العراق يدخل العهد الدستوري في الدولة العثمانية 1908 أسرار مدرسة الحقوق في يومها الأول

العراق يدخل العهد الدستوري في الدولة العثمانية 1908 أسرار مدرسة الحقوق في يومها الأول

تغريد عباس السعدي
 تُعدُّ الهيئة الإصلاحية التي قدمت الى العراق عام 1907 أول خطوة في تأسيس"مدرسة الحقوق، برئاسة ناظم باشا، والي قسطموني، والتي كرست لدراسة مايحتاجه العراق من إصلاحات، إذ كان برنامج عمل الهيئة الإصلاحية هذا يتضمن دراسة الأحوال الإدارية والإقتصادية والثقافية في ولايات العراق، ووضع الخطط اللازمة للنهوض بهذه الولايات إدارياً واقتصادياً وثقافياً.

أخذت الهيئة تدرس أحوال العراق من مؤسسات ودوائر حكومية، فوجدت مدارس قليلة مبعثرة هنا وهناك في الولايات الثلاث"بغداد والبصرة والموصل"، لا تتعدى درجتها العلمية مستوى الثانويات او الإعداديات؛ وبعد أن انتهت من مهمتها، قدمت الهيئة تقريراً الى الحكومة العثمانية تضمن اقتراحات عديدة، منها الدعوة الى فتح مدارس جديدة للبنين والبنات، وتأسيس مدرسة الحقوق، في بغداد بعد أن شعرت بحاجة ولايات العراق الى الحقوقيين والإداريين المؤهلين علمياً، وقد لقي هذا الاقتراح قبولاً من السلطات العثمانية.
استجاب السلطان عبد الحميد الثاني، لنداءات المطالبة بالإصلاح، فأصدر موافقته على تأسيس ثلاث مدارس حقوق الى جانب مدرسة الحقوق في استانبول، واحدة في ولاية سلانيك في الجانب الأوربي من مملكة"أرم ايلي"والثانية في ولاية قونية (كونية)، في الأناضول، والثالثة في مدينة حلب من الولايات العربية، وبهذا يكون مجموع مدارس الحقوق في الدولة العثمانية أربع مدارس. 
    نستنتج ممـــــا سبق أن تغيراً حدث في القــــــرار، حيـــــــــث تــــــــم استبـــدال إنشــاء مدرســـة الحقـــــــــــــــــــوق فـــــي حلـــــــــب الــى إنشـــــــــاء مـــدرســـــــــــة الحقــــوق في بغــــــــــــــــداد، وهــــــــــــــــذا مــــا أشـــــــار إلـــــيه توفيـــــــــــــــق السويــــدي، فـــــــــي مـــــذكراته التـــــي كتبـــــــها، والتــــــــي أوضــــــــــــح فيـــــــــهــا الجهــــــــــــــــود الـــتي بذلــــــــــها والـــــــــــــــده يوســـــف السويــــــــــــــدي، إذ أورد مـــــــــا نصــــــــــــــه:"لما ســـــــــمع والدي بهذا الأمر، قصد الى ناظم باشا يرجوه بأن يتوسط لدى الحكومة المركزية لنقل كلية حلب الى بغداد، لأن حلب متصلة بالبحر بوسائط أخرى باستانبول، فأهلها لا يعانون مشاق السفر للذهاب الى العاصمة والدخول في مدارسها العالية، أما بغداد فإن بعدها عن العاصمة وانزوائها يجعلها بحاجة أشد الى مدرسة للحقوق تُؤسس فيها".
    بعد المخابرة التلغرافية، استصدر ناظم باشا أمراً يقضي بنقل مدرسة الحقوق المزمع إنشاؤها في حلب الى بغداد، وتم افتتاحها في تموز1908، في الوقت الذي أُعيد فيه الدستور الى البلاد العثمانية، وتأسست الادارة البرلمانية الديمقراطية. نالت قرارات الهيئة رضى السلطات العثمانية، وقامت الأخيرة بإصدار مرسوم تأسيس مدرسة للحقوق في بغداد في 1 آذار 1908، وهذا نص المرسوم مترجم:

مجلس الوزراء العثماني
  “بناءً على الطلب المُقدمّ مِن قِبل أهالي بغداد والهيئة الإصلاحية الحقوقية في بغداد بشأن تأسيس مدرسة الحقوق، فقد نَظر المجلس في ذلك خلال اجتماع موسع بجلسة خاصة، وتداول الموضوع من جميع جوانبه الإدارية والمالية، ووافق على تأسيس مدرسة الحقوق في بغداد فقط، حيث طلب أهل الموصل والبصرة نفس الطلب، لكن الموافقة صدرت بفتح مدرسة الحقوق في بغداد، وتم إبلاغ وزارة المعارف العثمانية بذلك من أجل المباشرة بإفتتاح هـــذه المدرســـة، وإعداد الكادر اللازم لها، وصــــدر ذلك فـي 17 شباط 1905".
إلا أن المدرسة لم تؤسس لعدم وجود بناية صالحة، لذلك تقرر ضمها، الى المدرسة الابتدائية الحميدية،هي بالأساس المدرسة التي أسسها مدحت باشا عام 1869، وكانت تقع في مكان بناية متصرفية لواء بغداد وكانت هذه المدرسة أول مدرسة نظامية أُنشأت في العراق، وفي ذلك الوقت لم يكن من السهل تبديل اسم المدرسة الحميدية، وتحويلها الى مدرسة الحقوق؛ لأن ذلك من شأنِه أن يثير قلق ومخاوف في نفوس السلطات العثمانية، لذا تقرر ترك تأسيس مدرسة الحقوق الى وقت آخر، وكانت هذه أولى المشكلات التي واجهت تأسيس مدرسة الحقوق، الامر الذي دفع عدداً من الشباب في مقدمتهم السيد محمود صبحي الدفتري، لتحرير عريضة رفعوها الى الهيئة الإصلاحية طالبوا فيها تنفيذ الإرادة السلطانية بتأسيس مدرسة الحقوق، وذكر حسن الدجيلي في كتابه تقدم التعليم في العراق، أن هذه المسودة موجودة في مكتبة صبحي الدفتري، وقد كتبت في شهر حزيران عام 1908، مذيلة بتوقيع زملائه الشباب، منهم"عبد الله ثنيان وثابت السويدي".
وبعد مرور ثلاثة أسابيع من تقديم العريضة، تهيأت الظروف لناظم باشا رئيس الهيئة الاصلاحية في تولي ولاية بغداد وكالة، وبعد إعادة العمل بالدستور، قام بإصدار الأوامر لترميم وتجميل البناية التي كان مقرراً ان تفتح فيها مدرسة الحقوق، في يوم الثلاثاء الموافق الأول من أيلول عام 1908.
     أُقيم الحفل في عصر ذلك اليوم، وحضره عدد كبير من كبار الموظفين وأركان الجيش ووجوه البلد، عزفت في بداية الحفل الموسيقى، والقى وكيل المدرسة خطاباً موجزاً رحب فيه بالحضور، وأشاد الوكيل بدور ناظم باشا، ودعا لجلالة السلطان بالنصر والتوفيق. ذكرت جريدة (الأهالي) على لسان الأستاذ محمود صبحي الدفتري كيف كانت حالة الجو في ذلك اليوم وشدة الحر وضيق النفس فيه، بسبب طلاء الجدران والحالة الصعبة وتصبب العرق من الحاضرين وخاصة ناظم باشا. ألقى الوالي وكالة ناظم باشا كلمة مرتجلة، استعرض فيها الأوضاع الإجتماعية والإدارية في العراق، وأكد بصورة خاصة على النهضة العلمية وحاجة العراق الثقافية، وعلى ضرورة أن تتحوّل المدرسة إلى (ركن العدل المكين)، وألقى جميل صدقي الزهاوي، خطاباً وصف فيه صورة عن حالة الكون، وتعاقب فصول العام نتيجة لحركة الكواكب حول الشمس، وفائدة كل فصل من هذه الفصول التي لها مدة معينة من الزمن، وأعطى صورة تشبيهية عن عام الله في خلقها وفرقها عن سنوات الحكومة التي تستمر الى وقت طويل في حالة فوضى وظلم واستبداد، وانتشار الفساد، حيث اختل النظام، ولم يبق للعدل والمساواة اي وجود. وبعدها أعطى صورة جميلة عن حالة الدولة، لا سيما بعد اعلان الدستور، وكيف مهدت الأمور لهذه التطورات، وأثنى على جهود جمعية الاتحاد والترقي والأهداف التي تسعى الى تحقيقها. وفي الختام ألقى محمود صبحي الدفتري بوصفه أول طالب سجّل في المدرسة خطاباً باسم زملائه، أكد فيه على العلم وأهميته، وعلى تاريخ العراق، وماضيه التليد، وتعهد الجميع على البذل والسعي في مضمار الدراسة،
     أماّ التشكيل الإداري فقد أسندت إدراته وكالة في بادئ الأمر الى مدير المعارف في ولاية بغداد خليل بك، ثم في عام 1910 تم تعيين الأستاذ موسى كاظم الباجة جي، مديراً لمدرسة الحقوق، ويعد أول مدير لمدرسة الحقوق، وفي عام 1914 أســـندت إدارتهـــا وكالـــة الى حكمت سليمان، وكـــان آنــــذاك يتقلـــد وكالـــة مديريـــــة مــعارف بغــــــــداد، وبهذا يعد حكمت سليمان آخر مدير لمدرسة الحقوق في العهد العثماني، بعد أن أغلقت، بسبب قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914.

عن رسالة (كلية الحقوق العراقية (1928-1958م)
"دراسة تاريخية"