الشيخ البصير وموقفه الوطني من الاحتجاجات

الشيخ البصير وموقفه الوطني من الاحتجاجات

اعداد : عراقيون
يروي  السيد ممتاز عارف نجل المرحوم عارف حكمت أحد مؤسسي الجمعية السرية الثورية  (حرس الاستقلال) في بغداد جانباً من ذكرياته عن المرحوم د. محمد مهدي  البصير وخطبه في جامع الحيدرخانة قائلاً: ـ اذكر الشيخ محمد مهدي البصير وأنا في الصف الرابع الابتدائي في المدرسة الأهلية"مدرسة التفيض بعدئذ"فكان بعض الطلبة وأنا منهم نحضر حفلات المولد النبوي التي كانت تقام في جامع الحيدرخانة وغيره من المساجد أيام كان الوطنيون يعقدون هذه الاجتماعات،

وهي المناسبات التي هيأت المناخ لقيام ثورة العشرين المسلحة ضد الانكليز. كنا نحضر هذه اللقاءات بصحبة أوليائنا وأقربائنا متلهفين للاستماع الى خطب وقصائد هذا الشيخ الشاعر القادم من الحلة. فكان عندما يعتلي المنبر يصل التصفيق له الى عنان السماء. وكانت الأكف تلتهب من شدته وتكراره والحناجر تبح من صيحات طلب إعادة انشاد قصائده المثيرة البليغة، فكان حقاً واحداً من أبرز المساهمين بثورة العشرين.

ـ ولن انسى مشهد غضبه مرة في أحد الاجتماعات الأولى في جامع الحيدرخانة، إذ تقدم منه بعضهم لوضع خلعة على كتفه، فصرخ فيهم قائلاً:
"ارفعوا عني هذه الخلع فلست ممن يدافع عن الوطن لقاء المادة". وكانت العادة في السابق أن يخلع على خطباء الجوامع بعض الهدايا كقطعة من القماش أو عباءة او غيرها.
وبعد أن تمكن الانكليز من السيطرة على مواقع براكين الثورة المسلحة وإخمادها، تفرق معظم قادتها ورجالها تجنباً لبطش الانكليز وغدرهم. فمنهم من يمم وجهه نحو الحجاز عن طريق البادية ومنهم من سار مع الفرات شمالاً الى سورية كما هو معروف. في حين رجع فريق آخر منهم الى بغداد والمدن العراقية الأخرى. فقبضت سلطة الاحتلال عليهم جماعات جماعات وانتهوا في السجون وضمت إحدى هذه الجماعات محمد مهدي البصير وعارف حكمت (هو والدي) والشاعر داود المحامي وعوني النقشلي واثنين آخرين غاب عني اسماؤهما وقد اودعوا جميعاً في زنزانة واحدة رهن التحقيق في خان دلة. وهذا كان أحد خانات بغداد المعروفة وهو قائم في سوق البزازين الى يومنا هذا. لقد اتخذ الانكليز من خان دلة إبان الاحتلال مركزاً للشرطة مثل مركز شرطة السراي فيما بعد. وكنت اشاهد البصير وجماعته من الموقوفين كل مساء عندما كنت أخذ طعام العشاء لوالدي بصحبة خالي أو أحد أقربائي من الكبار.

من ايامه في باريس
مضى محمد مهدي البصير، في فرنسا سبع سنوات مفارقاً وطنه، منكباً على دراسة الأدب الفرنسي في جامعة ((مونبليه)) أدت إلى إحرازه على دبلوم الدراسات الفرنسية العليا في شباط سنة 1933م.
وشاءت الأقدار أن يلتقي البصير، بالآنسة الفرنسية ((إيفون أُوجين أديمون)) التي جاءت الى جامعة مونبليه، لغرض إكمال دراستها العليا، وقد جمع بينهُ وبينها حبهما للأدب، فتزوجها بتأريخ الأول من كانون الثاني سنة 1934 م. فكان لهذه السيدة أثر واضح في نجاحه في دراسته، حيث كانت تساعده كثيراً من خلال اختيار الكتب وقراءتها لهُ، وقد أشاد البصير فيها قائلاً :ـ((لولاها لما استطعت أن أعمل شيئاً، أو أن أوفق في دراستي في فرنسا، فكانت تساعدني كثيراً)).
وقد كان للبصير سكرتيرٌ خاصٌ يعمل عندهُ، وهو أحد طلاب كلية الطب في جامعة مونبليه، يعمل على مساعدته في دراسته، وكان هذا قبل زواجه من السيدة إيفون، وهو مصري الجنسية مقابل مبلغ معين يدفعه له البصير كل شهر، ولكن لم يتسنى لنا معرفة اسم هذا السكرتير0
أخذ البصير يوجه طموحه، الى نيل شهادة الدكتوراه في السوربون، فقام بإخبار سكرتارية عمادة كلية الآداب في جامعة باريس، بكتاب شرح فيه نيته حول إعداد الأطروحة المذكورة آنفاً، فوافقت الجامعة على مقترحه، فبرم البصيرالعزم على ذلك، وسافر الى العاصمة باريس، وبدأ محاولات عدة اتصل بالمستشرق الفرنسي ((ماسنيون)). حيث أفصح له البصير عن نيته، بانهُ قادم لوضع إطروحة يرد فيها على طه حسين، يبين فيها إثبات الشعر الجاهلي وبأحسن صورة، في الوقت الذي ينكر طه حسين هذا النوع من الشعر بقوله”إن الشعر الجاهلي منحول كله أو معظمه". فرد عليه ماسنيون بقوله :”أننا لا نسمح بهذا، لا تقول إن الأدب العربي كان موجوداً قبل الإسلام"0  وهكذا رفض ماسنيون موضوعه هذا بشدة، بعد أن وضع العراقيل في طريقه،  وذلك لأن هذا الموضوع يخالف رأي المستشرقين في الشعر الجاهلي0
طوى محمد مهدي البصير، الفكرة بسبب المعارضة القوية للموضوع، وأخذ يبحث عن موضوع فرنسي، فوجدهُ فيما لا يخطر على بال، بما في ذلك بال القارىء الفرنسي، أو الباحث الفرنسي نفسه. عاد البصير، مرة أُخرى الى جامعة مونبليه، وإتصل بأستاذه المشرف على إعداد الإطروحه المسيو ((جوردا)) وعرض عليه البصير، موضوعاً فرنسياً صرفاً وهو((شعر كورني الغنائي)).
لقد كان كورني، الشاعر الفرنسي الكبير، الذي إختار البصير شعرهُ الغنائي ماده لإطروحته وغايتها الفلسفيه من الأدب، ومكانته من الحركه الفكريه الفرنسيه، موضع أسئله لاتحصى. أما أن يتقدم طالب ليدرس غنائية كورني فتلك إلتفاته يتحمل مسؤليتها.شرع البصير، بكتابة إطروحته، وكان يقضي معظم وقته في المكتبات، منكباً على الدراسه والبحث، حتى انتهى من كتابتها، وتم مناقشتهُ يوم 17 كانون الأول سنه 1937م. وإنتهت المناقشه بمنحه شهاده((الدكتوراه)) في الأدب الفرنسي. وبدرجه مُشرف جداً. وهي أعلى درجه تمنحها الجامعه لأي دارس دكتوراه.
وبعد نجاح البصير في إطروحته، طبعت جامعه مونبليه، الإطروحه على شكل كتاب سنه 1937م باللغة الفرنسية، فظل كذلك ويبدوا إنهُ سيبقى هكذا، فلم يكن في رأي البصير، أن يترجم الى العربية، لأن القاعدة التي قام عليها، هي أشعار كورني، وهي لا تعرف تمام المعرفه إلا بلغتها الفرنسيه، ووزعت الإطروحه هذه على جامعات العالم كافه0
وأكد البصير ذلك قائلاً :ـ
((لقد استغرقت مني جهداً كبيراً، الحصول على الدكتوراة، بدرجة مشرف جداً، وقيام جامعه مونبليه بتوزيع تسعين نسخه من الاطروحة، على جميع جامعات العالم المهتمه بدراسة الأدب الفرنسي)).
ولابد من الإشاره هنا، الى أن محمد مهدي البصير، قد تخلى عن((لحيته)) في فرنسا، بعد أن نزع عنه العمامه في مصر، قائلاً :ـ ((لقد غادرت بغداد الى مصر بزي أوربي، ففي مصر نزعت عني العمامة، وفي باريس حلقت”لحيتي”وهي آخر ما تبقى من علائم رجل الدين العراقي)). أما عن الحياه في فرنسا فقال : ((لقد توافقت مع الحياة الفرنسيه بكل سرور)).

البصير في طفولته
نشأ محمد مهدي البصير في أحضان اسرته المعروفة في الحلة بأسرة ((الشهيب))، وهي أسرة أدب وشعر. هذة الأسرة التي إتخذت من الخطابة على المنبر الحسيني مهنةً لها. وإذا كان هذا حال الأسرة، فليس غريباً أن ينشا البصير نشاةً دينية وأدبية. فتعهده أبوه وعني بتربيته. وأخذ البصير يدرس على يديه أولا، فكان يرعاه ويجتهد في تربيته، ليقتفي في ذلك أثر أُسرته في الخطابة.  ولما بلغ البصير السنة الخامسة من عمره، عزم أبوه على إرساله الى
الكتاب، وذلك ليتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن والحديث، ودراسة العلوم الشرعية والعربية، فلاقت رغبة أبوه هوى في نفس ولده الذي أظهر إندفاعاً قوياً في التعلم.
وتحدث البصير عن حياته الأولى قائلا :ـ
((وما كدت أبلغ الخامسة من عمري، حتى أبديت رغبة شديدة في الذهاب الى الكتاب، لا لأتعلم القراءة فحسب، ولكن لأتفوق على عم لي يكبرني قليلاً، وهو يتعلم القراءة في كتاب تديره أمرأه من آل مبارك، يقرب سنها من الستين، تمُت الينا بصلة قرابة بعيدة، وكان لهذه المرأه منزلة محترمة بين أفراد عائلتها، ولها ستة أولاد. وكان هؤلاء يقيمون مجلس التعزية صباح كل يوم سبت، وقارئهم هو أبي شيخ محمد)).
ويواصل البصير حديثه قائلا :ـ
((وكان اكثر مايريده مني أبي، هوأن أحفظ القرآن الكريم)). فبرزت فيه ملامح التفوق مبكرة، فنبغ فيها، وذلك لشدة ذكائه وقوة ذاكرته.
وما أن أُرسل محمد مهدي البصير، وهو في سنة الخامسة من عمره الى الكتاب، حتى أُصيب بنكبة كبرى، وكارثة عظمى، فقد جرم القدرعليه أن لا يرى سناء الشمس، وجمال الطبيعة، وروائع الكون، وبدائع هذه الحياة، فإنتهت به الى الأصابة بمرض الجدري، فلم يكد يرى النور حتى أنطفأت عيناه، ففقد باصرتيه، حتى أصبح كفيفاً، لكنها منحته قلباً هو سراجٌ منير، ووهبته ذكاءً وقاداً، فأصبح يرى بقلبه  ما لايراه بعينه، ويدرك الأشياء بذكاء لا تدركه عيون الناظرين.وروى البصير ذلك الحادث قائلاً :ـ
((وكنت أستيقظ مبكراً جداً كعادتي، وكنت قد لقّحت منذ بعض الوقت ضد
الجدري، وخرجت الى الشارع فأبصرت كلباً اسوداً ضخماً للغاية، فخفت خوفاً شديداً، ورجعت الى فراشى، فنمت نوماً عميقاً لم أستيقض منه إلا وقد انتشر الجدري في جسمي، وشفيت من الجدري في الوقت المناسب، ولكني قد فقدت بصري)).
وعلى هذا الأساس لقب محمد مهدي بـ((البصير)) من باب تسمية الشيء بضده،  وقد انفرد بهذا اللقب من بين أفراد أسرته. ومنذ ذلك الوقت حُرِمَ محمد مهدي البصير من أعظم نعمة يهبها الله عز وجل للانسان، لكنه جل شأنه،عوّضه بنورالبصيرة، التي هي أجل شأناً، وأسمى قدراً ومنزلةً، فقد عوّضهُ بقريحة متفتحة،وذكاءاً وقاداً،وحافظةً نادرةً، يفتقدها الكثير المبصرين، جعلتهُ ذا شأنٍ في الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية. وكأن هذا المصاب قد استفز قدرات الطفل، فاذا به يبدي ذاكرة عجيبة، وحافظة فذّة، أصبحتا فيما بعد مضرباً للأمثال عند جميع معارفه وطلابه وابناء مدينته.