ناتالي ساروت والإصرار على الخلق والإبداع

ناتالي ساروت والإصرار على الخلق والإبداع

د. محمد سيف
ناتالي ساروت في أعمالها الكاملة: عندما بدأت في تأليف كتابي (الكواكب السيّارة) كنت أفكر بالطريقة التي بواسطتها يمكنني أن اكشف فيها الغطاء عن الجهود الإبداعية التي يبذلها الكاتب أثناء الكتابة، وذلك من خلال تناولها من منابعها، أي حيثما تولد الرغبات الأولى التي تدفع هذا الكاتب أو ذاك على الكتابة والتأليف، تناولها من حيثما توجد الحواجز المؤدية إلى الإبداع،

 لقد أردت أن اتبع مسالكهم، مسيرتهم، طرائقهم من خلال الكتابة نفسها وليس من خلال شيء آخر، لكنَّ فلاسفة ومنظّري الوقت الحاضر استحوذوا على كل شيء، واتفقوا فيما بينهم على تغطية هذا البحث أو المشروع بكمية لا بأس بها من الأفكار المعقولة وغير المعقولة، لهذا حاولت أن أغلق أذنيَّ وأن اعتمد على نفسي من خلال تحسّس طرق ومتاهات تجربتي الكتابية الخاصة، مرغمة نفسي على الإخلاص كل الإخلاص في مشروعي هذا غير مبالية بالحجج والبراهين التي غالباً ما يقع الكاتب تحت تأثيرها، صدقوا واعتقدوا أن هذا الفعل ليس باليسير.
يذكّرني بعض كتّاب الوقت الحاضر، عندما يتحدثون عن أعمالهم في مزحة طريفة لا بد من قصّها عليكم: استدعت إحدى النساء المتزوجات أحد الأطباء من أجل فحص زوجها المريض المسجّى على الفراش، وعندما اقترب الطبيب من المريض وقام بفحصه التفت إلى المرأة قائلاً: (إن زوجك ميت ولا فائدة من علاجه). ولما سمع المريض المسكين كلام الطبيب لزوجته جمع كل قواه وأرغم نفسه على النهوض، قائلاً: (هذا غير صحيح، أنا لست بميت أنا مازلت حياً أرزق). عندما رأت الزوجة زوجها بهذا المنظر، هجمت عليه وأوقفته عند حده، قائلة: (إلزم الصمت من فضلك فأنت لا تفهم ولا تعرف نفسك أكثر من الطبيب). إن ما تريد أن تقوله ناتالي ساروت من وراء هذه المزحة الأليمة، أن بطل هذه الحكاية وهو المريض مثلما رأيناه يبدو أكثر شجاعة وبسالة من بعض الكتّاب الذين لم يجرأوا على قول كل ما يعتمل في أنفسهم بشكل حر ومخلص بشأن كتاباتهم، أنهم يخافون جداً أن يسكتهم أحد مثلما فعلت الزوجة مع زوجها بحجة أن الدكتور يعرف أكثر وأحسن منه.
مثله في ذلك مثل النقاد والفلاسفة الذين يدّعون معرفة النص الأدبي أكثر من كاتب النص نفسه. وتعتقد ناتالي ساروت، أن الذين يعتقدون أن الطبيب- الفلاسفة، والنقّاد المسرحيين- يعرف بحالتهم أكثر مما يعرفون أنفسهم ليسوا بمؤلفين أو بمسرحيين حقيقيين. مثلما هناك كتّاب ومسرحيون تركوا أنفسهم عرضة للوهم بحجة أنهم لا يعرفون ماذا يكتبون على وجه التحديد، لذلك يفضّلون أن ينضموا إلى فريق الكتاب والمسرحيين الذين يخضعون لتعليمات وقرارات الأطباء. نفهم مما سبق أن اللغة بالنسبة لناتالي ساروت، نقطة انطلاق إجبارية وفريدة، ففيها ومن خلالها تولد وتتكاثر جميع الأشياء في الكتابة، كما لو أن العالم الذي تعيش أو يعيشه المؤلف لا يتألف إلإ من الكلمات ولا شيء آخر غيرها. فهي منذ بداياتها وكتاباتها الأولى كانت تحسّ بشكل مضاعف بنوع من الاهتزاز والارتجاف من ذلك الشيء الذي لا يحمل إسم ذلك الذي يتحول إلى لغة لكي يعبّر عن نفسه بكيفيات عدة..
فهو في بعض الأحيان، يكون مباشراً وذلك من خلال الكلمات وفي بعض الأحيان، من خلال الصور، الإيقاعات، من خلال أنواع الإشارات مثل الأضواء الصامتة التي تترك تلميحاتها على أكبر وأضخم المجالات بنوع من الإيجاز... وهنا يكمن نبع الحياة، إن صحَّ التعبير، ولكن ماذا الذي سيحدث لو أن الكاتب أو المؤلف فقد تواصله مع هذا النبع/ اللغة؟ وهذا في اعتقادنا يمكن أن يحدث في أية لحظة، فماذا سيقع على وجه التحديد؟ إن الذي سيقع حسبما تقول ناتالي ساروت: إن اللغة ستبتعد عن منابعها أو على الأقل ستحاول الابتعاد، مثلما ستحاول أن تفرغ نفسها أو تتثلج، ولهذا يجب أن نكون حذرين في تعاملنا معها قدر ما يمكن. لأن الخطر كل الخطر يكمن في كيفية اتصالنا معها، ثم إذا فقدنا علاقتنا السليمة بها أو فقدت هي علاقتها بنا فسوف يتم عامل الهجر، أي سوف تهجرنا وتذهب بعيداً لتطيع الأعراف والتقاليد القديمة للجمال أو أنها سوف تأخذ راحتها في أن تكون لطيفة ووديعة ومغناجاً من أجل أن تمثّل دور الأهم والحسن. مثل هذه الحالة، سنعرض أنفسنا للتهلكة. ولكن إذا حدث ما يمكن أن يحدث وابتعدت اللغة عنا بعيداً، علينا أولاً وأخيراً، مثلما تقول ساروت، (أن نقوم بتحطيم كل شيء والعودة إلى المنابع الأصلية التي بدأنا منها بكل تواضع، أي نعود حيثما توجد الأحاسيس الأولى التي تمثّلنا عن حق وحقيقة). نلاحظ من خلال تصريحات ساروت، إنها معنية في بحث مستمر عن حركات وتيارات وأحاسيس خارجة عن القانون، فهي تبحث عن عوالم أخرى غير عادية، خالية من الدرامات التقليدية، وعن عوالم واضحة، ومفتوحة على الآخر قدر ما يمكن، عوالم موحّدة، غير مطرزة ونقية. إن استخدام ساروت لكلمة دراما أو درامات يبدو لي فيه نوع من العدل. لأن أعمالها مملوءة بالأفعال الصغيرة والكبيرة التي تتعقّد وتتفكّك وفقاً لصراعات درامية خاصة جداً. وهذا يعود بكل تأكيد إلى كونها جاءت إلى المسرح من عالم الرواية والقصة القصيرة الذي يختلف فيها الحوار، والصمت، والخطاب الإنشائي المرسل أو المتقطع الذي لا وجود للقصة إلا عبر الحدث الكلامي الذي يدور في هذه المسرحية ما بين الواحد والثاني، ما بين ما ينجز الآن/ هنا أمامنا وما بين تجليات الخطاب والحدث. وذلك من خلال البعد التداولي للخطاب الذي أسّسته ساروت على الأفعال الكلامية التي تتشكّل عبر الآن/ هنا، وعبر ما حدث في الماضي وعبر الآن، وعبر ما سيحدث في المستقبل.