عندما عين الجومرد أول وزير خارجية في العهد الجمهوري

عندما عين الجومرد أول وزير خارجية في العهد الجمهوري

ابراهيم هاشم معضد
بعد أن صدر المرسوم الأول لثورة 14 تموز 1958 عرف العراقيون أن عبد الكريم قاسم هو قائد الثورة، وتم حذف كلمة (الوطنية) من البيانات والمراسيم التالية والتي كانت تكتب مع القائد العام للقوات المسلحة في البيانات السابقة وذلك لتمييز قطعات الثوار من أي قوات أخرى قد تكون في الصف المعادي لحركة الثورة.

 وجاء المرسوم الجمهوري الذي يحمل رقم (2) بتشكيل أول وزارة في العهد الجمهوري من اثني عشر وزيراً برئاسة عبد الكريم قاسم وباسم مجلس السيادة.
وما يهمنا هنا على وجه التحديد هو التسلسل الرابع ضمن قائمة الوزارة أي تعيين الدكتور عبد الجبار الجو مرد وزيراً للخارجية.

والذي فوجئ بالأمر حين أذيع خبر تعيينه وزيراً وقال :"لم يكن لي علم بموضوع الثورة ولم يفاتحني أحد ولا أعرف من قام بالثورة والحقيقة إن في الأمر حيرة ما بعدها حيرة. لقد أصبح الأمر في نظري واقعياً وواجباً وطنياً يجب أن أقوم به".وهو من العناصر المستقلة المعروفة بتوجهاتها الوطنية والقومية يحمل شهادة الدكتوراه في القانون وأديب ومؤرخ ويجيد الفرنسية، وله مواقف في المجلس النيابي وخطبه المؤثرة ودفاعه عن الحريات العامة التي لفتت إليه أنظار الضباط الأحرار، وقد تم ترشيحه من قبل عبد السلام محمد عارف، كما يذكر روبرت مورفي (Robert Morvey) السفير الأمريكي في زيارته للعراق”وزير الخارجية عبد الجبار الجو مرد، وهو موصلي أشقر الشعر ازرق العينين، وعلمت أن الجو مرد الذي لم يشترك في المؤامرة لتحطيم الملك فيصل، قد فوجئ بتعيينه وزيراً للخارجية سماعاً من الإذاعة".
على العموم أن البيان الثاني للثورة قد تضمن التشكيلة الوزارية الجديدة لأول حكومة عراقية في عهد جديد يطل بوجهه على العراق عرف بالعهد الجمهوري، وجمعت هذه التشكيلة شخصيات وطنية كرسوا أنفسهم لخدمة البلاد، وكان معظمهم من الذين أدوا أدوارا مهمة في معارضة سياسة العهد الملكي، وكما تفاجأ الجو مرد بقيام الثورة كما يقول، فإن المفاجأة الثانية جاءت بتعيينه وزيراً للخارجية، لذلك يقول الجو مرد في مذكراته”لقد حدثت –يقصد الثورة- وليس لي يد فيها ولكن حسبت عليها والقي جزء من مسؤوليتها على كتفي فأنا وزير فيها، وعلي أن أتحمل نتائجها”.
إن اختيار أي شخص لمنصب وزير الخارجية يجب أن يكون من بين الشخصيات ذات السمعة والكفاءة والخبرة في المشكلات السياسية الداخلية والخارجية، وان عبد الكريم قاسم كان يعتقد أن هذه الوزارة كانت”ملتقى العناصر الوطنية التي عرفها الشعب وعرف نضالها". وصل الجو مرد بغداد يوم 15 تموز 1958 وحضر اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد باكتمال النصاب، ودام زهاء خمس ساعات، وضعت فيها الخطوط العريضة الواجب اتخاذها لصيانة الدولة ومواجهة أي مشكلات محتملة داخلية أو خارجية، وكان من أهمها الإسراع في تعيين ممثل العراق الدائم في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وسحب الممثل السابق عبد المجيد عباس الذي كان موقفه مناوئاً للثورة، وتم تعيين هاشم جواد بدلاً عنه، كما بعث عبد الجبار الجو مرد إلى هيئة الأمم المتحدة باعتباره وزيراً للخارجية، بتأجيل الجلسة الخاصة التي كان مزمعاً عقدها بناءً على طلب الولايات المتحدة الأمريكية، للنظر في أمر العراق بصورة خاصة.
 وفي صباح يوم 16 تموز 1958 توجه عبد الجبار الجو مرد إلى مقر وزارة الخارجية لاستلام مهام عمله، فوجد الوزارة خالية من موظفيها إلا مجموعة قليلة منهم، وبعد منتصف الدوام الرسمي حضر باقي الموظفين، فاستدعى الجو مرد رؤساء الدوائر الفرعية في الوزارة إلى مكتبه وألقى فيهم كلمة قال فيها :"يجب أن تعلموا بأني لست حاقداً ولا جئت ناقماً، ولن يمس أحدكم بسوء إلا إذا كان مذنباً، واني أشعر بأني مسؤول عنكم وأدافع عن حقوقكم لنتعاون على خدمة البلاد وصيانتها كل ما اطلبه منكم نزع ثوب الكسل عنكم والسير بواجبكم حسب القوانين".
وبهذا استطاع عبد الجبار الجو مرد أن يعيد الثقة لموظفيه وكذلك عمل على وضع خطة لإدارة الوزارة وإبعاد الموظفين الذين لا ينسجم وجودهم في الوزارة بعد الثورة ولاسيما من غير ذوي الكفاءات، لأن الوزارة على حد تعبيره مؤسسة شعبية وهي وجه العراق أمام العالم الخارجي ولهذا يجب أن يكون هذا الوجه شعبياً وجميلاً.
كما عمل على إذاعة بيان موجه من وزارة الخارجية إلى جميع الأجانب الموجودين في العراق جاء فيه”إن القيادة في العراق ترجو لهم الهدوء والاطمئنان على أموالهم وأنفسهم وتدعوهم إلى مشاركة الشعب العراقي أفراحهم". كما طلب من العراقيين المحافظة على أرواح الأجانب وممتلكاتهم وأعلمهم أن”القيادة كلها ثقة بأبناء العراق البررة ومحافظتهم على كل الأجانب".كما شكل وفداً من موظفي التشريفات في الوزارة للقيام بزيارة الهيئات الدبلوماسية العاملة في العراق كافة للاطمئنان عليهم، عارضاً عليهم مساعدته في كل ما يطلبونه، وقد عاد الوفد يحمل ارتياح الدبلوماسيين وتمنيات بعضهم الطيبة للثورة.
في 27 تموز 1958 قامت لجنة خاصة شكلتها المحكمة العسكرية العليا الخاصة، بإجراء جرد الكتب الخاص والمحافظ السرية و سجلات وأضابير وزارة الخارجية كافة للتحري عن الوثائق والمستمسكات الخاصة برجال العهد الملكي، وفي 18 أيلول أصدر عبد الجبار الجومرد أعماما ببرقية إلى جميع ممثليات العراق في الخارج لتقديم المساعدة لكل عراقي يرغب بالعودة إلى البلاد، كما أرسل برقيات أخرى بغية إبلاغ سائر الطلاب المبعدين والمغتربين لأسباب سياسية بأنهم أحرار في العودة متى ما أرادوا إلى أهلهم في العراق.كما قام عبد الكريم قاسم في 22 أيلول 1958 بزيارة إلى وزارة الخارجية للاطلاع والتداول مع عبد الجبا ر الجومرد بشأن أعمال الوزارة ونشاطاتها.
لكن عمل عبد الجبار الجومرد لم يدم في وزارة الخارجية بسبب اتساع سيطرة الأفكار الشيوعية وانحسار المد القومي في ساحة العمل السياسي اليومي داخلياً، وعدم وضع سياسة واضحة للحكومة في الشؤون الداخلية والخارجية خلال مدة  الانتقال، وعدم توضيح موقف الحكومة العراقية إزاء الدول العربية وبخاصة  الجمهورية العربية المتحدة،مما  دعته إلى تقديم استقالته في 3 شباط 1959 إلى رئيس مجلس السيادة نجيب الربيعي، وقد جاء في نص الرسالة ما يشير إلى سيطرة العناصر الشيوعية على الإذاعة وأنها”لاتزال تشجع بعض الميول والاتجاهات دون الأخرى”كما بين فيها”ما تصادفه وزارة الخارجية من عقبات في تطبيق سياسة الحياد الايجابي التي تبنتها حكومة الجمهورية العراقية، بسبب التصرفات والتوجهات الخاطئة في اجهزة الاذاعة والرقابة على الصحف"، وبذلك صدر المرسوم جمهوري الرقم 107 في 7 شباط 1959 بقبول استقالته ووزراء آخرين مثل محمد صديق شنشل وفؤاد الركابي وناجي طالب ومحمد صالح محمود، وبابا علي الشيخ محمود وهكذا استقال عبد الجبار الجومرد ومعه خمسة من الوزراء القوميين.لقد عاد الجومرد إلى الموصل بعد تقديم الاستقالة في 3 شباط 1959 وفضل الانزواء في بيته، من  دون ممارسة أي مسؤوليات سياسية رسمية، والتفرغ لكتبه ودراساته.وتم اختيار هاشم جواد وزيرا للخارجية بدلا عنه. وبقي في منصبه حتى انقلاب 8 شباط 1963 .
عن رسالة (وزارة الخارجية العراقية
 1958ــ 1986)