60 عاماً على صدور قانون الإصلاح الزراعي..كيف صدر القانون في 30 أيلول 1958؟

60 عاماً على صدور قانون الإصلاح الزراعي..كيف صدر القانون في 30 أيلول 1958؟

د. غصون مزهر المحمداوي
كان البيان الأول لثورة الرابع عشر من تموز 1958 خالياً من أي إشارة إلى الإقطاع والموقف منه، مما فوت الفرصة على الإقطاعيين لاستغلال أي موقف ضد الثورة في الأيام الأولى لكي يستطيع الثوار تثبيت أركان الجمهورية بشكل هادئ من دون أي عقبات. ثم بدأت الإجراءات الثورية وكانت أولى هذه الإجراءات إعلان نص الدستور المؤقت في 27 تموز 1958،

 حيث نصت المادة الرابعـة عشرة فيه على ما يلي: - الملكية الزراعية تحدد وتنظم بقانون.1. تبقى حقوق الملكية الزراعية مصونة بموجب القوانين المرعية إلى حين استصدار التشريعات واتخاذ التدابير الضرورية لتنفيذها.
وفي اليوم التالي 28 تموز 1958 م نشر قرار مجلس الوزراء بإلغاء نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية وتعديلاته وذيوله وذلك استناداً إلى ما نصت عليه المادة (9) من الدستور، والتي جاء فيها"إن المواطنين سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة".
وفي بداية آب 1958م، أصدر وزير الزراعة”هديب الحاج حمود”بياناً قضى إعطاء الفلاح نصف الحاصل باستثناء الحالات التي يستحق الفلاح فيها اكثر من ذلك حسب التعامل المحلي، وفي 11 آب 1958 ألقى وزير الزراعة كلمة من دار الإذاعة شدد فيها على تطبيق مبدأ المناصفة في الحاصل بين الملاك والفلاح وفقاً لما جاء في مرسوم قسمة الحاصلات بين الملاك والفلاح رقم (1) لسنة 1954.
لهذا لم يكن غريباً عندما خطت الحكومة الخطوة الرئيسة لإعداد قانون الإصلاح الزراعي وذلك بإصدار وزير الزراعة أمراً وزارياً في الثاني من آب 1958 بتأليف لجنة لوضع قانون الإصلاح الزراعي، تألفت هذه اللجنة من وزير الزراعة هديب الحاج حمود رئيساً وطلعت الشيباني وعبد الرزاق الظاهر وعبد الصاحب العلوان وعبد الرزاق زبير ومسعود محمد وجوهر درزه ئي وخالد تحسين علي وباقر كاشف الغطاء وحسن الكناني وقرتي دوغرامجي ويوسف الحاج الياس وأنور الجاف أعضاء، ولطفي جودت الدليمي سكرتيراً للجنة، كما أضيف لهم ممثلون عن الوزارات المختلفة.
وكان أعضاء لجنة إعداد قانون الإصلاح الزراعي وقادة الثورة الضباط الأحرار مدفوعين برغبة حقيقية لإعداد قانون يحقق الأهداف الأساسية للثورة وأماني الشعب بالإصلاح الزراعي ضمن ثلاث نواحٍ وهي (الناحية  الاجتماعية) حيث يستهدف الإصلاح الزراعي إزالة حالة اللا مساواة الواضحة في توزيع الأرض والثروة بين الفئات الاجتماعية الريفية وإلغاء السخرة، وتصفية العلاقات الاحتكارية، والتخلص من الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الدخل بسبب سوء توزيع الملكية الزراعية والقضاء على النظم القبلية والأعراف والارتباطات العشائرية، وهذا يعني تكريس العدالة الاجتماعية، أما الناحية الثانية             (الاقتصادية)، حيث يهدف الإصلاح الزراعي إلى أضعاف تعلق فئة كبار المالكين الثرية بالأرض الزراعية والملكية العقارية المتمركزة والى توجيه الجزء الأكبر من دخولهم - والذي يخصص عادة لامتلاك المزيد من الأرض - إلى القطاعات الإنتاجية القومية الأخرى، وهذا يعني العمل على كبح جماح تراكم رأس المال في شكل ملكية عقارية، وتحسين دخول الفلاحين المنتجين برفع قدرتهم الشرائية وزيادة ميلهم الإدخاري الذي يسهم بشكل أو آخر في تطوير الإنتاج الزراعي وتطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى، أما الناحية الثالثة فهي (السياسة) فإن الإصلاح الزراعي يسعى إلى تجريد الإقطاع من نفوذه الواسع والحد من سلطته، وذلك بتقليص إمكاناته المادية التي تكونت بنهج طفيلي والى القضاء على الصراعات الطبقية الناجمة عن العلاقات الاستغلالية التي تدعم أنظمة الحكم الاستعمارية، ويعمل الإصلاح الزراعي على تعميق الطابع المتطور للاقتصاد القومي، فيحول دون ارتباطه بالسياسات الاقتصادية الاستعمارية ومن جهة أخرى، فإنه يساعد في تعبئة الفلاحين جماهيرياً وتنظيم قواهم سياسياً ضمن جمعيات أو نقابات أو تنظيمات ديمقراطية أخرى.
وقد أسفرت أعمال هذه اللجنة عن إعلان قانون الإصلاح الزراعي رقم (30) الذي اصبح نافذ المفعول ابتداءً من 30 أيلول 1958، حيث أذاع الزعيم عبد الكريم قاسم بياناً أعلن ولادة قانون الإصلاح الزراعي جاء فيه”إن الثورة المجيدة التي انبثقت من إرادة الشعب يوم 14 تموز إنما هي ثورة سياسية واجتماعية معاً، ومن أهدافها تحقيق الإصلاح الاجتماعي وضمان العدالة بين أبناء الشعب كافة وتحريرهم من عوامل الفقر وأسباب الخوف وتخليصهم من الجهل والمرض..، وبعـد الدراسة وجدنا إن الإصلاح الزراعي هو القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الإصلاح الاجتماعي فقد تبيّن لنا أن جانباً من الأرض الزراعية إنما يعود إلى عدد كبيـر من أفراد الطبقة الوسطى ولذلك ستبقى هذه الأرض لأصحابها مادامت ضمن الحد الأعلى للملكية الزراعية، أما الملكيات الضخمة أو ما يسمى بالاقطاعيات الكبيـرة فستحدد بالحد الأعلى نفسه، على أن تستولي الحكومة على ما يزيد عن الحد المذكور بتعويض عادل، وستوزع الأراضي المستولى عليها والأرض الأميريـة الصرفة على الفلاحيـن ليصبحـوا مالكين للأرض في نطاق الحـد الأدنى".
لقد حدد القانون في مادته الأولى الملكية الزراعية حيث نص على”لا يجوز أن تزيد مساحة الأراضي الزراعية التي تكون مملوكة لشخص أو ممنوحة له باللزمة عن (1000 دونم) من الأراضي التي تسقى سيحاً أو (2000 دونم) من الأراضي التي تسقى ديماً وعند الجمع بين النوعين يكون الدونم الواحد من النوع الأول مقابلاً لدونمين من النوع الثاني، وكان الدافع لجعل الحد الأعلى يحدد بألف والفي دونم هو أن الطبقة المتوسطة من المزارعين التي ينبغي الإبقاء عليها هي تلك الطبقة من المزارعين الذين إذا هم استغلوا الف دونم من الأراضي المسقية والفين دونم من الأراضي المطرية فأنها تؤمن لهم دخلاً جيداً.
عن رسالة (التطورات الاقتصادية والاجتماعية
 1958 ــ 1968)