المخرج المسرحي د.جواد الأسدي:  مسرحنا بلا رئة والمسرحيون يتنفسون بطريقة ضعيفة

المخرج المسرحي د.جواد الأسدي: مسرحنا بلا رئة والمسرحيون يتنفسون بطريقة ضعيفة

د. جواد الأسدي الحاضر دائماً فوق خشبة المسرح .. الغريب الذي حمل حقائب المسرح في رحلته التي لايريد لها أن تنتهي، ذاكرته المتوقدة على تجارب الحياة التي سكنت روحه في  العراق، الوطن، والأصدقاء، وشغف البروفة وجمالياتها وعذاباتها التي تحولت إلى مرجعيات يحفر في أعماقها وهو يمارس مسرحتها في تجربته الجمالية.. يتوق العودة إلى الوطن والعمل مع المسرحيين من أجل مسرح عراقي مثير للجدل والجمال... جواد الأسدي المخرج والمؤلف وصانع الجمال في فضاءات المسرح العربي،  كان لنا معه هذا الحوار:

* ماذا يشكل (المسرح والفلسطيني الذي فينا).. في ذاكرتك؟
- الفلسطيني الذي فينا.. هو الوجع الذي فينا أو يوم القيامة الكبير والذي أسمه فلسطين التي تعني فعلياً كل الذين توجّعوا وتم تدميرهم تحت خيمة الاحتلال، فلسطين التي كانت بالنسبة لنا حلماً كبيراً أو يوتيوبيا مقدسة؛ هي أشبه بسمفونية الوجع الكبير، ثمّة شعور دائم يجتاح روحي بأن ثمة مكاناً في هذا العالم يتم إنهاكه وتدميره وتتم إعادة كتابته ديموغرافياً وإنسانياً ومكانياً.
* هل يعني ذلك أن فكرة (الفلسطيني الذي فينا)غادرت حدودها القومية وتحولت إلى فكرة كونية؟
- بالتاكيد هي فكرة كونية.. الفلسطيني الذي فينا يعنيني أنا كعراقي، كنت أبحث دائماً عن ذريعة لوجودي في سوريا بعد أن كنت قد عدت إليها قادماً من بلغاريا حاملاً معي شهادة الدكتوراه في الإخراج المسرحي، بدأت البحث عن المصطبة التي يمكن لها أن تتسع لمقترحاتي ، المصطبة التي هي المنصة أو المسرح الآخر ، خصوصاً واني ماعدت قادراً على العودة إلى العراق بلادي التي تحولت في ذلك الزمن إلى مرجل كبير للحرب والموت، أحسست أن مايوازي احساسي ببلادي ويوازي افتكاكي القسري عنها؛ كانت فلسطين وطناً آخر يشبه العراق في طبيعته وجماليته، ولأجل هذا كله يمكن القول إن الفلسطيني الذي فينا، فلسطين التي في داخلي، في داخل كتاباتي داخل احساسي داخل هذه الدورة الدموية الملغومة بالتفجع والمرارة والحلم والرغبة والمسرّة ، كان هذا خياري في التعامل مع المسرح الفلسطيني كأنني أعود فيه إلى العراق، كما لو أني أعود إلى بغداد تلك العودة التي لم تكن ممكنة في وقتها، لذلك فإن العمل على تركيب جماليات النص الفلسطيني خشبة المسرح كما لو اني أصنع من فلسطين، حالة استعادية لبلدي العراق، وكما لو اني انتج طاقة ممزوجة من وجع البلدين تلك الطاقة التي تعطيني النار والموقد الكبير الذي يغذي روحي الملتهبة في اعماقي حتى أستطيع أن أقود بروفاتي وأكتب نصّي وأتمكن من السير قدماً في تلك الممرات.
* بدا لي أنك كنت تبحث عن الفلسطيني المختلف عن ذلك الذي تتقاذفه العواطف العربية، بل كنت تبحث عن إحداث الصدمة في الحاضر الفلسطيني، وقد تجلّى ذلك بينك وبين الكاتب المسرحي الكبير (سعد الله ونوس) لاسيما في مسرحية (الاغتصاب) التي قدمتها للمسرح الوطني الفلسطيني، وقد بدا أن النص استفزّك أكثـر من غيره من النصوص التي كانت تحاكي القضية الفلسطينية في تلك المرحلة ؟
- صحيح .. لأن مسرحية (الاغتصاب) هي بالأساس مأخوذة عن نص الكاتب الإسباني (أنطونيو باييخو) بعنوان (القصة المزدوجة للدكتور بالمي) وبعد قراءتي للنص، أحسست بشكل فعلي، أنه قابل لأن يتحول إلى حالة فلسطينية خصوصاُ فيما يتعلق بفكرة المحقق والضحية، من جهة اخرى فإن (سعد الله ونوس) كان قد أحجم عن الكتابة تماماً في تلك الفترة، واختار الجلوس في البيت، ولم يكن يزاول فعل الكتابة لمدة عشر أو خمس عشرة سنة، وقد كان توقفه نوعاً من الاعتراض الخطير على السلطة والدولة بمفهومها الكبير والواسع عربياً وغير عربي، فقد أحس بخيبة ضخمة جداً وإن كل ماكان يجري لاينبغي أن يكون، ولذلك قررت أن أقدم له النص، أردت التحرش بروحه وعاطفته وكتابته، طلبت منه أن يقرأ النص، ومع أنه كان قد قرأه في السابق، ولم يخطر له أن هذا النص يمكن الاشتغال عليه، فأخذه مني، وبدأنا سلسلة لقاءات أسبوعية، وكنا ندخل في حوارات طويلة ونقاشات مستمرة، كان يقول لي (ياجواد مقترحك في مكانه وانا لدي شهيّة كبيرة في استعادة الكتابة على هذا النص)، بالنسبة لي كان الامر أشبه بالعيد الكبير، لأن (سعد الله ونوس) قرر العودة إلى الكتابة وهو بحد ذاته، فكرة خطيرة وجميلة ، قدم لي كتابته الأولى لنص الاغتصاب، وبات مع تلك الكتابة رحلة من التصادمات التي كانت تؤدي إلى كتابة جديدة للنص لتبدأ بعدها رحلة جديدة من المصادمات وتبادل التصورات، وكان يتقبل الأمر بصعوبة كبيرة لأن (سعد الله ونوس) كاتب محترف لايتقبل الملاحظات بسهولة ولكن ماحصل بيننا، كان أشبه بنوع من تبادل الثقافات التي تأسست بدءاً من فكرة الاعتراض ومن ثم على فكرة الاستماع إلى الرأي الآخر، في النهاية أعطاني النص بنسخته النهائية، أحسست أن في هذه النسخة النهائية، ثمّة مشكلة ضخمة جداً تمثلت في فكرة شخصية (الإسرائيلي) كنت أتساءل عن ماهية تلك الشخصية من هو (الإسرائيلي) في هذه المرحلة؟ وتحديداً في عام (1990)، ثم من هو (الإسرائيلي) بالنسبة إلى (سعد الله ونوس)؟ ومن هو (الإسرائيلي) بالنسبة إلى (جواد الأسدي)؟ فإذا كان (الإسرائيلي) من وجهة نظر (سعد الله ونوس) يتمثل في (منوحين) الذي هو بطل من ابطال المسرحية ؟ أو هو كل من (أسحاق و مائير)، أما بالنسبة لي فقد كنت أظن ولا اعرف الآن، إن كنت مخطئاً أو على صواب، فقد كنت أظن أن ثمّة عقماً في الحوار مع ذلك (الإسرائيلي) الذي يعيش في إسرائيل، عقم في التفاوض معه، كيف يمكن أن يتفاوض هذا الإسرائيلي مع (إسماعيل) الفلسطيني، وكيف يمكن أن نجد التجاور مع النص الذي تحول بعد اشتغال ( سعد الله ونوس) عليه إلى نصين ، يعود الأول إلى نص الاسباني (انطونيو باييخو) والآخر فلسطيني من كتابة (سعد الله ونوس) الذي أفاد كثيراً من نص (باييخو) في الكتابة، وقد ظهرت لديّ أسئلة كبيرة فيما يتعلق بهوية الإسرائيلي في تلك المرحلة، ولم اكن موافقاً على فكرة أن هناك إمكانية للحوار مع الإسرائيلي (منوحين) الذي كان يعيش داخل إسرائيل وتحت خيمة وظلال وسلوك الاحتلال في تلك الفترة، كنت دائماً أشير لـ(سعد الله ونوس) بأن الحوار سيكون ممكناً لو كان (منوحين) يعيش خارج إسرائيل إذ يمكن أن يكون من سكان باريس مثلاً، أو يكون ذلك اليهودي المتنور، الأمر الذي دفعني للمسير بهذه المنطقة من الحوار والافتراض، مشيت على الضد من النص، وبذلك فقد أدخلت النص في قراءة جديدة، وعندما حضر (سعد الله ونوس) لمشاهدة البروفة النهائية في دائرة الثقافة الفلسطينية في دمشق وكان معه الناقد (فيصل دراج) قال لي بعد العرض وبالحرف الواحد.. (جواد هذا اجمل مايمكن أن أشاهده على صعيد التمثيل، ولكن أرجوك أن تحذف أسمي وتكتبت أن هذا النص من تأليف جواد الاسدي) .
* كأنك كنت تبحث في جدالك مع (سعد الله ونوس) عن شخصية الفلسطيني المثالية، وفي المقابل كان ونوس رافضاً لوجود تلك الشخصية، على اعتبار أن الفلسطيني في تلك الظروف إنما هو فلسطيني منتهك من قبل المحتل، كما هو العراقي (المقدس) الذي رفضت وجوده في مسرحية (حمام بغدادي) يبدو أن جواد الأسدي قد غادر الفكرة التي تقول بوجود الشخصية العربية المثالية وقرر التعامل معها كما هي في الواقع العربي الملتبس اجتماعياً وسياسياً؟
- لا أظن ان هذه الملاحظة صحيحة لسبب واحد، هو أنني حاولت أن أخرج بعيداً عن مسطرة الخطابة الفلسطينية على مستوى الكتابة سواء في النصوص التي كانت لمؤلفين آخرين كما هو الحال مع نص (الاغتصاب)، أو مع النصوص التي كتبتها بنفسي بدءاً من نص مسرحية (خيوط من فضة) التي كانت من تأليفي، كنت أقاتل لكي لا أحول القضية الفلسطينية إلى تمثال شمعي، وأن لا أحول الفلسطيني إلى كينونة (جبسية) أو شيء غير قابل للتفكيك، كنت احاول دائما الصدام مع المتفرج بفكرة، أن هذا الفلسطيني الذي أقوم أنا بنسجه وكتابته هو فلسطيني آخر أكثر حرية واكثر إمكانية من أن تناقشه، وأن تتصادم معه، هو ذلك الآخر الذي نتوق دائماً إلى إحداث الجدل معه، وهذه هي المشكلة التي كانت تحصل مع (سعد الله ونوس)، وقد ازداد الأمر تعقيداً عندما تم عرض المسرحية في بيروت، وقد استقبل اللبنانيون العرض بجنون على صعيد الكتابة (نص العرض) وهم إلى اليوم يعتبرون مسرحية (الاغتصاب) التي قدمت في بيروت هي من اجمل ماقدم في تأريخ المسرح اللبناني عربياً، لأن النص كان فيه جملة بصرية خطيرة، والتمثيل كان من طراز كبير، الأمر الذي جعل (سعد الله ونوس) ينزعج أكثر فأكثر لأن قراءتي مخالفة لقراءته، وفي كل مكان يقدم فيه العرض كان يحصد الاعجاب الكبير الذي كان له علاقة كبيرة بـ (الإعداد النصّي)، ولكن الاعجاب الأخطر كان يأتي لمصلحة التمثيل وجماليات العرض .
* ما السبب الذي دفعك إلى تدوين البروفة ؟ هل هي فكرة مفاجئة ؟ أم هي خبرة متراكمة؟
- لا أبداً .. المحاولة الأولى في تدوين البروفة كانت في كتاب (المسرح والفلسطيني الذي فينا)، وقد كانت نتيجة لاحساسي بالغربة، ولأني كنت أسمّي نفسي بالغريب الذي يرحل إلى المدن وعنها، الطارئ الذي يمشي على الأرصفة، الشخص الذي بلا سند، وبلا سقف، وبلا سرير وبلا أهل وبلا ناس، كانت مملكتي الحقيقية، هي رحلتي بين البروفة والعرض، لكن البروفات كانت أكثر وقعاً على روحي، ولأنها كانت تضع في حياتي أو في صيرورة يومياتي، مجموعة من الشهوات العالية السحر على صعيد العلاقة الحارة مع التمثيل ومع الممثل، وعمليات الهدم والبناء، ومشاكسات الممثل والمحاولة للذهاب بعيداً مع جسده وروحه وكيانه، من أجل الوصول إلى مناطق يجهلها الممثل بنفسه.. البروفة هي الجنة التي كنت أحاول أن أضع أركاناً لها لأني كنت اشعر دائماً بأني رجل منفي، وأن تلك الشوارع والأرصفة والمقاهي لاتسعفني بالمسرة بشكلها النهائي.. البروفة هي المسرة الوحيدة التي كانت تعطيني فرصة واحساساً بأني شخص ذو كينونة وجسد وصوت ومعنى، وانطلاقاً من معلومة تقول إن، المسرح وبمجرد انتهاء العرض يصبح قابلاً للزوال، بهذا المعنى أحسست أن عندي شهية كبيرة ورغبة تلح عليّ أن أكتب يوميات البروفة، وفعلاً أصبحت وبعد تجربة (المسرح والفلسطيني الذي فينا) مدمن على تدوين البروفات، فعمدت إلى ذلك في (جماليات البروفة) و (المسرح جنتي) وقد تحولت الكتابة عندي إلى شيء موازٍ للعرض المسرحي.
واحب أن أشير إلى أن فعل الكتابة لم يكن بإيعاز مسبق للكتابة، بمعنى آخر، فأنا لم أكن أقرر الكتابة، وإنما أفرض على نفسي تدوين بروفات اليوم السابق، كانت الكتابة تأتي دائماً عندما تنتهي البروفات وتعطى مساحة كبيرة من التأمل، الكتابة تأتي عندما يكون ثمّة هاتف، أو ثمّة وحي، أو ثمّة مخلوق ينادي أو ثمّة نار أو رغبة تحثني باتجاه الأوراق، ولهذا عندما تقرأ (جماليات البروفة، أو المسرح جنتي) تجد أن اللغة التي فيها تكاد تكون مصنوعة من نار، لغة فيها اضطراب وغربة وألم ووجع وفيها تفكيك، وفيها قراءة للممثل ومشاكسته، وقراءة في الإخراج والنص، وفي هذا النوع من الكتابة التي تخرج في كثير من الاحيان خارج البروفات، وعندها أتمكن من اصطياد علاقاتي وانا على سرير غربتي، وأنا في وحدتي، وفي مكالماتي الهاتفية مع أمي ومع أخي الذي تم إعدامه، ومكالماتي مع اصدقائي، لذلك كله، صارت الكتابة بالنسبة لي، هي كتابة الحياة بمجملها ولهذا استحقت عليّ أن أكتبها بشهية هائلة.
* كل هذا التداخل في تدوين البروفة ألا يسهم في إنتاج مقترحات مشهدية تدخل في كتابة البروفة من دون أن يكون له حضور فعلي في صناعة المشهد المسرحي؟
- لا أبداً.
* أشرت في معرض حديثك عن تدوين البروفة إلى أنك تقوم بالكتابة بعد الانتهاء من البروفات بشكل نهائي.. كيف تتذكر كل تلك التفاصيل التي تحصل في يوميات البروفات ؟
- نعم هذا صحيح .. فضلاً عن ذلك، فإنني نادراً ما أقوم بإعادة كتابة البروفة، والسبب وراء ذلك يعود إلى أنني عندما أكتب أصاب بلوثة، أو يمكن أن تسمّيها حمّى خطرة، قد تمتد رحلة الكتابة فيها إلى ساعات طويلة، تقطعها لحظات من الراحة، التي أتنبه فيها إلى كمية الأوراق التي تحتشد بين يديّ والتي يبدو عليها الوجع من فعل الكتابة الذي يتم بشهية هائلة ورغبة كبيرة.
* يكتشف القارئ لنصوصك المسرحية ويوميات بروفاتك، انك تعتمد اسلوباً مختلفاً في كل منهما، وكأن القارئ يكتشف جواد الأسدي على نحو مختلف، هل تشعر بذلك الاختلاف؟
- أكيد .. حتماً ، ويعود ذلك إلى وجود مزاج مختلف، ومرايا مختلفة، لأنني عندما اكتب عن البروفة فإنني أفتح الباب أمام لغة مختلفة، لغة متشظية هي أشبه بالنهر الجارف الذي تهجم عليه المياه بعد انقطاع طويل، أما كتابة النص المسرحي، فهي شيء مختلف تماماً، لأن الكتابة للمسرح فيها مشكلة خطيرة تتعلق بما يمكن أن تقول، وماذا تكتب، وماهي الفكرة ، وكيف تكتب هذه الفكرة، كما اني كنت أعمل دائماً على تدوين ملاحظاتي حول الشخصيات التي أريد الكتابة عنها، وقد بدأت ذلك في مسرحية (خيوط من فضة)، من جهة أخرى، فإن كل النصوص التي كتبتها هي مقترحات للإخراج ولايمكن أن تكتمل خارج البروفة، ولهذا كنت احذف وامزّق كثيراً، ثم اعود لأرمي كل ذلك داخل روح الممثل، لكي يقوم بدوره في إعادة إنتاج النص مرة أخرى ، وفي مرات كثيرة، كنت اترك للممثل حرية الالتحام مع النص الذي شكلته أنا في البداية.
* ماالذي دفعك إلى كتابة النصّ المسرحي؟ هل هو احساسك بوجود موهبة المؤلف الكامن في داخلك؟ أو ربما حاجتك إلى أفكار أو شخصيات لم تتمكن من العثور عليها في نصوص عالمية أو عربية كتلك التي وجدتها في نصوص (جان جينيه، لوركا، سعد الله ونوس، معين بسيسو .. وآخرين)؟
- بالضبط .. لقد رميت لي الطرف الحقيقي من الإجابة، كل النصوص المقترحة عالمياً لجميع الكتّاب الكبار، تضعني في سجن جميل، لأنها نصوص جميلة، ولكن بالمقابل أن تجد نفسك غير قادر على زحزحتها لا تملك تفويضاً بذلك لكي تضعها على طريق آخر على الرغم من أني في عملية الإعداد لهذه النصوص، كنت اضع قليلاً من (جواد الأسدي) العراقي فيها ولكن بنسبة قليلة من دون مضمونها لكي يبقى (جان جينيه) كما هو مع وجود إنزياحات قليلة وبسيطة، وفي الكثير مما يكتب (غارسيا لوركا) العظيم والذي هو كاتبي أو هو حلمي الشخصي، وغيره من الكتّاب الآخرين، ولم اعثر على مايمكن أن يشفيني فيما يخص الحديث عن بلدي العراق، ولذلك أحسست أنه لايوجد حل آخر غير أن أقوم بالتصدي لكتبة فكرة الوجع العراقي والمرارة العراقية، لاني أردت فعلياً أن اكون شاهداً، أن اكون في داخل يوم القيامة الكبير الذي وقع على العراقيين عبر تاريخ قديم، كأنما هناك لعنة وقعت على العراقيين لكي يدفعوا دماً وحزناً، لتظل بيوتهم مسكونة بالمرارة ، كل ذلك دفعني إلى التساؤل والبحث عن الكاتب الذي يستطيع أن يمس هذا العدم، والظلام، والريبة، لذلك أحسست اني امام واجب تأريخي، وشهية تأريخية للتصدي لوضع هذا الشارع وهذه المخلوقات على المنصة، وهكذا فعلت في مسرحية (حمام بغدادي) كانت الكتابة تغرف من أخوتي الشخصيين، أحدهم تم إعدامه في زمن النظام السابق، والآخر أخي الكبير، ولذلك ظهر النص بمصداقية خطيرة جداً، ووجع حقيقي على خشبة المسرح.

جزء من حوار طويل سبق ان نشر في المدى..
اجراه الدكتور صميم حسب الله