80 عاما على افتتاح جسر الشهداء..بغداد بين جسر ( العتيق ) والجسور الحديثة

80 عاما على افتتاح جسر الشهداء..بغداد بين جسر ( العتيق ) والجسور الحديثة

د .عباس فرحان الموسوي
عانت مدينة بغداد  في العشرينيات من مشكلات معقدة ، لعدم وجود جسور ثابتة كافية فيها تربط بين نصفيها ، اذ لم يوجد فيها سوى جسرين ، أولهما جسر مود.

وثانيهما الجسر العتيق ( جسر المأمون ). وفي سنة 1924 أنشئ جسر  الاعظمية الخشبي الذي شيد على جنائب كبيرة لا تستطيع مقاومة تيارات مياه نهر دجلة  إلا بعد وضع أكياس مملوءة بالرمل على الجانب الأخر لمنع غطسها وغرقها وتنظم طريقة عبور الأشخاص والعربات بوساطة شرطيين يقف كل واحد منهما في جانب ويستعملان ( الصافرة والعلم الأبيض للمرور والأحمر للتوقف ). 
كانت الجسور تعطى بالالتزام السنوي لمتعهد يدفع للدولة مبلغاً محدداً ، لذلك يقوم بأخذ آنة واحدة ذهاباً واياباً عن ( الاشخاص والدواب ) التي تعبر الجسر ، ويدفع اصحاب السيارات والعربات آنتين أي نصف قران في كل مرة ، وتمنع سيارات الحمل من العبور لعدم تحمل الجسر، وقد الغيت رسوم العبور على الاشخاص سنة 1925.
واجهت السيارات والعربات صعوبات كبيرة عند عبور الجسور ولاسيما جسر الاعظمية نظراً لارتفاع مقترباته لذلك يضطر سواق السيارات والعربات الى السير بأقصى سرعتها بهدف العبور او تضطر الى تفريغ الحمولة في منتصف الجسر.
كانت ادارة الجسور بيد الخبراء والمستشارين البريطانيين المعينين لدى الدوائر المختصة ، إذ كانوا يشرفون على ادارة الجسرين ( العتيق ، ومود ) ومن هؤلاء الخبير ( سرجنت ) وفي بداية الثلاثينيات تم الاستغناء عنهم لان ( الجسارة العراقيين تدربوا على العمل واتقنوه ).
لم تستطع الجسور الخشبية القائمة على الجنائب تأدية المهام التي أنشأت من اجلها ، اذ انها تكون عرضة لفيضانات دجلة المتكررة ، فيدفع تيار المياه دوب الجسور ذات المقدم العريض للغطس بقوة التيار ، الامر الذي يستوجب على عمال الجسور ايجاد حالة من التوازن عن طريق وضع أكياس من الرمل على الجانب الأخر ، وتمنع وسائط النقل الأخرى من العبور ويقتصر على الأشخاص فقط. وعند انخفاض مستوى المياه في النهر [ الصيهود ] ترتفع مقدمات الجسور على الجانبين الامر الذي يجعل عملية الصعود تواجه مشقة كبيرة عندما تتوقف حيوانات النقل وتتدافع فيما بينها فضلاً عن ذلك لم تكن ارضية تلك الجسور مثبتة بشكل تام على الجنائب فعندما تعبر الدواب المختلفة تحدث قرقعة الخشب الامر الذي يزيد من ارتباك تلك الدواب.
كان للتطور الكبير الذي شهدته المملكة العراقية في مختلف مجالات الحياة بعد عام 1932 اثر كبير في الاهتمام بزيادة وسائط النقل وتعبيد طرق المواصلات وتشييد الجسور الثابتة ، فأهتمت الوزارة الهاشمية الثانية ( 17 اذار 1935 – 29 تشرين الاول 1936 ) بانشاء جسرين حديديين ثابتين في العاصمة ، وتعاقدت مع شركة ( هولواي اخوان الانكليزية المحدودة ) لتشييد الجسرين ونصت المقاولة على ان تدفع الحكومة العراقية مبلغاً قدره ( 400.000 ) دينار عراقي نقداً للحكومة البريطانية لإنشاء الجسرين. 
بدأ العمل في الجسرين سنة 1937 ، وصرف حوالي ( 500) طن من الفولاذ وبلغ ما صنع من الكونكريت ( 304) متر مكعب ، عرف الجسر الاول بجسر المأمون. في موقع الجسر القديم الذي يربط الكرخ بالرصافة طوله سبعمائة قدم وعرضه خمسيناً قدماً افتتح في 15 تموز 1939 كان يستعمل للعربات والسيارات والمارة في ان واحد.اما الجسر الثاني فكان يعرف بجسر الملك فيصل الاول ( في موقع جسر مود ) تم انجازه عام 1940 بطول ( 303) متر وعرض ( 15 ) متر مع الارصفة وكانت دعامته تزيد على الجسر الاول بدعامتين مصبوبة كلها بالخرسانة وبلغت تكاليف إنشائه ( 208 ) ألف دينار. الجسرين كانا على إتقان وضبط كبيرين إذ أنجز العمل فيهما حسب المواصفات المتفق عليها وبالوقت المحدد.
قامت الحكومة العراقية بتسلم الجسر بعد فحصه من قبل الشركة المذكورة التي اجرت عليه عملية الفحص بامرار مكائن ثقيلة تتكون من ( 18 ) سيارة لوري و (6 ) محادل ، و( 1500) جندياً  . لمراقبة انحناء الجسر الذي كانت طاقة تحمله ( 260 ) طن حسب الاتفاقية ، واشرف المهندسين على ذلك لمدة ساعة فكانت النتيجة مرضية.
افتتح الوصي عبد الاله جسر الملك فيصل الاول في 15 اذار 1940 وكان يصحبه امين زكي وزير المواصلات والاشغال  وعدد من الوزراء فضلاً عن بعض النواب والاعيان وكبار موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين وقد القى احمد شوقي الحسيني مدير الاشغال العامة خطبة الافتتاح وسط حشد كبير من سكان بغداد الذين اصطفوا على جانبي شارع الرشيد.
وفي عام 1950 تم نصب جسر الصرافية الحديدي [ جسر القطار ] الذي يتكون من ممرين احدهما للسيارات والاخر لعبور القطارات ، كانت الحكومة العراقية قد اشترته كاملاً من الحكومة الهندية بمبلغ ( اقل من مليوني دينار عراقي ). بوساطة شركة كودفوغان لي فرانك وكويدز البريطانية التي قامت بنقله ونفذت شركة هولواي اخوان عملية نصبه.
كان لجسر الصرافية أهمية كبيرة تتمثل في امكانية تسيير القطارات بين  بغداد والبصرة واربيل.ويمثل اضخم واطول جسر في العهد الملكي يمتد لمسافات طويلة استمر العمل بانشاء قواعده ودعاماته لمدة سنتين متتاليتين وهو أول جسر للاستعمال المزدوج (السيارات والقطارات) . فضلاً عن السابلة افتتحه الوصي في 20 تشرين الأول 1950.   
وبعد تنوع وسائط النقل وازدياد إعدادها في الخمسينيات ظهرت الحاجة الى انشاء جسور اخرى بهدف تخفيف حالات الازدحام على الجسور القائمة في بعض جهات المدينة . فشرع بانشاء جسر الملكة عالية في تشرين الثاني 1953 الذي يقع في منطقة الباب الشرقي ويصل جانب الكرخ بالرصافة بلغ طوله (454) متراً وعرضه اكثـر من ( 18 ) متر وكلفة انشائه مليون وستمائة الف دينار وهو يقوم على عشر دعائم من السمنت المسلح تتخللها تسع فتحات.افتتح الملك فيصل الثاني جسر الملكة عالية عام 1956 وقام ولي العهد عبد الاله بالنزول على سطح هذا الجسر بطائرته الهليكوبتر وكانت اول طائرة تهبط على جسر في بغداد.
تكررت الحوادث على جسر الاعظمية القديم الامر الذي دعا الحكومة الى اتخاذ خطوات جدية لحسم هذه المشكلة. وقامت الجهات الفنية بالتعاقد مع شركتي (سمنسن وكتانه ) لانشاء جسر الاعظمية وتم الاتفاق على انشائه بمبلغ مليون وثلاثمائة دينار وهو يقوم على ثمان دعائم من السمنت المسلح تتخللها سبع فتحات يبلغ طوله ( 317 ) متراً ، وعرضه ( 15 ) متر ، ويتسع لمرور ثلاث سيارات في وقت واحد ، وقد عرف بجسر الائمة وانجز بناؤه عام 1957.

عن رسالة (   الحياة الاجتماعية في مدينة بغداد 1939 –1958 )