رفيق عارف وتنظيم الضباط الاحرار

رفيق عارف وتنظيم الضباط الاحرار

رفعة عبد الرزاق محمد
رحم  الله رفيق عارف الرئيس الاخير لاركان الجيش العراقي في العهد الملكي ، فقد كان بغداديا حتى النخاع ، فطيبته هي التي لعبت دورا كبيرا في مضي تنظيم  الضباط الاحرار الى النهاية وقيام ثورة تموز 1958 . لقد ( طمطم ) ما كان  يبلغه من نشاط التنظيم ، وقلل من اهميته امام الثلاثة الكبار : نوري باشا  والاميرعبد الاله والملك الشاب .

ولم يزل هذا الموضوع الجسيم من غوامض تاريخنا الحديث ..ارى ان الحقيقة لا تكتمل الا بشهادة الفريق الركن رفيق عارف ، وهي الشهادة التي بخل عارف ببيانها بشكل علني حتى وفاته في شهر اب 1992 .
في منتصف الثمانينيات عرفني السيد انور عبد الحميد السامرائي على احد اقرباء المرحوم رفيق عارف ، وهو السيد شفيق القيمقجي ، وهو ضابط متقاعد واديب شاعر ، وهو شقيق عميد الشرطة الرياضي فهمي القيمقجي وقد توفاه الله في 22 تشرين الاول 1997.
وجرى الحديث عن ثورة تموز 1958 وموقف رفيق عارف ، فقال لي ان خاله رفيق عارف رفض رفضا تاما الحديث عن الموضوع او اجراء اي لقاء مع صحفي او باحث على حد سواء ، وانه يعرف سر الثورة ! . بعد ايام التقيت السيد شفيق القيمقجي في مكتبة المثنى واخبرني انه زار خاله رفيق عارف ومعه السيد انور السامرائي الذي تقع داره بالقرب من دار عارف في الوزيرية ، وعلموا ان المرحوم عارف شرع بكتابة ذكرياته وتسجيل شهادته للحقيقة والتاريخ ، ولا ينوي نشرها الا بعد حين .. وانه يحتاج الى بعض المراجع لاكمال الكتابة وشحذ ذاكرته ، فاخبراه ان لهم احد الاصدقاء الشباب ، وهو كاتب هذه السطور ، يمكنه ابداء المساعدة في ذلك ، فوافق بلا تردد ، وانه سيكون في استقبالنا في داره بعد يومين .
في اليوم المحدد ذهبت مع السيدين شفيق القيمقجي وانور السامرائي الى دار رفيق عارف ، الواقعة خلف بناية المجمع العلمي العراقي ، وقبيل الوصول الى باب لدار،التقينا الدكتورة عالية سوسه وهي تسكن بيتا مجاور، فالتحقت بنا . وفي البداية ذكر المرحوم رفيق عارف ان الدكتور علي الوردي الذي يسكن هو الاخر بيتا غير بعيد ، يزوره بشكل دوري ويتحدثان بامور تاريخية .
ومما ذكره في تلك الجلسة شكره للسيد احمد حسن البكر الرئيس السابق على اعادة حقوقه التقاعدية كاملة . ولما جرى الحديث عن ثورة تموز ذكر انه امتنع عن الحديث حتى للمقربين منه لاسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية ، ولمح الى انه يعرف سر قادة الثورة وصلاتهم ، وصلته هو بتلك الوقائع ، وذكر ان تلك الاحداث لم تتجرد من حساسياتها التاريخية ، لان بناء الدولة بعد ثورة تموز اعتمد على مجريات تلك الاحداث التاريخية الخطيرة .
وانه يتحمل مع المرحوم غازي الداغستاني بعض المسؤولية في ذلك ، لموقفهما المتردد مع تنظيم الضباط الاحرار . وانه شرع بكتابة مذكراته بذلك ووضع رؤوس المواد التي يكتبها ، شاكرا الدكتورة عالية سوسة على حصولها صورة اضبارته التقاعدية كاملة من هيئة كتابة التاريخ العسكري في وزارة الدفاع، مما سيسهل عملية الكتابة والتذكر . لقد زودته فيما بعد بالعديد من الكتب والدوريات والمسموعات ونحو ذلك ، ومن الطريف انه كان لا يبالي بروايات بعض الاسماء ويعدها غير امينة . ولم تزل قائمة محتويات مذكراته وبعض التعليقات بقلمه موجودة لدي .
ورفيق عارف من اسرة بغدادية قديمة سكنت محلة جديد حسن باشا ، من اعلام الاسرة حسين افندي القيمقجي المتوفى سنة 1899 صاحب المجلس الكبير ، اعقبه ولداه احمد وعارف ، اما احمد فهو والد الاطباء المشهورين احسان واكرم وانور ، واما عارف افندي فهو والد رفيق ووفيق الذي كان امرا للواء الاول وبرتبة عميد عند اندلاع الثورة . بعد نجاح الثورة تم اعتقاله ومحاكمته أمام المحكمة عسكرية لمحاكمة رجال العهد الملكي، ثم تم الإفراج عنه بعد ثلاث سنوات، وتمت إعادة الاعتبار إليه بعد إلغاء المحكمة المذكورة وإلغاء كافة إجراءاتها. وبقي الفريق الركن محمد رفيق عارف متقاعداً في العراق ولم يغادره، وحج إلى بيت الله الحرام، وتوفي في بغداد أواخر آب 1992