن"آل توربين"من هجمات اتحاد الكتاب البرولتياريين بقوله:"طبعاً أن من السهل توجيه النقد والمطالبة بحظر الأدب غير البروليتاري. لكن الشيء السهل جداً، لا يمكن اعتباره شيئاً جيداً... أما بصدد مسرحية"أيام آل توربين"فهي ليست رديئة لهذا الحد كما أنها تجلب المنفعة أكثر من الضرر. ولا تنسوا أن الانطباع الرئيس المتبقي لدى الجمهور من هذه المسرحية هو انطباع جيد بالنسبة الى البلاشفة". وقال ستالين الشيء ذاته عن مسرحية بولغاكوف الأخرى"الهروب"بعد مطالعته لمسودتها:"إنها من ناحية"ظاهرة معادية للسوفيت"لكن من ناحية أخرى، أنا لا أعارض في تقديمها على خشبة المسرح، إذا ما أضاف بولغاكوف الى مشاهد الأحلام الثمانية فيها حُلماً آخر أو إثنين آخرين يصوّر فيهما المحور الداخلي للولب الحرب الأهلية في الاتحاد السوفيتي...".
ويشير الباحث فلاديمير لاكشين الى أن ستالين شاهد عرض"أيام آل توربين"15 مرة كما شاهد عرض"شقة زويا"في مسرح فاختانغوف 8 مرات. ولربما أعجب ستالين بصراحة بولغاكوف الذي يطرح الأمور بدون لف ودوران. إن ستالين الذي كانت تساوره الريبة والخوف من الطعنة في الظهر قد ثمّن في بولغاكوف تمسكه برأيه وبشعور الكرامة الذاتية لديه، والتي تجلت في رسائل بولغاكوف الموجهة الى الحكومة السوفيتية. وقد كتب بولغاكوف رسائل عدة الى ستالين. فكتب في 3 أيلول 1929 الى ستالين راجياً السماح له ولزوجته بالسفر الى الخارج. لكن ستالين لم يرد وربما لم تصل الرسالة إليه أصلاً من مساعديه. وكتب بولغاكوف الرسالة الثانية في عام 1930 في لحظة يأس عندما منعت مسرحياته وفقد الأمل في نشر أعماله والحصول على أي عمل عموماً. وجاء فيها:"بعد أن منعت جميع أعمالي وتعالت أصوات كثير من المواطنين الذين يعرفونني ككاتب ناصحين بقولهم: اكتب مسرحية"شيوعية"، وكذلك أبعث الى الحكومة السوفيتية برسالة غفران تتضمن التخلي عن أفكاري السابقة التي أوردتها في أعمالي الأدبية، مع التأكيد بأن أعمل منذ الآن فصاعداً ككاتب – مساير مخلص لفكرة الشيوعية. إن الهدف هو إنقاذ نفسي من الملاحقات والفقر والهلاك الحتمي في نهاية المطاف. لكنني لم أصغ الى هذه النصيحة. وهيهات أن أبدو أمام حكومة الاتحاد السوفيتي بشكل نافع إذا ما كتبت رسالة زائفة تصورني كبهلول وبهلوان سياسي ساذج. كما أنني حتى لم أحاول كتابة مسرحية شيوعية، لأنني أعرف مقدماً بأنني لن أفلح في كتابة مثل هذه المسرحية. لقد نضجت لدي الرغبة في التوقف عن عذاباتي هذه في الكتابة مما أرغمني على التوجه برسالة صادقة الى حكومة الاتحاد السوفيتي."...
وأورد بولغاكوف الأمثلة عن النقد الظالم والهدّام لمسرحياته بقوله :
“إنني لم أورد أفكاري بالهمس في ركن منعزل. إنني أوردتها بشكل عمل دراماتيكي ساخر وقدمتها على خشبة المسرح. فكتبت الصحافة السوفيتية عن مسرحيتي"الجزيرة الحمراء"– بتحريض من لجنة الربرتوار العامة – تقول إنها تشنيع بالثورة. وهذا افتراء غير عادل. فالمسرحية تخلو من التشنيع بالثورة لأسباب كثيرة، سأورد أحدها لقلّة المجال وهو أن من المستحيل كتابة تشنيع بالثورة لعظمتها البالغة. إن الكتابة الساخرة هي غير التشنيع. كما أن لجنة الربرتوار العامة هي ليست الثورة... إن النضال ضد الرقابة مهما كانت وفي ظل أية سلطة وجدت هو واجبي ككاتب، وكذلك من واجبي الدعوة الى حرية الصحافة. أنا من أشد المعجبين بهذه الحرية واعتقد أنه إذا ما أراد أحد الكتّاب اثبات أنه لا يحتاج إليها، فمثله مثل السمكة التي تعلن جهاراً أنها ليست بحاجة الى الماء.
تلكم هي إحدى سمات إبداعي...لكن مع السمة الأولى وجميع السمات الباقية الموجودة في أعمالي الساخرة تبدو: صبغات سوداء وغيبية (فأنا كاتب غيبي الاتجاه) تجسد القبائح الكثيرة لواقعنا المعيشي، والسم المترع به لساننا، والتشكك الشديد بالعملية الثورية الجارية في بلدي المتخلف، ومقابلتها بـ"الارتقاء العظيم"، والشيء الرئيس تصوير السمات البشعة لشعبنا، وفي رواية"الحرس الأبيض"اظهرت السمات التي أثارت قبل الثورة بوقت طويل المعاناة الشديدة لدى أستاذي الكاتب سالتيكوف- شيدرين. ناهيك عن القول أن الصحافة السوفيتية لم تمعن الفكر في هذا كله وانشغلت بالأنباء غير المقنعة الزاعمة أن الأعمال الساخرة لميخائيل بولغاكوف هي"افتراء"....
وفي نهاية المطاف إن سماتي الأخيرة في مسرحيتيّ القتيلتين"أيام آل توربين"و"الهروب"تصور الانتلجنسيا الروسية بإصرار بكونها الفئة الأفضل في بلادنا. وبضمن ذلك تصوير عائلة من المثقفين – النبلاء ألقت بها المصائر التأريخية المحتومة في أعوام الحرب الأهلية في معسكر الحرس الأبيض، وفقاً لتقاليد"الحرب والسلام". وتصوير ذلك هو شيء طبيعي بالنسبة الى الكاتب المرتبط بالانتلجنسيا ارتباطاً وثيقاً.
لكن مثل هذا التصوير يقود الى الاستنتاج بأن صاحب هذه المؤلفات يلقي في الاتحاد السوفيتي على قدم المساواة مع أبطاله – بالرغم من كل جهوده الكبيرة في أن يقف محايداً فوق الحمر والبيض - مصير وصفه بالعدو- واحد رجال الحرس الأبيض، ولا يمكن أن يطلق هذا الوصف، كما يدرك ذلك الجميع، إلا على من يعتبر نفسه شخصاً ضائعاً ومنتهياً في الاتحاد السوفيتي.
  لقد لحق الهلاك ليس بأعمالي الماضية فقط بل والحاضرة والقادمة أيضاً. وقد ألقيت شخصياً بيدي في نيران الموقد مسودة روايتي حول الشيطان ومسودة كوميديا وبداية رواية"المسرح"وأضحت جميع أعمالي بلا أمل.
إنني أرجو الحكومة السوفيتية أن تأخذ بعين الاعتبار أنني لست شخصية سياسية بل أديب، وإنني وهبت جميع أعمالي الى خشبة المسرح السوفيتي... يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن منعي من الكتابة يعادل بالنسبة لي دفني حيّاً.
إنني أناشدكم باسم الروح الإنسانية للسلطة السوفيتيىة إطلاق حريتي... أنا الكاتب الذي لا يستطيع أن يكون نافعاً في وطنه. وإذا كان ما أوردته غير مقنع وحكم عليّ بالصمت مدى الحياة في الاتحاد السوفيتي، فإنني أرجو الحكومة السوفيتية أن توفّر لي العمل باختصاصي وانتدابي للعمل في المسرح بصفة مخرج على الملاك الدائم.. إنني أقدم نفسي الى الاتحاد السوفيتي بكل نزاهة وبدون أي ظل لإلحاق الضرر اختصاصياً – مخرجاً وممثلاً يعمل بنزاهة على إخراج اية مسرحية ابتداءً من مسرحيات شكسبير ولغاية مسرحيات اليوم الراهن... وإذا لم يتم تعييني كمخرج، فأرجو قبولي كممثل كومبارس دائم. وإذا لا يمكن تعييني بصفة كومبارس، فأرجو قبولي كعامل في خشبة المسرح. وإذا ما كان ذلك غير ممكن، فأرجو الحكومة السوفيتية البتّ في أمري كما تراه ضرورياً، لكن يجب القيام بذلك لأنني، أنا الكاتب المسرحي صاحب 5 مسرحيات والمعترف به في الاتحاد السوفيتي وخارجه، أرى أمامي في اللحظة الراهنة – الفقر والشارع والهلاك". (الرسالة محفوظة في أرشيف ميخائيل بولغاكوف في مكتبة لينين).
أرسلت هذه الرسالة في 28 آذار عام 1930 الى سبعة عناوين، أما النسخة المخصصة لستالين، فقد سلمها إليه شخصياً ي. ليونتييف نائب مدير مسرح البولشوي آنذاك. وجاء الرد بصورة متأخرة وبشكل رد واحد هو المكالمة الهاتفية الشهيرة بتأريخ 18 نيسان 1930 حين تحدث ستالين مع الكاتب شخصياً. وجاء في نص المكاملة الذي دوّنته زوجته يلينا بولغاكوفا:
"- نحن تسلمنا رسالتك. وقرأناها... أنا والرفاق. ستتلقى ردّاً إيجابياً على الرسالة. ولكن ربما ينبغي أن نسمح لك حقاً بالسفر الى الخارج؟ فهل أننا اضجرناك جداً؟
- إنني في الفترة الأخيرة فكرت كثيراً، فيما إذا يستطيع الكاتب الروسي العيش خارج وطنه، وخلصت الى الاعتقاد بأنه لا يستطيع ذلك.
- أنت على حق. انا اعتقد ذلك أيضاً.