آزادوهي صاموئيل: أنا عاشقةٌ للمسرح وهذا العشق يكاد يدمّرني

آزادوهي صاموئيل: أنا عاشقةٌ للمسرح وهذا العشق يكاد يدمّرني

حاورها / علاء الماجد
 يسمّونها راهبة المسرح أو القديسة أو العاشقة، وممن أطلقوا عليها هذا اللقب الفنان الكبير يوسف العاني والدكتور صلاح القصب والدكتور فاضل خليل، ذلك لأنها تعتبر المسرح مكاناً مقدساً نشأ في المعابد والكنائس وفي الكثير من الطقوس الدينية الأخرى، شغفت بالمسرح منذ أكثر من خمسة وأربعين عاماً، ومازال هذا الحب عامراً في قلبها،

 ذلك القلب النابض بحب العراق. لقد واجهت صعوبات كثيرة ومريرة في زمن صعب، لكنها تجاوزتها بإصرار وعناد وجهادية، لتقول كلمتها أنا خلقت للمسرح، هذه الفنانة الكبيرة ماهي إلّا آزادوهي صاموئيل راهبة المسرح العراقي بحق :

* كيف تعمل الفنانة آزادوهي صاموئيل على الدور الذي تؤديه، ومع من تفضّل العمل؟
- أعمل على الدور أو الشخصية التي أؤديها على ثلاثة محاور، المحور الأول هو ماضي الشخصية التي أستقيها من النص، والمحور الثاني هو حاضر الشخصية التي سأجسّدها أنا وأضيف إليها من تجربتي وقراءاتي ورغبتي في تقديم الشخصية كما أتصورها أنا، أما المحور الثالث، فهو مستقبل الشخصية، وهذا ما أركز عليه كثيراً، وأعني كيف سأودعها في أذهان الناس لتعيش في ذاكرتهم بعد أن تسدل الستارة، إن هذا الأمر يقلقني منذ بداية التمارين، وهنا يجب أن أعمل في دائرة الإبهار والتوهج الدائم خلال العرض، يقول أستاذي الراحل إبراهيم جلال"الممثل كلما تغرب عن نفسه كلما اقترب من الشخصية التي يمثلها"وتطبيق هذه المقولة ليس سهلاً، خاصة لممثلة مثلي أحاول أن أقدم شخصية جديدة وأسلوباً جديداً في كل عمل مسرحي أشارك فيه، أما مع من أفضّل العمل، فأنا عملت مع الجميع، لكنني أفضّل أن يكون العمل مهماً، مثلاً ماقدمه لي الأستاذ قاسم محمد، أو السيدة عواطف نعيم، أو المؤلف عادل كاظم، وأحياناً أشعر بحاجة ماسة للعمل مع الدكتور صلاح القصب، وإذا به يقدم لي مسرحية"العاصفة"لشكسبير أو"حفلة الماس"ضمن منهج مسرح الصورة (هل أستطيع أن أرفض).
*بداية الفنانة آزادوهي كانت صعبة وفيها شيء من المعاناة، هل تخبرينا عن هذه البداية ولو بشيء من الإيجاز؟            
  - أنا نشأت في بيت بسيط وكبير، كنا نملكه، لكننا لم نكن نملك الزاد الذي يكفينا، وكان زاد البيت الأهم هو الحديث في السياسة وهموم الناس، حيث كانوا إخوتي ينقلون مشاهداتهم ومشاركاتهم في التظاهرات والانتفاضات الى البيت، وأنا في مرحلة الدراسة الابتدائية، فعرفت الكثير من الظلم والواقع المرير الذي كان يعيشه الشعب العراقي، الفقر والمرض والجهل، كان وراء كل ذلك الاستعمار، في العهد الملكي، كان أخي يوزّع المنشورات ليلاً على دراجته، ويكتب على الجدران (يسقط الاستعمار)، وإبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وجدت نفسي بين الناس وأنا في مرحلة الدراسة المتوسطة، اتلقى القنابل المسيّلة للدموع، ومن حينها كبر الوعي الوطني بداخلي، وربطت مصيري بمصير هذا الشعب في توقه للحرية والتغيير، لذلك استجبت لرغبة شقيقة الفنان سامي عبد الحميد، للانضمام الى فرقة المسرح الحديث، وكانت هذه الفرقة تقدم أعمالاً مسرحية شعبية تنتقد النظام آنذاك، وتنبّه الناس الى عمق وأسباب المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ومثّلت في مسرحية (ست دراهم) تأليف يوسف العاني، وإخراج إبراهيم جلال، مسكت دمية ملفوفة بالأقمشة وأرتديت عباءة وأصبحت أمّاً، وأنا لم أزل صبية، بهذا الدور البسيط دخلت الى عالم مسحور اسمه المسرح.

*بدايتك مع فرقة المسرح الحديث هل تُعد العامل المهم في انطلاقتكٍ؟
- لقد كنت محظوظة لأن بدايتي كانت مع مجموعة من فناني ومثقفي العراق، عاملوني بكل احترام كإنسانة، رغم أنهم لم يجدوا فيّ الممثلة التي ينشدونها، لأن لغتي لم تكن سليمة وقتذاك وكذلك نطقي، ولكن بحبهم وتشجيعهم، ساعدوني على اجتياز هذه المحنة، لقد كانوا بحق أساتذتي قبل دخولي إلى معهد الفنون الجميلة.
*هل كانت الأعراف والتقاليد الاجتماعية تعيق عمل المرأة بشكل عام، وعملها في مجال الفن بشكل خاص؟
- كان وقوف المرأة على خشبة المسرح في ظل الأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة، ينطوي على كثير من التضحية، بخاصة الفنانات اللواتي سبقننا في العمل المسرحي، فكن يتركن العمل بعد تجربة أو تجربتين، خوفاً من المجتمع الذي كان يساوي بين عمل الممثلة والتي تعمل في الأندية الليلية، وبناءً على هذه النظرة كان يقع على عاتق الممثلة محاربة هذه النظرة، من خلال تقديم صورة الممثلة الواعية المدركة لمسؤولياتها تجاه وطنها، وتأسيس تقاليد فنية راقية لبناء علاقة محترمة بين جمهور المسرح والفنان، ومن خلال ذلك أنتمت الى فرقة المسرح الفني الحديث مجموعة طيبة من الفنانات الرائدات، كذلك ساهمت ثورة 14 تموز في فتح آفاق واسعة أمام الجماهير ولتضع المرأة أمام مهام جديدة في أن تحتل مكانتها، وبالتالي تغيير نظرة المجتمع للمرأة الممثلة، قدمنا في تلك الفترة مسرحيات (آني أمك يا شاكر) و(أهلاً بالحياة) و(حرمل وحبة سودة).
*الفترة التي أعقبت العام 1965، شهدت نهوضاً مسرحياً واسعاً وظهور أسماء نسوية تألقت في الكثير من الأعمال المسرحية، ما الذي تحتفظ  به ذاكرتكِ عن هذه الفترة؟
- في عام 1965 اجيزت فرقة المسرح الحديث باسم فرقة المسرح الفني الحديث، فعملت معهم مسرحيات (الفوانيس) و(مسألة شرف) و(صورة جديدة) و(المفتاح)، وفي عام 1968، كنا نتمرن على مسرحية (تموز يقرع الأجراس)، وفي نفس الوقت، صدر أمر بعودة المفصولين الى وظائفهم، فالتحقت بوظيفتي كمشرفة للنشاط المدرسي في مدينة الرمادي، وهنا بدأت معاناتي، حيث كنت اقطع مسافة 400 كم بين وظيفتي وبين تواصلي مع التمارين في بغداد، وعادت معاناتي مجدداً مع مسرحية (النخلة والجيران) بعد أن طلبت مني إدارة الفرقة الالتحاق بالعمل كبديلة للفنانة أنوار عبد الوهاب، وسجلت هذه المسرحية بأدائي، فكانت بحق تجربة كبيرة لي وللمسرح العراقي، وكانت من إعداد وإخراج قاسم محمد، عن رواية بنفس الاسم للكاتب الكبير غائب طعمة فرمان، وفي عام 1970 قدمت  (الخرابة) كبديلة عن الفنانة الراحلة زينب، وهي من تأليف يوسف العاني، وإخراج سامي عبد الحميد، بعد ذلك تعبت من هذه (الهرولة) بين بغداد والرمادي، فآثرت أن أبقى هناك، ولكن كيف لي أن أجلس خاملة بعيدة عن المسرح، لذلك شكلنا فرقة مسرحية من المعلمين المتخرجين من معهد الفنون الجميلة، وعملنا بإمكانات بسيطة لكنها كبيرة. ومن الأعمال التي قدمناها في تلك الفترة (أشجار الطاعون) لنور الدين فارس و(حين اسقطنا طائر الوهم) لقاسم محمد، و(مساء التأمل) و(محاكمة الرجل الذي لم يحارب) و(آدابا) و(عشاق الخيال) وغيرها، لقد قدمنا كل هذه الأعمال في مدينة لم تشهد أي عرض مسرحي سابقاً.
* انتقلتِ للعمل في الفرقة القومية للتمثيل بعد تأسيسها، كيف كانت هذه التجربة؟
- عام 1977 قدمت طلباً للانتماء الى الفرقة القومية بعد أن ضاقت بي السبل للرجوع الى أهلي ومدينتي، تم قبول طلبي ونقلت خدماتي من وزارة التربية الى وزارة الإعلام، وبهذا انتهت عشر سنوات من الشقاء والعناء لأعود الى احضان مدينتي بغداد ومسارحها، وبدأت رحلة جديدة مع الفرقة القومية، حيث اشتركت بحوالي ثلاثين عملاً مسرحياً، أذكر منها (المزيفون) و(كان ياما كان) و(حرم صاحب المعالي).
*ماذا عن المهرجانات التي اشتركت بها؟
- في أول مهرجان للمسرح العربي في بغداد بعد القصف الأميركي، اشتركت بثلاث مسرحيات مختلفة المناهج والرؤى، الأولى من منهج مسرح الصورة، والثانية من الأدب العالمي، والثالثة مسرحية شعبية عراقية، وفيها أغني وأرقص حافية القدمين، التمرين كان مضنياً، من التاسعة صباحاً الى التاسعة مساءً، متنقلة بين قاعات التمارين، كنت في عملي في هذه المسرحيات اتحدى الحصار واتحدى نفسي مفجرة كل الإمكانات في داخلي كي أسخرها وأضعها في محك المواصلة للرسالة الفنية كي تؤدي دورها بفعالية معبّرة عن همّنا وما أصابنا من جرم. حصلت على جائزة الإبداع الكبرى عام 1995 عن دور الأم في مسرحية (المومياء)، حصلنا على جائزة مهرجان بترا المسرحي التكريمية في الأردن.
* هل من كلمة أخيرة نختم بها هذا الحوار مع قديسة المسرح العراقي؟
- أقول لقد عملنا بجهادية عالية وكنا قدوة لكل الممثلات اللواتي أتين بعدنا، فكانت سهير أياد وشذى سالم وليلى محمد اللواتي حصدن جوائز مهمة في المهرجانات في زمن صعب، على الأجيال اللاحقة أن تعي أهمية المسرح في التوعية والتنوير.