ذكريات مـن الـبـصـرة في الثلاثينيات

ذكريات مـن الـبـصـرة في الثلاثينيات

الدكتور طلعت الخضيري
ولدت في البصرة سنة 1924، لذا سأسترد الذاكرة الى الفترة الواقعة بين سنة 1930 الى سنة 1946، حيث تركتها للدراسة خارج العراق. سأحاول في ما سأكتبه شرح تلك الأيام والسنين وانا لست بمؤرخ أو باحث اجتماعي، وإنما استرد الذاكرة الى كل ما كان يدور حولي في تلك المدينة ولتلك الحقبة من الزمن.

الفنانون
لم تشهد البصرة في تلك الحقبة نهضة فنية لا في الغناء ولا في الرسم. ولكن كانت هناك فرق شعبية رجالية يشابه غناؤها الغناء الخليجي وفرق شعبية نسائية من أصل أفريقي يسمون بالدكاكة. وقد زارت البصرة فرقة الممثل المصري يوسف وهبي وبضمنها الممثلة أمينة رزق وأدت مسرحيات مختلفة لمدة أسبوع في مسرح أقيم في إحدى الساحات، وقد شاهدت مسرحية"على كرسي الاعتراف". كذلك زارت الفنانة المصرية فاطمة رشدي البصرة مرتين، وقد شاهدت لها على مسرح سينما الحمراء مسرحية"قيس وليلى"وقد أدت الفنانة فاطمة رشدي بها دور قيس. وكذلك زارت البصرة المطربة المصرية المشهورة نادرة، وغنّت في إحدى الملاهي.
وكانت في البصرة دارين للسينما، الأولى تسمى الحمراء لصاحبيها عبود وحبيب الملاك وكانت تقع قرب ساحة أم البروم في العشار. والأخرى سينما الوطني لصاحبها عبد المجيد سلومي في شارع الوطني في العشار. وكانت هناك في الأربعينيات سينما صيفية كانت تسمى ايضا سينما الوطني الصيفية في العشار، وأخرى لقريبي عبد الكريم الخضيري واسمها شط العرب، وكان يشتري أيضاً الأفلام المصرية ومنها ما نال نجاحاً كبيراً وأخصّ منها فيلم"عنتر وعبلة"وفيلم"القلب له واحد لصباح".
وكانت الأفلام السينمائية في البداية صامتة أمثال أفلام شارلي شابلن وميكي ماوس ثم تلتها الأفلام الناطقة غير الملونة وبعدها في بداية الأربعينيات، بدأ عرض الأفلام الملونة وتسمى تكني كولور، ومن أشهرها كان الفيلم الأجنبي"حرامي بغداد".وكان هناك ملهى شرقي يطل على ساحة أم البروم، اسمه ملهى الفارابي. وخلال الحرب العالمية الثانية، كان هناك ملهى غربي في العشار مقابل مبنى المتصرفية تعمل به راقصات أجنبيات ويسمى بالكيت كات. أما بالنسبة للمذياع (راديو) في ذلك الزمن، كانت الأجهزة كهربائية وكبيرة الحجم وتستعمل ثلاث موجات قصيرة ومتوسطة وطويلة، والأصوات المستلمة كثيرة الضوضاء (وشّوَشَة(. وفي الثلاثينيات، كنا نستمع الى إذاعة قصر الزهور التي كان يديرها الملك غازي وأيضاً كانت هناك إذاعة بغداد.
وفي فترة الحرب كنا نتتبع اخبارها من إذاعة لندن وإذاعة الشرق الأوسط التي كانت تبث من مدينة يافا والتي زرتها في سنة 1944، عندما ذهبنا لعلاج أخي وكذلك إذاعة برلين وكان مذيعها يونس بحري، وهذه الإذاعة كان الاستماع إليها ممنوعاً خلال الحرب، ويرسل المُخالف الى المعتقلات التي أسست في منطقة الفاو والعمارة طوال فترة الحرب.

النوادي
كان هناك نادي الميناء في المعقل، وأعضاؤه غالبيتهم من الأجانب والقليل من العراقيين، واستمر في وجوده حتى يومنا هذا، والآخر نادي الموظفين في العشار، ويقع قرب ساحة تمثال أسد بابل الآن، وكان أعضاؤه من موظفي الدولة والشخصيات من أهالي البصرة.

المقاهي الشعبية
المقاهي الشعبية انتشرت في العشار في الشارع الممتد من شارع المغايز وحتى ساحة أم البروم، حيث تمتد الأرائك الخشبية ويتمتع روادها بالشاي يوزع عليهم في"الأستكانات"وهي أقداح صغيرة ممزوجاً بكثير من السكر وشديد الحرارة، بحيث يسكب شاربه بعضه في الصحن الصغير الموضوع تحت الأستكان ويرتشفه تدريجياً.
وفي ذالك الشارع كان يوجد محل"الدوندرمة"التي تسمّى الآن آيس كريم، وكان صاحبه إيراني الجنسية وأسمه زينل، واشتهر بألذّ أنواع الدوندرمة بنكهاتها المختلفة من الفواكه.
وكان مقهى التجار يقع قرب جامع الخضيري يؤمه التجار صباحاً، ويكون بمثابة البورصة حيث يتتبعون حال السوق وينتشر بينهم الدلالون للتفاوض على البيع والشراء.. وكنت أمر عليه صباح كل يوم في طريقي الى مدرستي الابتدائية، وأرى الوالد والأقارب وغيرهم من التجار يتداولون فيما بينهم.

قصور البصرة
كانت البصرة تضم قصوراً جميلة عدة، في ما يلي بعض التفاصيل:
-1 قصر سيد طالب النقيب
وهو قصر كبير أصبح الأن أطلالاً، ويقع في منطقة السبيليات قرب أبي الخصيب، ومع الأسف لم تجرَ له أية صيانة، ويسكنه الآن المهجرون من أهالي الفاو وغيرهم.
والقصر يقع على ضفاف شط العرب وكان صاحبه من رجال السياسة المتنفذين وكانت لديه ميليشيات أيام الحكم العثماني ثم عيّن وزير داخلية في بداية الحكم الملكي ونفاه الإنكليز بعد ذلك الى الهند حيث توفى هناك. وعلى ما أتذكر أن السفينة البحرية التي نقلت جثمانهُ مرت أمام بيتنا ليلاً وكانت مضاءة بمصابيح كثيرة، وقيل أن عبد الرزاق المير (سمّي فيما بعد الأمير) كان يرافق السيد طالب النقيب في الهند وعاد مع نعشهِ.
2- قصر أغا جعفر
ويقع في قرية السراجي التابعة لقضاء أبي الخصيب في جنوب قرية البراضعية. يسمى أيضاً قصر أبو السباع، حيث يوجد تمثالان لأسدين أمام القصر يقودان الى درج ينحدر الى النهر.
والقصر يقع على ضفاف شط العرب وبجانبه نهر السراجي. والقصر كبير الحجم ذو هندسة معمارية جميلة وشرفات تطل على شط العرب. استملكته الدولة في السبعينات من القرن الماضي، وصار جزءاً من متنزه السراجي، ثم اصبح بعد ذلك جزءاً من القصور الرئاسية في التسعينيات، وجدد حسب أوامر الرئيس السابق، وأحيطت به البحيرات وأصبح بعد ذلك جزءاً من القصور الرئاسية آنذاك، والتي أصبحت في عام 2003 مركز قيادة القوات البريطانية.
3- قصر الحاج عبد الوهاب الخضيري (والدي).
بني سنة 1932، وأزيل من قبل الدولة سنه 1952 لعمل كورنيش البراضعية.
والقصر من أجمل قصور البصرة واسع ذو طابقين، تحيط الطابق الثاني شرفة على جهاته الثلاث. ويقع القصر في قرية البراضعية وعلى ضفاف شط العرب. وتحيطه عدة حدائق وبستان مساحتها مايقارب الخمسة دونمات.
4- قصر سيد هاشم النقيب
ويقع على ضفاف شط العرب (محاذياً لما عرف فيما بعد الكورنيش ومجاوراً لفندق شيراتون الآن) جنوب نهر العشار وهو قصر كبير وجميل وأصبح بعد ذلك متحفاً.
5- قصر محمد خلف العبد الواحد
ويقع على ضفة نهر العشار قرب المتصرفية. وهو قصر جميل ذو هندسة خاصة به، تعلوه القباب البيض وقد أزيل في الستينات من القرن الماضي، لعمل كورنيش نهر العشار.
وهناك قصور أخرى أمثال قصر سيد حامد النقيب في محلة البصرة وقصر عبد الجبار الخضيري على ضفة نهر العشار وقصر عبد الرزاق المير في محلة الخربطلية جنوبي المعقل، وقصر القنصلية البريطانية على ضفاف شط العرب (قرب جسر التنومة العائم) والذي أصبح بعد ذلك مقر جامعة البصرة ويجاورهُ قصور عبد اللطيف المنديل وعبد المحسن الشعيبي.
كذلك أود ذكر بيوت الشناشيل في محلة البصرة القديمة في محلة الموفقية، وما تسمى أيضاً محلة الباشا، حيث قصر الوالي التركي أبان الحكم العثماني وعلى ضفاف نهر العشار وغيرها من بيوت عوائل البصرة الواسعة في محلة البصرة. كذلك قصر هاشم الخضيري وصالح العبد الواحد في البراضعية وهما قرب قصر الوالد.
وعلى الضفة الشرقية من شط العرب في منطقة كوت الجوع القريبة من نهر الصالحية، يوجد قصر عبد الكاظم الشمخاني وهو قصر جميل فيه شرفة واسعة ومحاط ببستان نخيل.
عن كتاب (البصرة كما عرفتها)