العراق في سنوات الحرب العالمية الثانية.. مشكلة (التموين) ودور وزارة الداخلية فيها

العراق في سنوات الحرب العالمية الثانية.. مشكلة (التموين) ودور وزارة الداخلية فيها

د. قحطان حميد العنبكي
في سنوات الحرب العالمية الثانية تحملت وزارة الداخلية أعباء أخرى أفرزتها الحرب في المجتمع العراقي ولاسيّما الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب على الأوضاع الداخلية في العراق،وكان للوزارة مساهمة فاعلة في إجراءات الحكومة الاقتصادية التي هدفت إلى السيطرة على الوضع الاقتصادي فصدر في العاشر من ايلول1939(مرسوم تنظيم الحياة الاقتصادية)،

اسـتعداداً للطوارئ ومنع الاستغلال غير المشروع،فوضع المرسوم الأسس الأولى لسلطة التموين وتشكيلاتها.إذ انه خوّل الحكومة- ومنها مؤسســات وزارة الداخلية-سلطات واسعة للإشراف على التجارة واتخاذ التدابير لخزن وتوزيع السلع الضرورية مثل السكر والشاي والقهوة والصابون والمواد الإنشائية والورق وغيرها وإحصاء ومراقبة الكميات المخزونة منها ،وتحديد الأسعار والأجور.وخول المرسوم مجلس الوزراء تأليف لجنة مركزية برئاسة أحد الوزراء لتنفيذ ذلك،وفرض العقوبات على المخالفين.
وطبقاً لهذا المرسوم تشكلت لجنة التموين المركزية من سبعة أعضاء برئاسة وزير المالية رستم حيدر،وضمت فيها أمين العاصمة ارشد العمري،وتمَّ تشكيل لجان فرعية في الألوية (المحافظات) الأخرى.
لم تكن لهذه اللجنة خبرات سابقة،ولم تتجاوز إجراءاتها السيطرة على التصدير فمنعت تصدير السلع الضرورية المستوردة مثل السكر والشاي والقهوة والصابون والشخاط والأسمنت والأحذية والمصابيح الكهربائية والأدوية والمستحضرات الطبية والحبوب ولاسيّما الحنطة والطحين إلا في الحالات القصوى , وسمحت بتصدير الجلود والأصباغ والورق والغزول والمعادن والشعير والرز ومشتقات النفط وغيرها بإجازة.
وكان المرسوم قد خوّل اللجنة صلاحية تسجيل كميات وأوصاف المواد التي بحوزة التجار, وإجراء التفتيش وفرض العقوبات اللازمة لأجل حصر المواد الاقتصادية ومنع احتكارها, وإشراف الدولة على توزيعها وبيعها.
وعلى أية حال، ما كانت هذه الإجراءات كافيةً لإعادة الاستقرار إلى الاقتصاد أو ثبات الأسعار عند مستوى معين،لكنها لم تصل إلى مرحلة تهدد بأخطار جدية إلا بعد فشل حركة السنة 1941،وتوالي وصول القوات البريطانية بأعداد كبيرة،مما ترتب على ذلك زيادة الطلب على المواد الغذائية فضلاً عن المواد الإنشائية مثل السمنت والحديد والطابوق، ووضعت بريطانيا سيطرتها على المرافق العامة بما في ذلك مؤسسات الأمن والشرطة والرقابة ولاسيّما بعد أن قررت سدّ احتياجات قواتها في العراق وتجهيزاتها محلياً.
وعلى الرغم من الإجراءات العديدة التي اتخذتها الحكومة العراقية لتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعاشية،فقد ازدادت معاناة السكان بسبب تصاعد الأسعار الذي بلغ ذروته في سنة 1943 التي شهدت اشتداد المعارك وامتداد ساحتها،وتناقص المخزون من السلع المستوردة مع شحة المواد المنتجة محلياً ،بسبب الأضرار التي أحدثها فيضان سنة 1942، فانتشر الجوع على نطاق واسع وازدادت نسبة الوفيات .وسعت حكومـة نوري السعيد السابعة لإيجاد مخرج للازمة والعمل على  تخفيف آثار مشكلة التموين فقررت متابعة تنفيذ القوانين والتشريعات الصادرة بالاستعانة بالشرطة وشكلت شرطة لأعمال التموين،لكن إجراءات الحكومة لم تنجح بسبب استشراء السوق السوداء والفساد الإداري ولاسيّما بين الأجهزة المسؤولة عن التموين،بل إن الأجهزة الأمنية تصدت إلى التظاهرات التي كانت تطالب بالطعام والعلاج وكانت الشرطة تفرق المتظاهرين بالقسوة تارةً وبرش الماء عليهم من خراطيم المياه  تارةً أخرى.
وبلغ تدخل الحكومة في شؤون التجارة أقصى الحدود فمنعت بيع الحبوب من دون إجازة وأوجبت على المنتجين تسجيل اسم وعنوان المشتري والكمية المباعة وتاريخ البيع وتمَّ حصر إجازات البيع بالمفرد للحبوب بمديريات التموين ورؤساء أمانة العاصمة في بغداد والبلديات في الألوية الأخرى.واستحدثت الحكومة العراقية مديرية عامة للاستيراد تضم كلاً من كرايس (Krice) مساعد مستشار وزارة الداخليـة والنقيـب جي.بي موفاث(J.B.Mofath) والرائد بيج(Beeg) والنقيب تي.أي بيرد(T.E.Beard) والنقيب ت.جي ويلش(T.J.Welsh)والملازم ماسترز(Masters) وداود خضوري وصالح مهدي حيدر واميل بزوعي والسيدة كوبر(Koper) ونعيم بشو،لكن إجراءات الحكومة لم تطبق تطبيقاً دقيقاً اذ أفسدتها الرشوة والمحسوبية، فكان الموظفون البريطانيون يمنحون التجار اليهود إجازات الاستيراد ويحجبونها عن بقية التجار .
وهكذا كان لمشكلة التموين آثار على عدم الاستقرار السياسي وحصول تذمر شعبي أدى إلى وقوع مصادمات بين الأهالي والشرطة وتسببت في استقالة وزارة نوري السعيد في الثالث من تشرين الأول1942 إذ جاء في كتاب الاستقالة((نشوء بعض الخلافات في وجهات النظر حول بعض الأمور المهمة كقضايا التموين)).
ونتيجة لاستمرار موجة الاحتجاجات والتظاهرات والمصادمات بين الأهالي والشرطة استحدثت الحكومة في ايار1944 وزارة التموين،للسيطرة على الشؤون الاقتصادية وتنظيم التموين وذلك بمحاربة التهريب-بالتنسيق مع مؤسسات وزارة الداخلية ذات الصلة- وتخصيص مكافآت للذين يساعدون على اكتشاف مثل هذه الحالات وتخصيص 50% مما يتم تحصيله من الغرامات وبيع الأموال المصادرة.
ونظراً لتقلص مهام وزارة التموين بسبب رفع قيود السيطرة والمراقبة على معظم مواد التموين قررت الحكومة إلغاء اكثر من(80) وظيفة،وطلبت من المتصرفيات تقليص عدد موظفي التموين والمستخدمين لديها إلى الثلث،وإيقاف التعيينات الجديدة، وعلـى اثر ذلك،قررت وزارة الداخلية إلغاء شرطة التموين بسبب تقلص أعمال التموين ورفع السيطرة عن معظم مواد التموين،التي كان لشرطة التموين دور مهم وكبير في متابعة شؤون التموين والمتلاعبين بالمواد الأساسية والإشراف على خزن تلك المواد وغير ذلك من الواجبات التي هي من اختصاصها.وتمَّ إلغاؤها في 10ايلول1947 وتوزيع أفرادها على الشرطة المحلية في بغداد وباقي الألوية. أُلغيت هذه الوزارة سنة 1948،بناءً على مطالبة أعضاء مجلس النواب والانتقادات التي وجهتها الصحافة المحلية للحكومة بضرورة إلغاء وزارة التموين لانتفاء الحاجة اليها ونظراً لرفع قيود التموين عن معظم المواد الغذائية والاستهلاكية الضرورية وبسبب فشل الوزارة في أداء مهامها التموينية،فقرر مجلس الوزراء الموافقة على لائحة إلغاء الوزارة بجلسته المنعقدة بتاريخ8/6/1948 وتم مصادقة مجلس الأمة عليها وألغيت بصورة فعلية بتاريخ8/6/1948 .
عن: رسالة (وزارة الداخلية العراقية1939 – 1958)