روايات أولغا توكارتشوك ضد القومية

روايات أولغا توكارتشوك ضد القومية

رون فرانكلين
ترجمة/ رهام درويش
يُقام معرض وارسو للكتاب في شهر مايو/أيار من كل عام، في الملعب الوطني الذي بُني على شكل سلة باللونين الأحمر والأبيض اللذين يشكلان العلم البولندي. في صباح سبت مشرق، تجمعت مئات البالونات البرتقالية في أيد أطفال بعد أن وزعتها شركة متخصصة في الكتب الصوتية، في حين تفحصت حشود القراء أكشاك دور النشر التي قدِمت من كل أنحاء أوروبا. كان لمعهد فريدريك شوبان الوطني بيانو كبير عزفت عليه امرأة شابة موسيقى "بوهيميان رابسودي".

في معرض كتب متنقل، استعرض بائع ذو شعر بني طويل ونظارات عصرية نسخة من "فوريفر بت" لأحد الزبائن، وهي مختارات من مجلة كويرية تحمل الوصف التالي "بحجم الجيب، وردية اللون، ومثلية جداً". امتد طابور طويل خارج ساحة عرض دار النشر العريقة "فيدانيتشتفو ليتيراسكي" ومعارض أخرى، في انتظار الحصول على توقيع أولغا توكارتشوك، التي تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تصدر واجهة المشهد الأدبي في بولندا، وكثيراً ما يُذكر اسمها بصفتها مرشحة لنيل جائزة نوبل للأدب.
كانت توكارتشوك تجهز نفسها في الخارج، إذ أن الحشود تصيبها بالقلق. في الليلة السابقة، واجهت صعوبة في النوم بعد قضاء معظم الليلة خارجاً. تبدو توكارتشوك البالغة سبعة وخمسين عاماً صغيرة الحجم ومثيرة للدهشة، فهي تتمتع بطاقة مركزة تذكّر بطاقة مدربي اليوغا. تفضل الملابس المنسدلة بطريقة فنية إلى جانب الأساور متعددة الطبقات. كان شعرها البني الطويل قد تلوّى في ضفائر عدة تجمّعت أعلى رأسها يتخللها الخرز الأزرق. في حين يحمل فمها عادة ابتسامة ساخرة.
رافقتُها تحت شِباك السلة التي بني الملعب على هيئتها، بينما كانت تدخن سيجارة فوغ رفيعة جداً. افتتح الملعب عام ٢٠١٢، وأصبح مؤخراً نقطة أساسية لمسيرة الاستقلال السنوية التي تنطلق في نوفمبر من كل عام، وهي المسيرة التي حمل خلالها اليمينيون المتطرفون والقوميون لافتات وشعارات مثل "بولندا للبولنديين" و"أوقفوا الأسلمة". يمثل هذا المبنى بديلاً لملعب بُنيَ في زمن الشيوعية، كنتُ شهدتُ على تهالكه في منتصف التسعينات، حين قضيتُ معظم العام في بولندا لتعلم اللغة البولندية قبيل تخرجي من الجامعة. مع تحول بولندا إلى دولة رأسمالية، تحوّل المكان إلى سوق مفتوح للبضائع المستعملة والمقلدة، وكنتُ قد تعرضتُ لتحذيرات من زيارته بسبب شهرته المرتبطة بالقمامة والجرائم.
أنهتْ توكارتشوك سيجارتها، فيما نشرت الريح كرات الزغب الرمادي المنبعث من أزهار أشجار الصفصاف والحور التي تُزهر في أنحاء وارسو خلال فصل الربيع. تخلصت توكارتشوك من رذاذ الأزهار الذي عَلِق بفستانها الأسود الفضفاض، وتوجهت إلى الداخل.
دوّت ضجة في صفوف طوابير الراغبين في الحصول على التوقيع، فيما تمكن أحد المنظمين من إيصال توكارتشوك إلى صالة انتظار. يمكن التعرف عليها بسهولة بفضل ضفائرها التي حصلت عليها بقرار سريع قبل أكثر من عشرة أعوام، عندما أصابها الضجر بعد أن أصيبت بالضجر بسبب إضراب في المطار في بانكوكك، ما أتاح لها فرصة قضاء بعض الوقت في المدينة. كانت قد سمعت أن هذا النوع من الضفائر شاع بين القبائل التي عاشت في بولندا قبل المسيحية. أخبرتني ضاحكة فيما بعد أن "هناك كلمة لاتينية لذلك: بليكا بولونيكا، وهو وصف تحقيري يشير إلى قلة النظافة الشخصية". أصبحت توكارتشوك معروفة بالتنقيب عن أشياء منسية من تاريخ بولندا وإعادة تشكيلها بطريقة عصرية.
اشتهرت توكارتشوك عالمياً بفضل سادس رواياتها "رحلات جوية"، التي تم نشرها في الولايات المتحدة العام الماضي بعد ما يقارب العشر سنوات على ظهورها باللغة البولندية، وقد حصلت على جائزة مان بوكر العالمية لعام ٢٠١٨. تقول توكارتشوك أن كتابها ينتمي لتصنيف أدبي عابر للفئات، إذ يجمع بين الخيال والتاريخ والمذكرات والمقالات، هي تشبهه بالكوكبات النجمية. فالرواية منكبّة على فكرة الترحال، فيما جرى تخصيص كل جزء منها لكلمة أو صورة واحدة، ما يعطي القارئ فرصة اكتشاف الروابط الخاصة بينها.
تقول: "عندما أرسلتُ هذه الرواية لدار النشر للمرة الأولى، اتصلوا بي وسألوني إذا ما كنتُ قد أرسلتُ الملف الإلكتروني الخاطئ، لأنها لم تكن رواية."
يُعدّ أسلوب الكتابة المبني على أجزاء منفصلة مناسباً لرواية من بولندا، إذ لطالما تغيرت حدود البلاد على مر القرون، كما عاشت مجموعات عرقية متعددة فيها جنباً إلى جنب، كالبولنديين والأوكرانيين والليتوانيين والألمان والروثنيين واليهود، بالرغم من عدم انسجامهم من حيث اللغة أو التجارب. تعتقد توكارتشوك أن الأدب في أوروبا الوسطى يميل إلى "طرح التساؤلات المرتبطة بالواقع، كما أنه فاقد للثقة فيما يتعلق بالأمور الدائمة والمستقرة. في رواية "رحلات جوية"، تقول إحدى الشخصيات إن "في الأفكار المجمعة لا في التسلسل تكمن الحقيقة."
في بولندا، لا يمكن لأي حديث تاريخي عن التشتت والتنوع والتمازج تجنب السياسة، وهو ما يعكر صفو الخرافة القديمة التي تتحدث عن أمة كاثوليكية متجانسة عرقياً. يتزايد خلال السنوات الأخيرة الحديث عن هذه الخرافة القومية، خصوصاً منذ عام ٢٠١٥ الذي شهد وصول حزب القانون والعدالة المحافظ اجتماعياً إلى الحكم، بفضل سياسته المعادية للهجرة والداعية لما يسمى بالوحدة الوطنية. رفضت الحكومة منذ ذلك الحين قبول اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وناهضت مساواة حقوق الأزواج المثليين، كما مررت قانوناً يمنع الحديث عن تعاون بولندي مع النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
في مقالة رأي ظهرت مؤخراً في صحيفة التايمز، رثت توكارتشوك المناخ السياسي في البلاد قائلة: "يقوم التلفزيون البولندي الرسمي الذي يحصل من خلاله الكثير من البولنديين على الأخبار بتشويه منظم يستخدم لغة عدوانية وتشهيرية ضد أي معارض سياسي، وضد كل من يفكر بطريقة تختلف عن الحزب الحاكم. تخاطب أعمالها عادة قضايا لها أراء حاسمة بشأنها. فهي نباتية تقول أن الأرق يصيبها بسبب معاناة الحيوانات في المسالخ ومزارع الإنتاج، وقد نشرت في العام ٢٠٠٩ قصة لغز جريمة غير تقليدية ظهر فيها اهتمامها بالبيئة وحقوق الحيوانات، كان هذا في كتابها "سِر بمحراثك على عظام الموتى" الذي يصدر هنا في أغسطس/آب عن دار ريفيرهيد للنشر وبترجمة نتونيا لويد جونز، التي سبق وترجمت اثنتين من روايات توكارتشوك.
على النقيض من حالة السياسة في الولايات المتحدة، فإن البولنديين منقسمون تماماً، إذ يحظى حزب القانون والعدالة بشعبية بين أوساط التقدميين الذين ينتمون عادة لفئات عمرية صغيرة من سكان المدن وقاطني الجزء الغربي من البلاد، الساعين للتسامح والتنوع الثقافي ولإجراء محاسبة صادقة لتاريخ البلاد. هؤلاء هم قُرّاء توكارتشوك. "حتى أصدقائي الذين لا يقرأون كثيراً، والذين لا يتابعون الكتّاب والشعراء الشباب، يقرأون أعمال أولغا توكارتشوك." تخبرني زوفيا كرول محررة مجلة ديوتوغودونيك الأدبية الإلكترونية.
اختفت معالم القلق والتوتر من وجه توكارتشوك فور ظهورها لتحية قرّائها، إذ تحدثت بحماسة والتقطت صور السيلفي على طاولة التوقيع. أحضر لها أحد المعجبين كتاب تصاميم هندسية تخيلية لم يتم بناء شيء منها، آملاً بأن يشكّل هذا مصدر إلهام لها. كما قدم لها أمين مكتبة من مدينة بروشكوف الواقعة على أطراف وارسو نسخة من الترجمة البولندية المنشورة لكتاب يروي مذكرات أحداث عاشها أفراد المجتمع اليهودي في البلدة، قبل أن يقضي عليهم الاحتلال النازي عام ١٩٤١.
استغرق توقيع الكتاب قرابة الساعتين، نهضت بعدها توكارتشوك عن الطاولة وتأوهت متظاهرة بالتعب، فيما بدت عيناها في حالة من التأهب. تقول "أحصل على الطاقة بمجرد معرفة أن الناس ينتظرون كتابي القادم".
تعيش توكارتشوك في وارسو في جنوب غرب بولندا، ولم تتواجد في المدينة من أجل معرض الكتاب فقط، بل من أجل مهرجان أدبي يدعى أبوستروف، ويقام على المسرح العالمي، الذي يعد مركزاً للفنانين والمفكرين على اختلافاتهم. تتولى توكارتشوك هذا العام مسؤولية تنظيم سلسلة من الندوات التي تقام على مدار أسبوع ضمن المهرجان، تتم خلالها استضافة كتاب ومفكرين بولنديين بارزين، وقد حضرت كل ندوة تقريباً، ودوّنت ملاحظاتها في دفتر أسود صغير، كما قدّمت بعض المساعدة للمتحدثين الذين بدا أنهم يجدون صعوبة في التعبير عن أفكارهم. لمهرجان هذا العام، اختارت موضوعاً بعنوان "هذا ليس العالم الممكن الوحيد"، وقد ركّزت إحدى النقاشات على ما قد تبدو عليه بولندا إذا ما تحررت من القيود الدينية. نقاش آخر سلط الضوء على التغير المناخي وعدد من القضايا البيئية الأخرى. بدلاً من تقديم باقات الزهور التقليدية، تم منح كل من أعضاء لجنة النقاش شتلة من شجر الزان.
في إحدى الأمسيات، خاض عدد من التربويين جدالاً يتعلق بمستقبل نظام التعليم المدرسي في بولندا. فقد عبّر المدرس بيوتر لاسكوفسكي، الذي ما زال في بداية الأربعينات من العمر، عن اشمئزازه من استخدام كلمات "إبداع" و"ابتكار" في عالم الأعمال. حتى وقت قريب، كان لاسكوفسكي مديراً لمدرسة ثانوية اتخذت فيها القرارات من خلال تصويت مشترك بين هيئة التدريس والطلاب. قال أن على المدارس الاهتمام بتحرير الطلاب من التفكير بسوق العمل، وأن تحضّرهم بدلاً من ذلك لتغيير شكل العالم. ارتدى هذا المعلم سترة عصرية زرقاء، واستمر في الحركة يميناً ويساراً بالكاد متحكماً بنفسه أثناء الحديث. تفاعلَت توكارتشوك معه من مقعدها المعتاد في وسط السطر الأول. بعد الندوة، وأثناء تجمّع في حديقة المسرح، عرّفتني توكارتشوك على لاسكوفسكي بصفته الرجل الذي أدار "أكثر المدارس فوضوية ضمن النظام." قبل أن يجيب قائلاً: "أخشى أنها ليست بتلك الفوضوية." ارتشفت توكارتشوك مشروب فريتز كولا الخاص بالحمية، وهو مشروب مدعم بجرعة حادة من الكافيين تنتجه شركة ألمانية، قبل أن تسأل لاسكوفسكي: "إلى أي مدى تشعر بحرية فيما تخبر طلابك به؟". قدّم حزب القانون والعدالة منهجاً دراسياً رسمياً إجبارياً، فدروس التاريخ مقتصرة على التاريخ البولندي، وتتبنى وجهة النظر القومية صراحةً، بينما تركز دروس الأدب على الأدب البولندي الكلاسيكي، مثل روايات هنريك سينكيفيتش التاريخية، بدلاً من العظماء غير التقليديين أمثال فيتولد غومبروفيتش وبرونو شولز. هزّ لاسكوفسكي كتفيه قائلاً: "لا يمكن اعتقال مدرس ينشق عن الخط الرسمي، بل يتم الاكتفاء بتهديده ربما بتقاعد مبكر. على الرغم من صعوبة حدوث ذلك في وارسو." مع ضحكة قاتمة أضاف: "إذا كنتَ معلماً في بلدة صغيرة أو في قرية محافظة جداً بكاهن يلقي المواعظ الدينية في المدرسة، قد يتغير الحال بشكل كبير."
كان حديثي مع الأشخاص ذوي الميول اليسارية يتلخص في أنك كنتَ قادراً على القيام بأي شيء دون محاسبة، بعكس اليوم. إذ أن معظم المؤسسات الثقافية تعتمد على التمويل الحكومي ما يعرضه للضغوط السياسية. في شهر ديسمبر الماضي، قاومت كرول محررة مجلة "ديوتوغودونيك" محاولات فرض الرقابة على المجلة ما دفع بالحكومة لإيقاف تمويلها، ما أوقف صدورها لعدة شهور نجحت خلالها كرول في الحصول على دعم حكومة مدينة وارسو التي تميل إلى الليبرالية.
تقول توكارتشوك الابنة الكبرى التي ولدت في قرية شمال سيلزيا السفلى عام ١٩٦٢: "التمييز بين البولندي والأوكراني مصطنع جداً بالنسبة لي." بقيت أقلية ألمانية بسيطة في تلك المنطقة، فقد ادّعى البعض أنهم بولنديون ليتمكنوا من البقاء، بينما تزوج الباقون من بولنديين. كانت مربية توكارتشوك في طفولتها ألمانية، فيما كان والداها مدرسين في مدرسة ثانوية ريفية، كجزء من تحرك تأسس لتعليم طبقات الفلاحين. تتذكر توكارتشوك تلك الأيام التي عاشت خلالها الأسرة في المدرسة بسعادة. كان والدها أمين مكتبة المدرسة، وقد قضت معظم وقتها برفقته هناك، تقرأ ما يحلو لها من الشعر وكتابات لوكيوس أبوليوس وجول فيرن والكتب الموسوعية.
في سنوات مراهقتها، أصبحت توكارتشوك أكثر وعياً بحقيقة انغلاق العالم من حولها. "كان كل شيء خارج بولندا مثيراً للاهتمام. الموسيقى، الفن، السينما، حراكات الهيبيز وميك جاغر. كان الحلم بالهرب ضرباً من المستحيل. كنتُ مقتنعة خلال مراهقتي بأنني سأضطر لقضاء بقية حياتي عالقة حيث أنا." خلال خريف عام ١٩٨٠، التحقت بجامعة وارسو لدراسة علم النفس. كان الحرم الجامعي جزءاً من الثكنات العسكرية الألمانية خلال الحرب، وقد عاشت في سكنات الطلاب القريبة من آثار الحي اليهودي. كانت الشوارع مليئة بالحفر التي نجمت عن أعمال التدمير النازية الممنهجة عام ١٩٤٤. خلال السنة الثانية من الدراسة، وكردّ على التظاهرات التي عمّت البلاد، أعلنت الحكومة الأحكام العرفية. الآن وفي رواق الفندق المريح، ما زالت توكارتشوك تحاول منع نفسها من التأثر بتلك الأحداث. "كان ذلك صعباً جداً لفتاة صغيرة قادمة من الأقاليم. لم يكن هناك ما يمكن شراؤه في المتاجر سوى الخل والخردل، وقد اعترى اليأس الأجواء. كان الناس في غاية التشاؤم، ما كنتُ لأصدق أن الاتحاد السوفيتي سيسقط يوماً."
بعد تخرجها عام ١٩٨٥، تزوجت توكارتشوك من أحد زملائها في دراسة علم النفس، وانتقلا للعيش في بلدة بعيدة عن مدينة روكلو. هناك، تخصصت توكارتشوك في علم النفس السريري وعملت مع مدمني المخدرات والكحول، لكن الإنهاك أصابها خلال سنوات قليلة. تقول: "أنا عصابية على نحو شديد لا يسمح لي بأن أكون معالجة نفسية." تمكنت بعد ذلك من الحصول على جواز سفر قادها خلال شهور قليلة إلى لندن، حيث درست اللغة الإنجليزية وعملت في وظائف مختلفة، مثل تجميع الهوائيات في مصنع وتنظيف غرف فندق راق، فيما قضت بقية الوقت في متاجر الكتب تقرأ عن النسوية التي لم تكن موضوعاً للحديث في بولندا. كتبت إحدى قصصها الأولى "ذا هوتيل كابيتال" من منظور عاملة تنظيف تبتكر قصصاً عن الأِشخاص الذين تنظف غرفهم بناء على أمتعتهم الشخصية. تخبرني توكارتشوك فيما تنظر حولها في بهو الفندق: "في كل مرة أذهب فيها إلى فندق، أتذكر أن عاملات التنظيف هن بشر مثلي، وأن بوسعهنّ الكتابة عني وعن الفوضى التي أتركها في غرفتي".
بعد عودتها إلى بولندا برفقة زوجها، أنجبت توكارتشوك ابنها وبدأت الكتابة بصورة جدية. تُرجع الفضل إلى علم النفس الذي عرّفها بإمكانية وجود الوقائع المتعددة في وقت واحد. في إحدى تجاربها الطبية، عملتْ مع شقيقين لكل منهما رواية عاطفية مختلفة عن علاقات أسرتهما. تستذكر: "كانت تلك أولى خطواتي في الكتابة. فأن تكتب يعني أن تبحث عن آراء معينة ومحددة جداً فيما يخصّ الواقع."
كانت رواية توكارتشوك التي نُشرت عام ١٩٩٣حكاية فلسفية تحصل أحداثها في فرنسا خلال القرن السابع عشر، فيما قصّت روايتها الثانية حكاية وسيطة روحانية في مدينة روكلو خلال عشرينيات القرن العشرين. حققت روايتها الثالثة أول نجاح كبير لها، وهي راوية "البدائية وأوقات أخرى" الصادرة عام ١٩٩٦، وكتبتها بوحي من حكايات قصّتها عليها جدّتها لوالدتها أثناء طفولتها.
بلمسة من الواقعية السحرية، تراقب أربعة ملائكة حارسة أحداث الرواية التي تنقل أحداث حياة عائلتين في قرية بولندية خيالية خلال القرن العشرين، وتتمحور في غالبها حول العلاقات بين البولنديين واليهود، إذ يزور البولنديون الأطباء اليهود ويتسوقون في متاجرهم، بينما يرفضون علاقة الحب التي جمعت بين امرأة بولندية ورجل يهودي. اعتُبرت الرواية عملاً إبداعياً خلاقاً بسبب جمعها بين العناصر الخيالية وأحداث التاريخ الطويل.
في نفس الفترة، وقَعت توكارتشوك في حب وادي كلودزكو ذي المساحات الخلابة في سيلزيا السفلى قرب الحدود التشيكية. اشترت هي وزوجها منزلاً بسيطاً بواجهة خشبية وقاما بإجراء تعديلات عليه، قبل أن تفتن توكارتشوك بتاريخ وثقافة المنطقة. بعد فترة قليلة من الانتقال للعيش هناك، مرّت بكنيسة ولاحظت تمثالاً للقديسة سانت ويلجفورتيس، ومن هناك بدأت الفكرة الأساسية من روايتها التالية "منزل النهار، منزل الليل" التي نُشرت عام ١٩٩٨. فتكتبُ عن صدفة جمعتها بكتيّب في متجر الهدايا التابع للكنيسة، روى فيها الكاتب الذي ذُكر اسمه على أنه "باسخاليس، راهب" أحداث حياة القرون الوسطى التي عاشتها القديسة. بحسب الأسطورة، فقد رغبت ويلجفورتيس في أن تصبح راهبة قبل أن يخطفها والدها من الدير ويجبرها على الزواج. تضرعت إلى يسوع ليساعدها على صدّ العريس المرتقب، وقد استجيبت صلواتها بأن حصلت على سمات ذكورية ولحية مشابهة للحية المسيح، ما دفع والدها لقتلها. تتساءل إحدى الشخصيات: "من هو هذا الشخص الذي كتب عن حياة قديسة؟ وكيف تمكن من معرفة كل هذا؟" ليتضح أن باسخاليس ما هو إلا شخصية خيالية نُسجت على نحو فريد لتتم كتابة سيرة حياة هذه القديسة التي تبدو في هيئة رجل، وتذكر الحكايات أنه حمل منذ طفولته رغبة شديدة ليصبح امرأة. تستمر حدود الإقليم الذي تحدث فيه هذه الحكاية في التغير، تماماً كما تتغير مكانة هاتين الشخصيتين باستمرار، وهو ما يزيد من حصولهما على التعاطف.
باحتوائها على المذكرات والخيال والأساطير، كانت تلك الرواية محاولة توكارتشوك الأولى لكتابة نص ينتمي لأكثر من فئة، وهو الأسلوب الذي استخدمته لاحقاً في كتابة روايتها "رحلات جوية". فقد نبعت روايتها هذه من شعورها بحرية السفر لأول مرة في حياتها، إذ مكنتها سمعتها الدولية المرموقة من الحصول على دعوات لحضور مهرجانات أدبية في كل أنحاء العالم، في وقت كَبُر خلاله ابنها وانتهى زواجها. أصبحتْ مشغولةً بفكرة تأليف كتاب عن الرحلات، لكن الكتابة التقليدية عن السفر كانت بسيطة لحدّ جعلها تفتقر لمعاني القلق والعدائية والنشاط والإلحاح التي تميز السفر.
تقول: "حاولتُ مراراً العثور على أسلوب لهذا الكتاب، ولم أنجح". لكنها عندما بدأت بجمع ملاحظاتها أدركت أنها كافية لتكوين رواية. ولتتمكن من تحديد شكل الكتاب النهائي، قامت بتوزيع مئة وستة أجزاء من الكتاب على أرض الغرفة التي تعمل فيها، ووقفت على طاولة لتستعرضها من الأعلى. يتعلق أحد هذه الأجزاء بفيليب فيريهين، وهو عالم التشريح الفلمنكي الذي عاش في القرن السابع عشر، والذي أطلق اسم "عقب أخيل" على حالة الوتر العقبي التي تصيب أوتار القدم. في شبابه، اضطر فيريهين لبتر إحدى ساقيه، وعاش بعدها عذاباً مستمراً بسبب المساحة الفارغة التي تركتها ساقه، فأياً كان ما تقطع، سواء ضلعاً من جسد أو جزءاً من الشعب، فإن له القدرة على الإيلام. يستنتج فيريهين "أن علينا البحث في ما يسبب لنا الألم."
باتت توكارتشوك مؤخراً تدرس فكرة قضاء وقت أقل في منزلها الريفي في وادي كلودزكو، حيث تعمل على تجديد المكان وتوسيعه. وكانت توكارتشوك قد اكتشفت قبل خمس سنوات مهرجاناً أدبياً صيفياً يُقام في بلدة نوا رودا القريبة، والذي يستضيف كُتّاباً من مختلف أنحاء شرق أوروبا، كما حصلت على دعم من الحكومة المحلية وعدد من الرعاة في القطاع الخاص، من ضمنهم مُصنّع أوراق للحمّام. "خطرت لي فكرة صنع ميدالية من ورق الحماّم لوزير الثقافة"، قالت توكارتشوك ضاحكة.
قرّرتْ أن تخوض تجربة كتابة رواية بوليسية بدافع رغبتها بكتابة "شيء خفيف". "تعرف أن لديك نموذجاً..." قالت توكارتشوك. "لا تحتاج سوى للوقت لتضع الخطة، وبعدها يصبح الأمر سهلاً. لا عجبَ في قدرة كاتبي الألغاز على نشر كتاب جديد كل سنة." حاول زيغادوا هنا من مقعد السائق أن يسكّتها على عجل. فكرت توكارتشوك بكتابة الألغاز لأول مرة أثناء قضائها فصل الشتاء وحيدة في الوادي بعد انفصالها عن زوجها وبرفقة كلبيها. اختفى الكلبان في إحدى المرات. تقول: "بدأت بسؤال الناس عما جرى". " أخبرني أحدهم بوجود حملة صيد كبيرة في المنطقة، وأن الصيادين السكارى يقومون أحياناً بقنص الكلاب." تكمل حديثها "كان هذا قبل عدة أعوام، واستمر تفكيري بالأمر مدة طويلة. كأن يكون الكلبان في الثلاجة، أو أن يظهرا يوماً على مائدتي." يمكن لهذا الكتاب أن يكون أي شيء إلا رواية ألغاز تقليدية، إذ تعيش الشخصية الرئيسية يانينا دوشيكو في قرية غير محددة، وتخوض حرباً بنفسها ضد جيرانها الصيادين. تعاني دوشيكو النباتية والمؤمنة بحقوق الحيوان من الحزن الشديد جراء اختفاء حيواناتها الأليفة على نحو مفاجئ، ما يجعلها تعاني من الآلام الجسدية والعقلية. أثناء القصة، يموت جيرانها الواحد تلو الآخر بطرق غير متوقعة، يختنق أحدهم بعظمة أثناء تناوله الغزال الذي اصطاده، فيما يقع آخر في بئر مهجورة. فتحاول دوشيكو إقناع الشرطة بأن موت جيرانها هو نتيجة انتقام الحيوانات بنفسها من صياديها. تُروى القصة بكاملها بصوت دوشيكو المحمّل بمعاني الغرابة والهوس، فهي تعيش في عزلة تامة وتصبّ اهتمامها على التنجيم والأبراج في محاولة لفهم العالم. "النظام موجود، وهو في متناول اليد"، فهي روح عارية تفتقر لأي دفاعات عقلية. تتساءل في بداية الكتاب بينما تفكر في آلامها: "ربما من الممكن أن يعتاد المرء على ذلك؟ أن يتعايش معه تماماً كما تعايش الناس في أوشفيتز وهيروشيما، دون التفكير فيما حدث في الماضي." ومع النهاية، تدرك استحالة ذلك وتقول: "صُنعت كل ذرة في هذا الكون من المعاناة."