من روّاد الصحافة العراقية.. يوسف رزق الله غنيمة صحافياً

من روّاد الصحافة العراقية.. يوسف رزق الله غنيمة صحافياً

بيداء علاوي الشويلي
كانت البذرة الأولى لحياة يوسف غنيمة الصحفية عندما كان يعمل في التجارة، ولم يكن اشتغاله بالتجارة ليصرفه عما فطر عليه من حب المطالعة والدرس وكتابة المقالات المفيدة، إذ اقتطع جزءاً من وقته للاهتمام بكتابة المقالات الصحفية، في الوقت الذي كان العراق يئن من السيطرة والتسلط العثماني، وكانت الصحف تنشر باللغتين العربية والتركية مرة واحدة في الأسبوع بلغة ركيكة يشوبها الغموض والضعف، فضلاً عن ندرة الصحافيين وحملة الأقلام في ذلك الوقت.

بدأ نشاطه في الصحافة منذ مطلع القرن العشرين، إذ شرع في الكتابة وهو يافع عام 1903، وكانت مجلة (أكليل الورود) المحطة الأولى التي انطلق منها يوسف غنيمة في مشواره الصحفي، حيث نشر أول مقالة له فيها وعمره لم يتجاوز الثامنة عشرة، وهي مقالة دينية بعنوان (نظرٌ في الوردّية المقدسّة).
كان يوسف غنيمة يكاتب المجلات الشهيرة في مختلف الأقطار العربية وقد شرع بالكتابة في مجلة المشرق البيروتية عام 1904، حيث نشر له فيها أول بحث بعنوان (الترّحب بالمولود عند براهمة الهنود) وهو بحث مترجم عن اللغة الأنكليزية، استطرد فيه يوسف غنيمة وصف رسوخ تلك العادات والتقاليد الهندية التي بات من الصعب إزالة تأصلها في نفوسهم.
إن إعادة العمل بالدستور وفرت حرية نسبية للصحافة والفكر والتعبير والتنظيم السياسي، لذلك فتح العراق أبوابه أمام التيارات الثقافية والفكرية الصادرة من بلاد الشام ومصر واستانبول، وشهد وصول الجرائد والكتب الصادرة فيها بشكل واسع كذلك أقبل الأدباء والصحافيين على اصدار الجرائد والمجلات ونشر الكتب حتى بلغ عدد الجرائد الصادرة للمدة (1908 – 1914) حوالي (65) جريدة و(14) مجلة.
ومن بين تلك الجرائد الصادرة جريدة (بغداد) والتي تعدّ أول جريدة أهلية عرفتها مدينة بغداد، أنشأها فرع حزب الاتحاد والترقي العثماني الذي قام بالانقلاب الدستوري لتكون لسانه وعهد بإدارة سياستها إلى رئيس هذا الفرع مراد سليمان، وصدرت ثلاث مرات في الأسبوع باللغتين العربية والتركية، ورأس قسمها العربي معروف عبد الغني الرصافي. ولقد كتب فيها عدد من الأدباء والكتّاب المشهورين وكان يوسف غنيمة من كتّابها البارزين.
وعلى أثر إعلان الدستور العثماني، قام المفكرون والكتّاب في العراق بإصدار الجرائد والمجلات، ولعل سهولة الحصول على امتياز إصدار جريدة كان وراء هذا العدد الكبير من الجرائد، وفي ضوء ذلك، أراد يوسف غنيمة أن يكون صاحب جريدة ولكن لما كانت القوانين السائدة وقتذاك، لم تسمح له أن يحصل على امتياز لجريدة وذلك لصغر سنه، بادر إلى الاتفاق مع داود صليوا لإصدار جريدة (صدى بابل). صدر العدد الأول من (صدى بابل) في 13 آب 1909، بأربع صفحات بالحجم المتوسط وتشتمل كل صفحة على ثلاثة أعمدة طويلة، وقد تولى إدارتها يوسف غنيمة، حيث كان مديرها المسؤول، وصاحب امتيازها داود صليوا، ولهذه الجريدة الفضل الأكبر في تنبيه الرأي العام العراقي إلى انشاء المنظمات والجمعيات التي أغفلها زمناً طويلاً، فقد كانت تعقد المقارنات الكثيرة على صفحاتها بين الشرق والغرب. وتعد جريدة (صدى بابل) أول جريدة عراقية قامت بترجمة الأدب الغربي ونشرته على صفحاتها، فكانت الرائدة في هذا المجال.
استمر يوسف غنيمة في كتابة مقالاته المهمة وترجمة الأخبار من التركية أو الفرنسية أو الأنكليزية إلى العربية في جريدة، (صدى بابل)، ثم تخلى عن شؤون الجريدة بعد صدور عددها العاشر، وصار يواصلها بين مدة وأخرى.
وكان عدد الكتاب الذين أسهموا في الكتابة في مجلة لغة العرب أكثر من مئتي كاتب وفي مختلف الاتجاهات العلمية والأدبية واللغوية، ولم تقتصر الكتابة في المجلة على الكتاب العراقيين، بل شارك فيها عدد من الكتاب العرب، وكذلك عدد من المستشرقين، ويوسف غنيمة كان أحد هؤلاء الكتّاب، والذين أسهموا بقسط كبير في تحرير هذه المجلة في بدايتها الأولى منها، ولا سيما في أبوابها الثانية، حيث نشر فيها أول مقالة له في المجلد الثاني بعنوان (لباس الحيوانات وتنكر أزيائها)، ثم استمر بنشر مقالاته فيها، وفي مختلف المجالات حتى عام 1928، فضلاً عن أنه كان أحد مشتركي المجلة، وأسهم بدعمها مالياً من خلال جمع اشتراكاتها وحث الآخرين على الاشتراك فيها.
وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914، استعان يوسف غنيمة بجريدة (المصباح) لصاحبها عبد الحسين الأزري ليعبر على صفحاتها عن آرائه السياسية بشأن قضايا الساعة، فأرفد الجريدة بعدة مقالات اتسمت بالطابع السياسي، وعندما لاحقت السلطة الصحفيين الأحرار المناوئين لسياستها ونفت اصدقاءه أمثال : الأب. انستاس ماري الكرملي، وداود صليوا، وعبد الحسين الأزري إلى قيسري، تعطلت جرائدهم عن الصدور التي كانت منبراً لنشر أفكاره وأبحاثه، فتوقف حينذاك عن الكتابة.
صدر العدد الأول من (جريدة العرب) في 4 تموز 1917، وكان جون فيلبي (John Phelbi) رئيساً لتحريرها يساعده في ذلك الأب. انستاس ماري الكرملي، غير أن فيلبي ترك العمل في الجريدة أوائل تشرين الثاني 1917، فحلت محله المستشرقة البريطانية كير ترودبيل.
أما محررو هذه الجريدة وكتّابها، فقد كانوا نخبة رجال العلم والأدب في العراق ألفت قلوبهم سلطة الاحتلال وأغرتهم بأنها صحيفتهم لبث الفكرة العربية وخدمة اللغة وتثقيف الشعب وأجزلت لهم أجور الكتابة ولعلها كانت المرة الأولى في العراق التي تناول فيها الأدباء والكتاب أجوراً محترمة على نتاج أقلامهم، والظاهرة التي تلفت النظر أن معظم الكتاب العراقيين قد كتبوا فيها بأسماء مستعارة، ومنهم يوسف غنيمة الذي كتب مقالات في أكثر من موضوع وبتواقيع مستعارة مثل (ابن قطر الندى)، (ابن ذي الكنيتين)، و(ابن الضياء).وفي 6 تشرين الأول 1918، صدرت قوات الاحتلال البريطاني مجلة (دار السلام)، وقد أصبح الأب. انستاس ماري الكرملي رئيساً لتحريرها ابتداءً من عددها الثاني، واستمرت في الصدور ثلاث سنوات ثم حُجبت نهائياً عام 1921،
وخلال تلك الحقبة التاريخية أخذ يوسف غنيمة ينشر فيها كتاباته، حتى أصبح من كتّابها البارزين، كما كان يكتب مقالات أخرى في مجلة (اللسان).ورفد جريدة (العراق) بمقالات اتسمت بالتنوع والشمول تناولت الجوانب السياسية والاقتصادية والعراق كان ما يزال في دور تكوينه، كما سيرد ذلك لاحقاً. لقد كتب يوسف غنيمة في أغلب الجرائد والمجلات العراقية في النصف الأول من القرن العشرين كتابات عديدة في الفكر والأدب والاجتماع والاقتصاد والسياسة.
إلا أن يوسف غنيمة لم يتوقف عند حدود النشر في الجرائد والمجلات المتنّوعة حتى فكر جدياً بإصدار جريدة خاصة به تمثل اتجاهه وأفكاره وقد كان له ذلك بعد جهد جهيد، فبعد حل المجلس التأسيسي وفي غمرة الانتخابات النيابية الأولى، أصدر جريدة (السياسة) والتي تعد أهم نشاط صحفي مارسه في حياته، وقد تولى إدارتها ومسؤوليتها، وظهر عددها الأول في 3 آذار 1925، وفي هذا العدد شرحت خطتها في مقالته الأولى بعنوان (مبدأنا) قائلاً: ((قدمنا اليوم على خدمة الوطن العزيز بصحيفتنا (السياسة) وقد اتخذنا لنا منهجاً وحيداً لا نحيد عنه مهما يكلفنا الأمر … نناضل لحقوق العراق والعراقيين بالبرهان والحجة وندافع عن استقلاله بالقلم واللسان… تعزز بمقالاتنا وكتاباتنا روح الوطنية والاستقلال في القوم ونربي شعورهم بالاتحاد والتضامن …)).
وجريدة (السياسة) جريدة يومية سياسية علمية اقتصادية، كانت تصدر يومياً عدا يوم عطلتها الأسبوعية وهو يوم الإثنين. وبعد أن صدر (103) أعداد منها توقفت عن الصدور في 3 تموز 1925، إلا أنها عادت إلى الظهور على أثر تعطيل جريدة (الشعب) لصاحبها ياسين الهاشمي لتحل محلها وتنطق بلسان حزب الآخاء الوطني، الذي كان يوسف غنيمة أحد اعضائه البارزين فصدرت في 30 كانون الثاني 1931 ثم أوقفتها وزارة نوري السعيد الأولى في 24 آذار 1931.
عن رسالة (يوسف غنيمة حياته ونشاطاته)