هكذا قتل جعفر العسكري..رواية سائق وزير الدفاع المغدور

هكذا قتل جعفر العسكري..رواية سائق وزير الدفاع المغدور

طاهر الزبيدي
امرني بكر صدقي أن اغادر مخفر خان المغيسل حالا مستصحبا معي النقيب الحاج شاكر القرة غولي، فامتثلت لامره وخرجت من المخفر فورا مع الحاج شاكر وعندما وصلنا الى السيارة التي جئنا بها (سيارة امين العمري) وهممنا بركوبها منعنا الضباط الذين كانوا يلتفون حولها قائلين ان هذه السيارة لم تكن سيارتكم، فذهبت الى قائدهم بكر صدقي وقلت له:

 الم تقل لنا وتامرنا ان نذهب الى بغداد؟ فاجاب نعم طلبت منكم ذلك، فقلت له هاهم الضباط يمنعوننا من استعمال سيارتنا قال هذه لم تكن سيارتكم بل انها سيارة اشخاص اهليين القينا القبض عليهم وانهم رهن التحقيق، فقلت له اذن كيف نذهب الى بغداد؟ قال انا ارسلكم والتفت الى نائب الاحكام العقيد (انطون لوقا) وقال له انك ستذهب الى بغداد الان، فاجابه نعم سيدي، فامره ان يركبنا انا والحاج شاكر القرة غولي بسيارته الخصوصية ويوصلنا الى بغداد، فجلست في المقعد الخلفي للسيارة المذكورة
وفي اثناء الطريق كان العقيد (انطون لوقا) يتحدث عن جرأة بكر صدقي وانه يبطش وبكل شدة بمن يقف في طريق ثورته الانقلابية وانه يقتل كل شخص كان مهماً كانت صفته ومنزلته: فقلت له: يا معود هذا يسموه العراق، فأجابني والله يا طاهر كما قلت لك انه يقتل كل شخص راى في قتله نجاحاً لثورته وقد قتل فعلاً وزير الدفاع جعفر العسكري، قال كلمته هذه ونحن كنا قد اجتزنا سدة ناظم باشا، ودخلنا منطقة الوزيرية، فوصلنا دار نوري السعيد في الوزيرية، فنزل الحاج شاكر القرة غولي، وذهب ليخبر نوري السعيد أو من يجده في داره عن مصرع جعفر العسكري، واستمريت انا مع العقيد (انطون لوقا) حتى وصولنا ساحة الميدان فانزلني من سيارته وذهب الى داره ، فاستجرت سيارة اجرة من الميدان وذهبت بها الى قصر الزهور واخبرت الملك بكل ما حدث وسلمته الامر اليومي الذي أملاه  علينا بكر صدقي واستولت وزارة حكمت سليمان على  سدة الحكم وأصبح اللواء الذي ترفع الى رتبة فريق عبد اللطيف نوري في تلك الوزارة وزيرا للدفاع وصار اللواء الركن (الفريق الركن) بكر صدقي شوقي العسكري رئيساً لاركان الجيش وتعيين الملازم ثاني جمال جميل مرافقاً لرئيس اركان الجيش
بتاريخ 20/10/1937 اعيد نقلي الى آمرية مدرسة النقلية الآلية وبعد التحاقي بمنصبي الجديد : وجدت النائب عريف خليل اسماعيل (هو نفسه سائق السيارة الشوفروليت رقم (248) العسكرية التي اخذت وزير الدفاع جعفر العسكرية الى محل التلول التي قتلوه فيها).
وكان قد ترفع الى رتبة عريف يقوم بواجبات معلم للسياقة في المدرسة المذكورة مع البعض الآخر من رفقائه ضباط الصف المعلمين في المدرسة المذكورة. فساقني حب الاطلاع بأن احضر النائب العريف خليل اسماعيل واختلي به في غرفتي واسأله عن كيفية قتل وزير الدفاع (آنذاك) جعفر العسكري ومن هم القتلة ، وكيف تم التنفيذ..؟ فأجابني : سيدي : بعد ان انطلقت بالسيارة رقم (248) باستقامة التلول المعلومة : مستصحبا كل من الوزير جعفر العسكري والملازم الاول اسماعيل احمد العباوي ورئيس العرفاء فحل جزاع وصلنا الى داخل منطقة التلول، فأمرني الملازم الاول اسماعيل احمد العباوي بان اقف فوقفت ثم نزل الملازم الاول اسماعيل وفتح الباب الامامي للوزير وقال له : تفضل  سيدي انزل هنا نقطة ملاقاتكم مع القائد بكر صدقي ، فنزل ونزل معه ايضا رئيس العرفاء فحل هزاع . ثم التفت الى الملازم اسماعيل وامرني بالذهاب الى بكر باشا (مسرعاً) وان اقول له جعفر باشا حاضر الذي كان يقف مع ضباطه على التلول القريبة من خان البير فذهبت الى بكر باشا واخبرته بما أمرت به – وسرعان ما امر القائد جماعة تنفيذ القتل . (كان القائد بكر صدقي شوقي قد هيأ الجماعة التالية اسمائهم لقتل الوزير القادم من بغداد جعفر مصطفى العسكري وهم : المقدم جميل فتاح والرئيس الاول لازار برودو ريموس والملازم اول طيار جواد حسين والملازم الثاني جمال جميل).
بأن يركبوا سيارتي فركبوها وامروني بان انطلق وبكل سرعة نحو التلول ومحل وقوف الوزير جعفر مصطفى العسكري . فقدت بهم راجعا وبكل سرعة حتى اذا ما وصلت الى مسافة تبعد (100) مائة متر من محل وقوف الوزير جعفر العسكري : شهر الضباط القتلة الاربع مسدساتهم العسكرية (الوبيلي) وعندما بقي بيننا وبين جعفر العسكري الذي كان يقف في وسط كل من الملازم الاول اسماعيل احمد العباوي الذي كان يقف الى يمين الوزير بمسافة 30: 40 متراً ورئيس العرفاء فحل جزاع الى يسار الوزير بعين المسافة 30: 40 متراً وكان الوزير واضعا يديه في جيبي سرواله وهو منحن الى الامام موجها نظراته الى السيارة ليتأكد من فيها فأمرني الضباط الاربعة المار ذكرهم بان اقف حالا وبتلك المسافة (20 مترا) من القتيل وفتحوا ابواب السيارة ونزلوا منها ووجهوا فوهات مسدساتهم الى جسم الوزير ورموه كلهم ومجتمعا (بدون استثناء) فخر صريعا على وجهه وهو يقول (لا ولدي لا)..؟. وعند ذلك تقدم اسماعيل توحلة (عباوي) ورماه برأسه بطلقتين من مسدسه ليقض عليه نهائيا وركب الضباط الاربعة السيارة ثانية وامروني بالعودة الى محل وقوف القائد بكر صدقي ، فعدت بهم : وبعد وصولنا اليه نزلوا من السيارة واخبرونه انهم قد اتموا قتل جعفر العسكري وانهم أي (الاربع الضباط القتلة) يقترحون على القائد بأن يعودوا ويبلغوا كل من الرئيس الاول (الرائد) طاهر محمد الزبيدي مرافق الملك والرئيس (النقيب) الحاج شاكر عبد اللطيف القرة غولي : من ان القائد بكر صدقي يطلب حضورهما لديه فيسوق سيارة امين العمري الحاج شاكر ويجلس الى جانبه طاهر الزبيدي ، ويجلس اثنان منا ورائهما ونتوجه بهما نحو التلول ، وهناك نرمي كل واحد منهما بطلقة واحدة من مسدساتنا ونرديهما قتيلين فنضع بعد ذلك جثمان الوزير جعفر العسكري معهما وفي سيارتهما ثم غرق السيارة ومن فيها . وندعي اخيرا انهم قد اضلوا الطريق واحترقت بهم السيارة . وهكذا تخفي الجريمة . وبغير ذلك لايمكن ابدا اخفاء جريمة قتل الوزير جعفر العسكري فرد عليهم القائد بقوله (لا) فاذهبوا اليهم واطلبوا حضورهم لدي لامرهم بالعودة الى بغداد ، حيث اننا لانريد مقاتلة الضباط الصغار بل نحارب الوزراء والسياسيين وهكذا كاد يكون مصير حياتي وحياة النقيب (الرئيس) الحاج شاكر عبد اللطيف القرة غولي متوقفا على كلمة يتفوه بها بكر صدقي شوقي من بين شفتيه (نعم : لا) فلما قال لا . انقذ حياتنا (قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا).
عن: كتاب (من حافة التاريخ.. مذكرات اللواء المتقاعد طاهر الزبيدي)