ذكريات بغــدادية طريفة

ذكريات بغــدادية طريفة

حسين الكرخي
باحث تراثي راحل

لنكي الدنيا
تركية محوّرة من (يني دنيا) ،بمعنى (الدنيا الجديدة) ، وهي ثمرة لذيذة الطعم ، كثيرة الماء ، برتقالية اللون، بحجم البرقوق وبشكل الكمثرى ، لها نواة كبيرة ، بلون قهوائي غامق، دخلت العالم القديم من القارة الأمريكية التي اكتشفها البحار الإيطالي (كريستوفر كولومبس) في اليوم الثاني عشر من تشرين الأول عام 1492م ، وكانت تعرف باسم الدنيا الجديدة أو العالم الجديد .

وفي بغداد صدرت عام 1933م جريدة نصف أسبوعية باللغة التركية باسم (يني عراق) ، أي العراق الجديد ، وكانت تطبع في (مطبعة الكرخ) .
وفي الأربعينيات ظهرت في أسواق بغداد سجاير تركية الصنع ، تحمل أسم (ينيجة) بمعنى جديدة .
و(الينيچيرية) أو الانكشارية ، تعني العسكر الجديد ، اسسه السلطان العثماني (أورخان غازي) وفرقة الانكشارية، كان لها مركز ممتاز بين فرق الجيش العثماني ، وكان أفرادها يربون تربية خاصة منذ حداثتهم على الولاء المطلق للسلطان، ويتلقون تدريبا عسكرياً دقيقاً ، وقد ظفرت الانكشارية بسلطة كبيرة فكانت تنصب السلطان وتخلعه كما تشاء ، ولما أصبحت خطراً على أمن الدولة ، قضى السلطان محمود الثاني عليها في مذبحة جرت باستنبول سنة 1826م (الجزء الأول من الموسوعة العربية الميسرة) وجاء في (تاريخ العراق بين احتلالين 6/291) بتلخيص : أمر السلطان بالقضاء عليهم وقتل منهم ألوفاً ، وقبورهم قرب (وادي العوسج) إلى جهة خانقين ، كانوا – بادئ الأمر – واسطة تقدم الترك ونجاحهم ، ثم طغوا ، وجرّوا المصائب على الدولة ، حتى كادوا أن يقضوا عليها ، لولا أن تداركها السلطان بنظامه الجديد ، فعادت إلى سابق عزه ومجدها ، وكانت الدولة قد أسست (العساكر المنصورة المحمدية) فتذمر (الينيچيرية) وثاروا ، فكان ذلك سبب تصفيتهم ، والقضاء عليهم.

هرج
ضجة ، ضوضاء كقولهم (هرج ومرج) ، ومن معانيها البيع بالمزاد العلني ، وفي الفارسية (هراج) ، و(هرياج) اللفظة التي يصرخ بها المنادي إيذاناً ببدء المزايدة ، وفي بغداد عدة أسواق يجري فيها بيع الأسقاط والأثاث المستعملة بالمزاد العلني ، وأشهرها (سوق الهرج الكبير) الكائن في محلة الميدان و(سوق الهرج الصغير) القريب من المدرسة المستنصرية والذي أزيل لتوسيع وتطوير المنطقة .
وبسبب الازدحام الشديد الذي يحصل في هذه الأسواق ينتشر النشالون و(ضرابو الجيب) .
جاء في محالات شاعر العامة : (يصير خيل اتلزّها بسوك الهرج ؟ ) ، وهرج يهرج في اللهجة البدوية : تكلّم يتكلّم، والمهرجاني كالخطيب المتكلّم ، والمهرجان الاحتفال وفيه يتعالى صياح الناس وضجيجهم :
مهرجاني وعارفه لرد الجواب ذاك أبو الهادي البشيخه اشتهر
و(الهرج) بخفض الهاء والراء وحدة مساحة زراعية :
للدِمِن فدوة والدِرج هالچان يكرُبلي هِرِج
مثله ميحلالي شِفِج كرنة على طول الإذن
الدمن والدرج إفراز الحيوانات ، والشِفِج الثور .

يمني
اليمني : الخف الأحمر ، الذي كان يحتذيه البغادة قبل نصف قرن ، وينسب إلى اليمن، لأنه قبل اشتهار (أحمد البنّا) في صناعته ببغداد ، كان يُجلب من اليمن ، قال الأصمعي : افتخر ابراهيم بن مخرمة يوماً بين يدي السفاح باليمن ، وكان خالد بن صفوان حاضراً، فلما أطال عليه ، قال خالد : وبعد فما منكم إلا دابغ جلد أو ناسج برد... الخ .
قال الكرخي في وصف (يمنّيه) المسروق :
وجهه ينطي موجـه مهـيّش بتهييـش صَغْلم مو جَلَب خشكوري فاهي ميش
عمل اسطه (أحمد البنا) خفيف وريش يصـرچ دائمـي ولا يمض بيه اخلال
مهيّش : ملمّع بالفرشاة ، صغلم : أصلي ، جلب : مجلوب من الأصل ، مزيّف ، مقلّد ، فاهي : إن كان للون فيعني فاتح ، ميش : نوع من الجلود الفاخرة ، يصرچ : تصدر عنه أصوات رتيبة أثناء المشي ، يجزّ ، يمض : يؤثر ، خلال : الأبر والأشواك التي لا يمكن أن تنغرز في جلده المتين فتصيبه بالخلل والثقوب ، خشكوري : بالي ، تالف ، خَلَق .

ملا
لقب يطلق على من كان في عهود الجهل يحسن القراءة والكتابة ، وصاحب الكتّاب يدعى أيضاً (مُلاّ) وحين انتشر نور العلم أصبح هذا اللقب سبّه ، يكنّى به الجاهل ، بعكس ما كان يعنيه قبلاً ، وعلى هذا الاساس حذفه الكرخي عام 1938م من اسمه ، وكان الرصافي التقاه بعد الحذف ومما قاله له : يجب أن نطلق عليك بعد الآن لقب أستاذ، فيكون اسمك الأستاذ عبود الكرخي ، لأنك تستحقه ، خاصة أنني أول من بايعك بإمارة الشعر الشعبي .
ودأب الأستاذ عبد القادر البراك، على استعمال (منلا) بدلاً من (ملا) في مقالاته الأدبية ، ويقال أن (منلا) جملة مركبة من : (من) و(لا) ، اختصاراً للجملة : (من لا نظير له) ، ويقال أيضاً أن أصل (ملا) : ملاّء، وهو الذي يملي على تلاميذه الدروس ، وهناك تخريج ثالث يقول أن (الملا) من (المولى) أي السيد ، والله أعلم .
وردت هذه الكلمة كثيراً في الأمثال الدارجة ، والأشعار الشعبية ، كما تلقب به الكثير من مشاهير الرجال ، فمن أمثالهم السائرة (خوجة علي ، ملا علي) و(يا ملا وجهك أصفر) ومن أشعارهم :
أيها الكرخي (المُلّة) صابتك بالچبد عِلّه
وممن اشتهروا بهذا اللقب : الملا عثمان الموصلي ، والملا عبود الكرخي ، والمقرئ الملا مهدي ، والملا علي الخصي، الذي كان الناس ايام العثمانيين يخوفون به أطفالهم ليناموا ، وهو من رجال الوزير علي رضا باشا اللاز، الذي حكم بغداد من عام 1831 إلى 1843م ، اشتهر هذا الملا بالظلم والقسوة وأخذ الأتاوات الكيفية من الناس ، وكانت أخباره تتردد إلى الأمس القريب على ألسنة العراقيين ، وصفه المرحوم الألوسي في مقاماته بأنه (أعجوبة الأمم ، ملا علي كتخذا الحرم) – تاريخ العراق بين احتلالين 7/49 للمرحوم عباس العزاوي ، المطبوع عام 1955م .
حدثني المرحوم عبد القادر البراك ، قال : قال لي مرة المرحوم عبد القادر مطبوعات : (ثلاثة ما ينشافون، عين النملة ، ورجل الحيّة ، وخبز الملا) .

عن كتابه المخطوط ( الالفاظ البغدادية ) الذي نشر بعضه في الصحف العراقية