مشاهدة اللعبة في ساحة التحرير

مشاهدة اللعبة في ساحة التحرير

 زهير الجزائري
الجمهور في (ساحة التحرير)متحفز. فهو معتصم في ساحة معركة وسيشاهد على أربع شاشات كبيرة معركة أخرى. على (المعركة) التي سيشاهدها من خلال عالم إفتراضي سيبني تصورات النصر أو الهزيمة في معركته داخل الساحة. كثير من الرموز والمعاني تختفي وراء هذه اللعبة. صديق كتب في الفيس بوك: لا تحملوا اللعبة أكثر من معانيها! كيف؟ اللعبة ليست لعبة، فهي حمولة معاني من خارجها وهي مشحونة برموز ووقائع عالقة بها ومشاهديها الجاسين في الساحة. والأمر متعلق بطبيعة كرة القدم عموماً وبطبيعة الفريقين وعلاقتهما وأيضاً بتوقيت اللعبة.

كرة القدم ولدت في أجواء الحرب وهي تجسيد سلمي لحرب كلاسيكية ( هجوم دفاع مناورة ).. كل مفردات الحرب تستعاد مع كرة القدم، فبعد نصف قرن من نهاية الحرب العالمية الثانية استعادت صحافة التابلويد البريطانية نفس المفردات النازية لوصف مبارات حاسمة بين الفريقين البريطاني والألماني. وصف هتلر Blitzkreeg أي الحرب الخاطقة كان المانشيت الرئيس لجريدة (صن) . من طبيعة كرة القدم أنها ترفع التفاخر بالوطنية الى أعلى الدرجات. الأعلام ترسم على الوجوه وترفرف على المشجعين في الساحة أو في المقاهي وعلى واجهات البيوت. الأناشيد التي تمجد الذات تصدح عالياً. المتظاهرون المشاهدون في ساحة التحرير لم يكتفوا بالأعلام، إنما شدوا رؤوسهم بعصائب خضراء بلون ملابس فريق( أسود الرافدين). الشعور المتباهي بالذات الجماعية يتضخم في مواجهة الآخر الذي يصير خصماً. ويتضخم أكثر حين تعاد للحاضر العداوات التاريخية.
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق وبينهما حدود طولها ١٤٠٠ كم . والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها فالحرب وجه من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير تحمل ألفاً من المعاني والرموز. هذا الجمهور الهائل الذي تربع في الساحة ليراقب حربا(ودية) بين دولتين خاضتاحرباً حقيقية لمدة ٨ سنوات وكلفت نصف مليون قتيل وجريح. هل من المعقول أن هذا الماضي مضى كلياً، وهل تلاشت شحنات التعبئة والكراهية من الجانبين؟
حقا أن الحشد المتربع في الساحة باعمارهم الشابة بين ١٥-٢٥ لم يعش حربا مضى عليها٣٠ عاماً، لكن آلآباء عاشوها قاتلين أو مقتولين. التاريخ يقول بأن الأجيال لن تنسى ما حصل للآباء والأجداد. إيران كانت حاضرة في الساحة بصفتها خصم تاريخي. ولكنها حاضرة أيضاً بصفتها خصماً حاضراً. السلطة لاتجرؤ على التشخيص فسمتها (طرف ثالث)، تسمية تحيل إلى الغموض، لكن الجمهور المتظاهر يعرف أن الطرف الثالث هو المليشيات الموالية لإيران ويعرف أن القنابل التي تستهدف أجساد المتظاهرين إيرانية الصنع.لا يداهن هذا الجمهور ولا يخفي. لذلك كان هتاف (أيران بره بره!) تردّد كثيراً خلال اللعبة وتردد إسم (سليماني) مع كل هدف عراقي في المرمى الإيراني. العقلاء أرادوا التفريق بين الشعب والسلطة وبين الفريق والحكومة. و بعد يوم واحد من المباراة ومع بداية الإحتجاج في إيران ظهر بوستر يصور متظاهرين اثنين يقفان معا أحدهما يلبس العلم العراقي والآخر يلبس العلم الإيراني.