النجف تعدّل البوصلة

النجف تعدّل البوصلة

 محمد غازي الاخرس
واضح أن المرجعية تقرأ الأوضاع بصبر وواقعية وتغير الأولويات في رسائلها وفقاً لتطور الأحداث. اليوم كان المهيمن المضموني على الخطبة هو حصر السلاح بيد الدولة والحفاظ على السلم الأهلي. الخطبة انطلقت من ذكرى إعلان النصر على داعش ثم مرّت بـ "ضرورة أن يكون بناء الجيش وسائر القوات المسلحة العراقية وفق أسس مهنية رصينة،

 بحيث يكون ولاؤها للوطن وتنهض بالدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي، وتحمي نظامه السياسي المنبعث عن إرادة الشعب وفق الأطر الدستورية والقانونية". ومن هذه الأرضية بث مكتب السيستاني رسالته الدقيقة حول وجود معركة مصيرية أخرى هي "معركة الإصلاح" لإنهاء حقبة طويلة من الفساد والفشل في إدارة البلد. نعم، تبدو النجف الأكثر واقعية في القراءة من جميع الأطراف، فهي تؤكد أن حصر السلاح بيد الدولة هو الضامن الوحيد لممارسة الديمقراطية بشكل صحيح. من العبث تخيل إمكان ممارسة الديمقراطية في دولة ضعيفة تحكمها دولة عميقة، وتهددها قوى تنتمي لمرحلة ما قبل الدولة وتنازعها سلطاتها الرمزية والفعلية. قبل أسابيع سأل صديقنا صالح الحمداني: ما هو الأهم في الأولويات الآن؛ إقرار قانون انتخابات جديد والدعوة لانتخابات مبكرة أم إنهاء الميليشيات ؟ أنا أجبت أن الأهم هو إنهاء المليشيات لأن ذلك سينهي نوعاً من السلطة تكونت رغم إرادتنا، وسيحررنا من الخوف ويقوي القانون والنظام فتنتعش مؤسسات الرقابة ويغدو القضاء مستقلاً فعلاً، وحينها سيسهل علينا فرض إرادتنا في نوع قانون الانتخابات ثم نذهب للانتخابات المبكرة مطمئنين لمبدأ تساوي الفرص.
الآن، لماذا غيرت النجف في بوصلة رسالتها لهذا الأسبوع؟ غيرتها لأنّ سير الأحداث ماض نحو وجهة خطيرة يهدد السلم الأهلي، والعلة هي هي؛ انفلات السلاح وضعف الدولة وهيمنة دولة عميقة فوق القانون والنظام. لكأنما المرجعية تريد أن تقول: لا إصلاح دون إنهاء الميليشيات ولا تغيير مع ضعف هذه الدولة. قووا الدولة واحصروا السلاح وسوف يسهل كل شيء عليكم .. هذه هي الواقعية.