من مشاهدات الرحالة الأجانب في كربلاء

من مشاهدات الرحالة الأجانب في كربلاء

د. سلمان هادي الطعمة
كانت كربلاء ولا تزال محط أنظار العالم باعتبارها حاضرة إسلامية مقدّسة ولدت مع استشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي"عليهما السلام"في العاشر من محرم الحرام سنة 61هـ /680م، زارها العديد من الرحالة والسيّاح والبلدانيين منذ القدم، ولاغرو فللرحالة والبلدانيون إسهام كبير في التعريف ببلدان العالم الإسلامي من جهة، وكذلك التعريف بالمعالم الحضارية والسياحية في البلدان الإسلامية من جهة أخرى.

تكسيرا
وصلت قافلة تكسيرا الرحالة البرتغالي إلى كربلاء في الرابع والعشرين من أيلول سنة 1604م / 1013هـ،  ومما يذكره في رحلته، أنّ كربلاء  (مشهد الحسين) تشتمل على أربعة آلاف بيت معظمها من البيوت المتآكلة وأغلب سكانها من العرب والبعض منهم من الإيرانيين وكان الأتراك يعينون للإشراف على المناطق بها. ويذكر أن أسواق كربلاء كانت مبنية بشكل متقن بالطابوق ومشحونة بالحاجات والسلع التجارية،  لوفرة تردّد الناس إليها من المدن والقرى القريبة، ويحكى أن السقاة الذين يقدمون الماء للناس كانوا يدورون بقِرَبهم الجلدية الملأى بالماء، وهم يحملون طاسات النحاس المزكرشة، ثم يشير إلى تيسر الأرزاق ورخصها،  وتوفر الحبوب والأغذية بكثرة كالحنطة والرز والشعير والخضروات والفواكه واللحوم وغيرها. وشاهد تكسيرا بنفسه الأعراب التابعين لـ (ناصر المهنا) يبيعون في وضح النهار عدة أشياء منها: خيول،  أثاث،  ملابس، وأسلحة أربعة وثلاثين تركياَ من موظفي الحكومة العثمانية في كربلاء،  بعد أن قتلوهم وسلبوهم ما يملكون وهذا يبرهن على انعدام الأمن في ذلك الوقت، حيث كان الأتراك في حرب ضروس مع الإيرانيين.

ديللا فاليه
يقول الرحالة الإيطالي في رحلته التي قام بها سنة 1616م / 1025هـ :  (لقد كنا في ذلك الموضع على مسافة نصف نهار سيراً إلى اليمين لنصل إلى   (مشهد الحسين) أي موضع استشهاده في أرض كربلاء،  وهو مدفون هناك، والموضع مأهول بالسكان، وضريحه مزيّن وعليه بناء فخم على الطراز الإسلامي، وهو مكان مقدّس يزوره المسلمون. عندما مررنا من هناك كانت كربلاء لاتزال تحت حكم القزلباش الفرس فقد أخذوها من الأتراك مع أراضي منطقة بغداد بأجمعها وهي ليست بعيدة عنها. توقفنا هناك، إذ علينا أن ندفع ضريبة للأمير ناصر بن المهنا شيخ تلك البادية....إلخ.

فيليب الكرملي
قصد الكرملي العراق سنة 1629م / 1039هـ وفي أثناء وجوده في العراق، زار أطلال بابل ومنها توجه إلى كربلاء، ووصف أهل هذه المدينة المقدسة بالطيبة والشجاعة، وقال إنهم بكوا عندما سمعوا سقوط مسجد مكة وعم الحزن أرجاء كربلاء، وراح أهلها يبكون متصورين قرب قيام الساعة. ووصف أهل كربلاء بشدة التمسك بأهداب الدين الإسلامي، وقال إنهم استعدوا لشهر رمضان بأن بعثوا أوانيهم النحاسية إلى المبيض لتبييضها وشرعوا بتجهيز بيوتهم بما يلزم من سكر وشاي ورز وطحين وحبوب، ثم صعد المؤذن قبل صلاة العشاء للترحيب بشهر رمضان قبل حلوله بأيام وقرأوا آيات قرآنية وذكر أنهم يتفاءلون لدى مشاهدتهم الحيات خلال السفر لأنهم يعتقدون أن اسم الحية مشتق من الحياة والبقاء وما شابه.

نيبور
زار الرحالة الألماني كارستن نيبور وذلك في سنة 1765م / 1179هـ بعد أن أستغرق في قطع المسافة بينها وبين الحلة حوالي سبع ساعات على ظهور الدواب. وعقد   (نيبور) مقارنة بين كربلاء والنجف، فلاحظ أن مشهد الحسين أكثر من ناحيتي النخيل والسكان،  غير أن بيوتها لم تكن متينة البنيان لأنها كانت تبنى باللبن غير المشوي،  كانت كربلاء محاطة بأسوار من اللبن المجفف بالشمس،  وكان عدد أسوارها خمسة،  غير أنه لاحظ أن أسوارها كانت متهدمة أيامئذ....الخ .

اوليفيه
زار كربلاء سنة 1799م / 1209هـ فقال :  (ليس مشهد علي المدينة الوحيدة التي يقصدها الزوّار للحج،  إذ أنهم يقصدون أيضاً مشهد الحسين أو الإمام الحسين (عليه السلام) حيث يوجد قبر الحسين بن علي الذي قتل مع عدد كبير من أقاربه وأصحابه في واقعة كربلاء،  ومعلوم أن الحسين بعد وفاة معاوية قصد الكوفة مع مائة وخمسين شخصاً، وسائر آل بيته، حيث كان ينتظره أنصاره، غير أن يزيد بن معاوية قد أرسل ضده ستة آلاف شخص قاتلوه، فأستشهد الحسين وسلاحه بيده،  لأنه حارب حتى الرمق الأخير ضد هذا العدد الغفير من المناوئين، وأقيم له ضريح قريب من ميدان المعركة، وعلى هذا الضريح شيّد فيما بعد مسجد وتكوّنت حوله مدينة...إلخ .

أبو طالب خان
قام أبو طالب خان برحلة إلى كربلاء في اليوم الرابع من ذي القعدة سنة 1218هـ الموافق لليوم الأول من مارت سنة 1803م فقال: بعد إقامتي ببغداد ثمانية أيام، استأنفت سفري لزيارة مشهد كربلاء ومشهد النجف الأشرف، وفي هذه المرة لم أُعلم الباشا بنيتي وخطتي فاكتريت خفية خيلاَ وبغالاَ من حوذي واتفقت معه على أن يرافقني في جميع الطريق وسافرت بلطف فائق. ولقيت حفاوة من كل من لاقاني في أي موضع كنت من طريقي وابتهجت بلقيا قاضي كربلاء ملا عثمان وكان عائداً إلى كربلاء وكان رجلاَ سنيّاَ ولكنه كان قد تفقه وتثقف وتعلم علماَ جليلاَ وكان بريئاً من أوهام الأحكام التي يحكم بها الطغام قبل الاستعلام وظهر لي أنه سرّ سروراَ عظيما بلقائي ورجا مني أن أكون رفيقه في السفر. وفي الطريق من بغداد إلى النجف، رأيت بين كل ثمانية أميال خانات مسافرين مبينة بالآجر تشبه حصوناَ، ولكنها يندر أن يقيم فيها المسافرون.
وفي اليوم الأول سرنا أربعين ميلاَ وقضينا الليل في خان المزراقجي، ثم وصلنا إلى كربلاء في نحو الساعة الثالثة من اليوم التالي ونزلت في دار السيد حمزة، وكنت عرفت أبن أخيه في مقصود آباد في البنغال، وكنت أرجو أن أراه ثانية بكربلاء، ولكنه توفي قبل وصولي إليها بعدة أشهر،  ومع ذلك فقد استقبلني أبواه استقبالاَ حسناَ وأعاناني على إتمام مختلف مناسك الزيارة،  وتلقاني حاكم كربلاء أمين أغا بكثير من الأدب ودعاني مرتين إلى التغذي معه وأعد لي خيلاَ لأسافر إلى النجف ورغب في دفع كرائها ولما كان ذلك يحرمني ثواب الزيارة ولم أقبل قط هذا البذل.  ولقيت في كربلاء عمتي  (كربلائي بكم) وعدة نساء من توابعها،  وكان شقاء أسرتنا قد أضطرهن إلى اعتزال العالم فجئن يقضين أيامهن الباقية في الأرض المقدسة، وأن هذا اللقاء غير المنتظر سرني أعظم السرور،  أن الوهابيين كانوا قد سلبوا منهن ما يملكن وقد أعنتهن بجميع ما أستطيعه إذ ذاك من العون المالي...الخ .

فريزر
زار كربلاء الرحالة الاسكتلندي سنة 1834م / 1250هـ فقال ولاتزال كربلاء في حالة ثورة،  فلم يستطع  (اليرماز) والقتلة والسفهاء الذين يكونوّن عدداَ كبيراً فيها من صد الجيش الذي جرده الباشا عليهم فقط، بل أصبحوا يهيمنون هيمنة تامة على البلدة كلها، بحيث لم يكن بوسع أحد أن يعصي لهم أمراً أو يتحداهم من دون أن ينال جزاءه، وهم يذهبون في فسادهم وخلاعتهم حتى إلى حد أنهم حينما يعلمون أن أحد الزوّار يصطحب معه زوجة جميلة أو أختاَ حسناء يبعثون ليأتوا بها إليهم،  وحينما يرفض ذلك يعمدون إلى سرقتها منه بحيلة من الحيل أو إلى اغتصابها بالقوة،  وكثيراً ما كان يحدث هناك أن تفقد زوجات بعض الناس على هذه الشاكلة لمدة أسبوع أو أكثر فيعدن إلى أهلهن بعد ذلك بحالة يرثى لها،  فقد سمعت أحد الإيرانيين أنا بنفسي يتذمر من معاملة زوجته بهذه الطريقة. 

بيريزين
زار كربلاء المستشرق والرحالة الروسي إيليا نيكولا بيفيج بيريزين في منتصف 1843م/ 1259هـ،  وقال : كانت كربلاء قد أعلنت العصيان خلال حكم داود باشا وعلي باشا احتجاجاً على ابتزاز الأتراك المستمرة لها بدفع المزيد من الضرائب وغير ذلك مما عالجه المؤرخون بالتفصيل،  كان يقود المدينة السيد إبراهيم الزعفراني الذي قيل أنه حشّد عشرة آلاف مقاتل،  واستطاع ثوار المدينة ضد الهجمات التي قام بها علي باشا ثم جرد محمد نجيب باشا جيشاً لجباَ بقيادة كرد محمد باشا حاصر كربلاء ثلاثة وعشرين يوماَ ضربها بالمدفعية واستباحها فترة من الوقت وقتل من أبناء المدينة الألوف يتراوح عددهم مابين أربعة وعشرين ألفاَ...إلخ .