بين الزهاوي والشيخ جلال الحنفي

بين الزهاوي والشيخ جلال الحنفي

انوار ناصر حسن
من الشخصيات الكبيرة التي كانت لها بصمات واضحة وتأثير كبير في الشيخ جلال الحنفي البغدادي ومسيرته التعليمية الشاعر (الفيلسوف) جميل صدقي الزهاوي، ولاسيما في مجال الشعر وأوزانه.
وكان أول ما قرأه الحنفي أمام الزهاوي رباعيات شعرية من نظمه كانت من بحر (المجتث) وهو من البحور الشعرية المعروفة. وعرف عن الزهاوي أنه أخص رباعياته بهذا البحر الشعري.

فـأعجب وأنبهر الـــزهاوي بــشعر هذا الشاب وهكذا بدأ الحوار بــيــنــهــمــا أذ قــــال لــــه الـــزهـــاوي كما يذكر الحنفي نفسه"شعرك جزل فخم فأقرض به ما شئت"، فكانت هذه الكلمات مؤثرة في نفس الحنفي فقال له"أيها الفيلسوف أنت منحتني دفء الحياة". ولا يخفى جانب الغرور والأعتزاز بالنفس عند الحنفي من خلال هذا الحوار الذي أن دل عل شيء فأنما يدل على كبر هـــذا الـغـرور وعـــمقه فــي نـفـسـه والـذي عـبـر عـنـه فـي كـثـيـر مــن الأشــارات في مذكراته الخطية.

ثم أهدى الزهاوي ديوانه إلى الحنفي ووقع عليه ذاكرا ً في الأهداء"إلى الشاعر الحنفي"وفرح الحنفي وقال هذا اللقب"وسام منحه لي شاعر المحيط بأسمه وشعره"، وفي مقهى الزهاوي عرض الحنفي على أصدقائه ديوان الزهاوي وفيه الأهداء قائلا ً بفخر لا يخلو من غرور كبير"ولا أحسبني جديرا ً بمثل هذه الصفة التي لا يملك أستحقاقها الا أصحاب المعلقات السبع أو من حاكاهم من شعراء العرب الأفذاذ". وهذه أشارة أخرى في مذكراته الخطية تعبر بوضوح لا يقبل الجدل والشك على تلك الدرجة العالية من الغرور الشخصي. ولــعـل روح الشباب والأندفاع الشخصي يشجعانه على التعبير بمثل هذه اللغة عن جوهر غروره وأفتخاره ولكن مع ذلك فأن هذا الغرور سيبقى قائما ً وواضحا ً جدا ً في مواضيع كثيرة مــن أحاديثه وارائهُوعلى مستويات ومواضيع متعددة وفي مراحل زمنية مختلفة.
وكان من أبرز رواد مجلس الزهاوي نخبة من رجال الثقافة والسياسة في العراق المعاصر من بينهم علي محمود الشيخ علي والشيخ بهاء الدين النقشبندي وجميل المدفعي وطه الراوي وموفق الآلوسي ورؤوف الكبيسي ومحمود صبحي الدفتري وأحمد حامد الصراف وطه الهاشمي وعلي ممتاز الدفتري وعبد الله الشواف وعطا الـــخطيب وتـــوفيق الـــسمعاني وغيرهم من المثقفين.
لقد أشاد الزهاوي بالحنفي بعد أن كشف الأخير عن خلفية ثقافية واسعة في الشعر والأوزان وحفظ لـــقصائد شعراء العرب القدامى. وكان الزهاوي يوصيه بالتردد عليه كل أسبوع ولفرط أعجاب الحنفي بشعر الزهاوي أخذ يحضر مجلسه كل أسبوع حاملا ً قصيدة جديدة يقرأها أمامه فيجرى بشأنها الحوار والجدل.
وبلغ تأثر الحنفي بالزهاوي درجة كبيرة حتى أنه قلده في حركاته وإيماءاته ولكنه وجد فيما بعد أن ذلك أمرا ً غير مستحب وغير طبيعي لفارق العمر بين شيخ كبير ذاع صيته في الآفاق وشاب يتلمس خطواته ببطء، ففطن إلى نفسه أو أن أحدا ً وهو الأغلب نبهه إلــى هذا الأمر فأقلع عن تقليده.
يقول الحنفي في مذكراته"أنه عندما وضع العمامة على رأسه عام (1933) كان ماشيا ً بجوار المدرسة الأعدادية مرت به عربة تحمل الزهاوي من المقهى إلى بيته فما أن رآه حتى ألتفت اليه ونهض بعض النهوض يحييه بيده"وقد أشار الحنفي إلى رهبة هذا الموقف الذي بات عظيما ً في نفسه ومعللاً ذلك الموقف قائلا ً بعد أكثر من خمسين سنة على ضوء علم النفس الحديث أن الزهاوي كان يحن إلى أيام عمامته حين كان يدرس الفلسفة الأسلامية في بلاد اليمن"ولعل الزهاوي"أعتم بالعمامة وهو شاب في مثل سني فأن الأسر العلمية القديمة كانت تفرض ذلك على أبنائها منذ عهد الصغر".
وتطرق الحنفي إلى لقب الزهاوي حيث قال"لقد عرف الزهاوي بالفيلسوف من خلال تدريسه مادة الفلسفة الأسلامية وقوي هذا بعد نشره مقالات في الطبيعة وما وراء الطبيعة ثـم قوي أكثر حين عرف عنه الأنفلات من بعض التعاليم الدينية.

وعندما ذهب الحنفي إلى القاهرة في بعثة دراسية إلى الأزهر في ثلاثينات القرن الماضي سُئل كثيرا ً من قبل بعض المفكرين هـناك عن مكانة الزهاوي وعن صحة المعلومات فيما أتهم به بالألحـاد. ومن ضمن الذين سألوه (محمد فريد وجدي) الأستاذ في موضوع الأديان فقال له الحنفي"أن الألحاد مهما كان غليظ الحبل ثقيل الحمل فـأنـه مـهـزوز أبدا ً لدى ذوي الماضي الذي كان متشبعا ً بالقيم الدينية.
وكتب الحنفي أشياء كثيرة في ذكر الزهاوي حيث قال عنه أنه"ذو جبروت شعري رهيب". ووصفه بأنه كان يحب المدح والذكر بألفاظ الأجلال والأعجاب كما كان يسره تصفيق الجمهور له أذا ألقى قصيدة من قصائده.
ومهما يكن من أمر فأن تأثيرات الزهاوي ومن قبل الأب أنستاس ماري الكرملي فيه لم تكن بالشيء القليل فقد وجد منهما الرعاية والتشجيع كما وجد في مجلسهما مساحة واسعة للأطلاع والتعلم ومعرفة ما هو جديد في عالم اللغة والأدب والثقافة عموما ً مما سيشكل له في المستقل معينا ً معرفيا ً سيتم توظيفه في معالجاته المتنوعة والــــمتعددة فـي الــســنــوات الـلاحــقـة.

عن رسالة (جلال الدين الحنفي واثره الثقافي)