سبعينية تحتضن صورة ابنها  الشهيد  في التحرير: لماذا يحمل علماً ويعود ملفوفاً به

سبعينية تحتضن صورة ابنها الشهيد في التحرير: لماذا يحمل علماً ويعود ملفوفاً به

احمد حداد
تحمل المرأة المسنّة (أمّ مالك) التي تبلغ من العمر ما يناهز الـ(70) عاما صورة ابنها العشريني الذي سقط في اشتباكات الأول من تشرين الأول من العام الجاري لتجوب بها وبشكل مستمر ساحة التحرير، المرأة التي تأتي من منطقة النهروان، جنوب شرقي بغداد تقول "أنها تحرص على الحضور المستمر الى ساحة التحرير وسط بغداد لتلتقي بأصدقاء مالك الذين يجوبون الساحة للمطالبة بحقوقهم وتحقيق التغيير كي لا يضيع دم ابنها سدى"،

 مبينة وهي تحتضن صورة ابنها أن "مالك ضحى بنفسه من أجل بلده وعلى أبناء بلده من شباب البلد الذين خرجوا الى التظاهرات أن لا يضيعوا فرصة التغيير الذي دفع ابني وأبناء أمهات كثيرات دمائهم من اجلها ".
وتتساءل المرأة السبعينية أن "هؤلاء الشباب الذين خرجوا ومنهم ابني مالك وضعوا الأعلام العراقية فوق رؤوسهم وبين أيديهم، فلماذا يعودوا الى منازلهم  جنائز ملفوفين بهذه الإعلام ؟".
في ساحة التحرير وعلى جسر الجمهورية قصص يختلط فيها صوت الغناء والتحفيز على مواصلة الثورة ولو بشكل جماعات صغيرة مع أصوات النعي على من فقدوا في مآتم يعقدها بعض أصحاب المواكب الذين يعملون على تشغيل ما يعرف لدى العراقيين بـ"اللطميات"، في دليل على الحزن على فقدان عدد كبير من الشباب الذين سقطوا أثناء هذه الاحتجاجات .
وخلال محاولة عدد من رجال الدين المعممين مغادرة الساحة، استوقفنا السيد مهند الموسوي وسألناه عن سبب زيارته لساحة التحرير في خضم تصارع الأفكار وسيطرة ما يعرف بالإسلام السياسي على الحكم، وإمكانية عدم تقبل البعض للنصيحة الدينية أو خلط الأمور، فبيّن أن " زيارته ومعه عدد من رجال الدين ( سادة وشيوخ) الى ساحة التحرير أصبحت أمراً مستمراً وذلك لتصحيح الفكرة السائدة عند البعض بأن السراق يحكمون باسم الدين، والدين منهم براء"، مبينا أننا " جئنا من أجل تصحيح فكرة الدين وتعديل بعض الأفكار التي سرقها مدّعو الإسلام وهم يمثلون الإسلام السياسي وانتفعوا باسم الدين بمكاسب ومغانم كبيرة على حساب الشعب العراقي".
ويضيف الموسوي "وجدنا وعياً من قبل الشباب لفصل السياسة عن الدين وعدم شمول جميع من لبس العمامة واللباس الديني بأنه سارق، خصوصاً بعدما إثارته الطبقة السياسية الحاكمة من إشاعة لهذا المفهوم فوجدنا الدين أصبح غطاءً للبعض من أجل تمرير صفقات الفساد"، مبينا أن "الإمام الحسين (عليه السلام) خرج لطلب الإصلاح وهؤلاء الشباب يريدون الإصلاح، ونحن كرجال دين نريد الإصلاح أيضاً على خطى الإمام الحسين (عليه السلام) وإفهام ممن اختلطت عليه الأمور أن هناك فرقاً بين رجل الدين الحقيقي وبين من اتخذه سلعة لتحقق مآربه الخاصة".
خلال التجوال في ساحة التحرير تستوقفك العديد من المشاهد التي تحرص على متابعتها ، فمواكب الطعام تملأ الساحة وحلاقة الرجال وحملات التنظيف وغيرها من المشاهد التي تنم عن حجم تعاون كبير بين فئات الشعب أشادت به حتى مرجعية النجف الدينية في خطبتها الأخيرة .
ومن بين هذه المشاهد هو توزيع إمراة مع بناتها الثلاث على مقربة من جسر الجمهورية مواد غذائية وأدوية وعصائر على المتظاهرين ومفارز الطبابة المنتشرة في المنطقة، وهي تتساءل عن الأماكن الأكثر احتياجاً لها فيما تبرع سائق "تك تك" بايصالها للمناطق البعيدة نوعاً ما عن مكان التوزيع، مع وجود مجموعة من الشباب الذين تطوعوا لنقل هذه المواد الى (التك تك) وكذلك إيصالها أيضاً الى بناية المطعم التركي (جبل أحُد) القريبة منهم .
وتقول السيدة ( ام مريم) التي جاءت من منطقة شارع فلسطين، شرقي بغداد، أن "ما أقدمه اليوم هو شيء قليل جداً مقارنة بمطالبة وإصرار هؤلاء الشباب على التغيير وصنع ما عجزت عنه الأجيال السابقة، فاعمارهم لا تتجاوز العشرينيات ولكنهم لا يخافون أي مصاعب "، وتبين أنها "تعمل وبمجهودها الذاتي لجمع ما يتسنى لها من أدوية ومستلزمات طبية وعصائر ومعجنات ومواد غذائية لتوزيعها على الشباب المحتجين وبعض المفارز الطبية من دون مساعدة أحد".
وعن جلبها بناتها معها الى ساحة التحرير تقول إن "الساحة تعج ببناتنا اللواتي عملن المستحيل، فهنا تجد من تنظف، وهناك المسعفة والطبيبة، والأمهات اللواتي حضرن الى هنا لتحفيز الشباب على المضي قدماً في مطالبهم، فلا توجد غرابة ولا خوف كوني أقف قريباً من جسر الجمهورية مع احتمال أن تندلع مواجهات في أية لحظة، فقد سئمنا الخوف".
من بين قصص التحرير وجود إذاعة صغيرة داخل الساحة أخذت تسمية "صوت التحرير"، يقوم عليها عدد من الشباب ممن تركوا العمل في مؤسساتهم الإعلامية وتطوعوا للعمل فيها بشكل مجاني، هذه الإذاعة التي يقول عنها المخرج الاذاعي "سيف" بأنها "وِلدت من رحم المعاناة وبجهود ذاتية تطوعية بسيطة تعنى بإيصال صوت المتظاهرين في ساحة التحرير ، وستقوم في الأيام القليلة المقبلة ببث متواصل داخل الساحة مع نصب عدد من مكبرات الصوت لإيصال صوت التظاهرات وإشعار المتظاهرين أن هناك من يقف معهم".
ويضيف المخرج الإذاعي أن "القائمين على هذه الإذاعة الصغيرة ارتأوا تسميتها بهذه التسمية لأننا نطمح أن تكون فعلاً صوتاً للتحرير".