انتفاضة النساء في ساحات العراق: سننتصر! ..اليوم الكذلة تسولف.. خَلَّي عكالك للدكّات

انتفاضة النساء في ساحات العراق: سننتصر! ..اليوم الكذلة تسولف.. خَلَّي عكالك للدكّات

 متابعة: الاحتجاج
لم تكن المرأة غائبة عن المشهد في الأحداث الكبيرة التي وقعت، ومنها تظاهرات تشرين الأول 2019. نزلت إلى الشوارع والساحات، وهتفت، وحملت العلم، وطالبت بالحقوق، كتفاً إلى كتفٍ مع الرجل، ونالت نصيبها من القمع، والقتل أيضاً، ففي مدينة البصرة، أقصى جنوبي العراق، لا تزال لافتات العزاء بمقتل سارة طالب معلقةً على الجدران.

سارة التي قُتلت مع زوجها حسين المدني، في الأول من تشرين الأول 2019، مطلع احتجاجات العراق، كانت عائدة إلى شقتها من التظاهرات هناك، حيث كانت تهتف ضد الفساد، وتقدم الإسعافات الأولية للمتظاهرين الذين يسقطون بالرصاص الحي، وقنابل الغاز مسيل الدموع. وفي الشقة المستأجرة في منطقة الجنينة وسط البصرة تلقت سارة ثلاث رصاصات في الرأس من قبل مسلحين يتبعون لميليشيات موالية لإيران، وكما في كل حادثة من هذا النوع، سجلت السلطات الجريمة ضد مجهول.
نزول المرأة العراقية اللافت إلى التظاهرات، استدعى إعادة الحديث عن الظلم الذي تتعرض له في المجتمع، فهي ضحية العادات والأعراف القبلية والدينية الصارمة طيلة قرون طويلة، وهنا  فاجأتني أعداد النساء المشاركات في التظاهرات، الفتيات هناك يقدمن الطعام والإسعافات الأولية وكل شيء يمكن تقديمه لدعم المتظاهرين، رأيت فتيات عاديات يقفن على الأرصفة ويحملن الإسعافات الأولية لتقديمها للمصابين بقنابل الغاز مسيل الدموع، إنهن حاضرات بشكل دائم في ساحة التحرير”.
وبحسب هيئة الأمم المتحدة لشؤون المرأة في العراق فإنَّ 14 في المئة فقط من النساء العراقيات يعملن خارج البيت، وهذه النسبة هي الأقل على مستوى العالم، والأخطر، أنها تعني أنَّ 86 في المئة من النساء العراقيات لا يتمتعن بالاستقلالية لأنَّهنَّ لا يملكنَ دخلاً خاصاً بهنَّ.
وفقاً لدراسة أجرتها “الذراع الخيرية لشركة تومسون رويترز للأخبار والمعلومات” عام 2013 لتقييم وضع المرأة في 22 بلداً عربياً من حيث العنف والحقوق الإنجابية والمعاملة داخل الأسرة والاندماج في المجتمع والمواقف تجاه دورها في السياسة والاقتصاد، جاء العراق ثانياً -بعد مصر- باعتباره أسوأ بلد عربي يمكن أن تعيش المرأة فيه.
وتبين أن قرابة 72.4 في المئة من النساء العراقيات في المناطق الريفية، و64.1 في المئة من النساء في المناطق المدنية يستأذنَّ أزواجهنَّ للذهاب إلى العيادة الصحية.
على رغم هذا العنف، والإقصاء، نزلت المرأة العراقية إلى الشوارع طبيبةً ومسعفةً وشاعرةً ومؤازرةً للرجال حتى تحقيق المطالب.
تحدثنا مع الشاعرة والمترجمة مريم العطار، التي نزلت متظاهرةً في محافظة ميسان بجنوبي العراق، وعلى رغم خطورة الوضع هناك، إلا أنَّها لا تزال تتظاهر وتدعو النساء والرجال على حد سواء إلى ذلك.
تقول العطار: “المكان الذي أعيش فيه هو مجتمع محافظ، وتحكمه العشائر، وتقليدي، والقانون ضعيف هنا، فالسلطة للقبيلة ومن ثم بعد ذلك يأتي القضاء، لكن ما حدث في الأول من هذا الشهر كان تغييراً جذرياً، ما رأيناه على الأرض حين انتفض الشباب لم نستوعبه في بادئ الأمر، إذ إنَّ ما حدث كان سابقاً هو عبارة عن كتابات يكتبها الشعراء والمثقفون، لكنها حدثت بالفعل”.
 “قررت المشاركة في التظاهرات من دون استشارة أحد، على رغم أنَّ وضع المرأة هنا لا يسمح بذلك، ووقفت بين المتظاهرين الذين كان يُروَّج أنهم تابعون للتيار الصدري، لكنني لم أهتم لذلك، ورفعت لافتةً كتبتُ عليها: أريد حقي. وعندما انتشرت صورتي وأنا أرفع اللافتة وردتني رسائل كثيرة من فتيات يردن المشاركة في التظاهرات، لكنَّهن متخوفات، وكانت أسئلتهنَّ: هل يمكن أن نشارك من دون إظهار وجوهنا؟ وهل يمكن ذلك من دون أن نُحسب على تيار سياسي معين؟ وهل نستطيع التعبير عن آرائنا بلا تدخل أحد؟ وكنت بكل وضوح أقول لكلِّ واحدةٍ منهن: نعم يمكن ذلك، يمكن أن تطالبي بحقك، وتطالبي بالخدمات من دون خوف”.
وتضيف العطار: “كنا نجمع الأموال للتبرع بها للمتظاهرين، وكنا ننسق ذلك خلف الكواليس، وهناك فتيات سافرن من مدينة العمارة بالسر إلى بغداد للمشاركة في التظاهرات هناك، لكن من دون إظهار ذلك من خلال التصوير أو إظهار الوجه خلال التقاط الصور”.
الحركة الأكثر وضوحاً في حضور المرأة في تظاهرات مدن جنوبي العراق وبخاصة في محافظة ميسان بحسب العطار كانت في 27 تشرين الأول، والتي أطلق عليها “ثورة القمصان البيض” حين خرج طلبة المدارس والجامعات بأعداد كبيرة لمؤازرة المتظاهرين وكانت أعداد الفتيات كبيرة أيضاً، وهنالك قرأت الطالبات من كليتي القانون والطب النشيد الوطني في ساحة اعتصام محافظة ميسان.
تتحدث العطار عن نقطة لافتة خلال نزول النساء إلى التظاهرات وهي نظرة الرجل بإكبار إلى المرأة، فلم يحدث أن تعرضت النساء هناك لأي نوع من أنواع التحرش، فكما تقول مريم: “الجميع لديهم قضية أكبر، والروح المعنوية كانت عالية جداً، وهذا كان مبعث فرح كبير لدى فتيات ميسان ومدن الجنوب”.
وتتمنى أن تظل هذه الروح المعنوية عالية لتحقيق المطالب والقضاء على الفساد، وألا تذهب دماء الأبرياء التي أريقت في التظاهرات سُدىً حيث ومنذ الخامس والعشرين من تشرين الأول 2019 وحتى وقت كتابة هذا المقال سقط أكثر من 80 قتيلاً ونحو أربعة آلاف مصاب.
من الشعارات اللافتة التي رفعتها النساء في التظاهرات الأخيرة هي: “اليوم الكذلة تسولف… خَلَّي عكالك للدكّات” وهذا شعار رداً على قمع السلطة والمجتمع والقبيلة، ويعني أنَّ الكلمة اليوم هي للنساء (الكذلة تعني الغُرَّة التي تظهر من شَعْر النساء) وليس للعقال (الذي يوضع على رأس الرجل). وتزامن رفع هذا الشعار مع ذهاب عشرات شيوخ العشائر من مدن العراق الجنوبية للقاء رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في بغداد في محاولة لامتصاص غضب الشارع العراقي وإنهاء التظاهرات ضد النظام القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية.
في بغداد وفي ساحة التحرير تحديداً، يُلاحظ دور المرأة منذ اندلاع الاحتجاجات، وبعدما نصب المتظاهرون خيم الاعتصام عززت المرأة موقعها من خلال تقديم الإسعافات الأولية وتحضير الطعام ميدانياً وفي المنازل وتوزيعه على الحشود الغفيرة هناك، وأكثر من ذلك شاركت المرأة في الاعتصام المفتوح في ساحة التحرير والمستمر منذ 25 تشرين الأول 2019.
سالي مارس عازفة غيتار وفتاة بغدادية تحدثت لـ”الاحتجاج” عن مشاهداتها في ساحة التحرير وشوارع بغداد المكتظة بالنساء العراقيات المتظاهرات: “فاجأتني أعداد النساء المشاركات في التظاهرات، الفتيات هناك يقدمن الطعام والإسعافات الأولية وكل شيء يمكن تقديمه لدعم المتظاهرين، رأيت فتيات عاديات يقفن على الأرصفة ويحملن الإسعافات الأولية لتقديمها للمصابين بقنابل الغاز مسيل الدموع، إنهن حاضرات بشكل دائم في ساحة التحرير”.
تقول مارس إن المفاجئ أكثر في تظاهرات بغداد وبخاصة في ساحة التحرير هو التنظيم، فالأمور هناك ليست عبثية أو فوضوية، بل على العكس من ذلك تماماً، “الحشود البشرية منظمة وعندما، تدخل سيارة الإسعاف أو التوك توك لإنقاذ المصابين يفتح لها المتظاهرون الطريق بطريقة لافتة وسريعة، ومن دون أن يُعرقل ذلك التظاهرات أو يؤثر في تنظيم التجمعات البشرية في ساحة التحرير وحولها”.
تذكر مارس قصة مؤثرة عن طفل عراقي كان في التظاهرات: “كان الطفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، وجاء إلى أحد الشباب المتظاهرين الذين يرتدون الأقنعة المضادة للغازات مسيلة الدموع، وطلب منه بإلحاح شديد أن يعطيه القناع، وعندما سأله ذلك الشاب عن السبب قال له إنَّه يريد الذهاب إلى جسر الجمهورية المغلق بالكتل الكونكريتية من أجل إسقاطها حتى يستطيع المتظاهرون المرور والتوجه إلى المنطقة الخضراء”، سائلة، من أين لذلك الطفل كل هذا الوعي والشجاعة ليفعل ذلك.