السيستاني: القيمة النفسية الكبرى..!

السيستاني: القيمة النفسية الكبرى..!

  د. فارس كمال نظمي
ملايين من عامة العراقيين من أديان ومذاهب وتوجهات فكرية متنوعة لم يقرأوا سطراً واحداً من أي نص فقهي صادر عن السيد السيستاني، ومع ذلك يجتمعون على تقديسه أو تمجيده أو في أقل الأحوال النظر اليه بتوقير واعتبار. لماذا..؟!

دون الخوض في تحليلات سياسية أو دينية أو أيديولوجية بهذا الشأن، ودون التطرق لكيفية استثمار الأحزاب الشيعية السياسية لرمزية السيستاني حد التسويق الرخيص، أقول إن هذا الرجل(غير العراقي في أصوله الولادية) بات يمثل ضرورة نفسية عراقية لمجتمع قلق ومنفعل ومتأزم يبحث عن منقذ أو حكيم أو ربما "أب" يجد فيه قدرة عقلية مستقرة في كل الظروف على إطلاق خطاب عقلاني منحوت بأدق الكلمات، منبثق من جذر الأحداث ودون أن يبدو أنه يسعى لقطف ثمارها.
لن اناقش الآن سيكولوجيا عقدة "الأب" ببعدها الانثربولوجي والأساطيري في حياة الأفراد والمجتمعات المقهورة، ولن أناقش البعد الديني السياسي لوظيفة المرجع الأعلى للشيعة في العالم، لكنني أود التذكير أن مرض هذا الرجل الجليل اليوم (وربما غيابه المؤسف في مرحلة قادمة) يشكل لحظة عميقة للحزن وللقنوط لهؤلاء الملايين الذي لم ينتقلوا بعد من فكرة الفرد-الأب إلى فكرة الدولة-الأب..
السيد السيستاني امتلك سحر التأثير الشامل في الجموع، بعاملين:
- أولاً: رغبة الناس الموضوعية بسيستاني ما، لكي "يمنحهم" الأمان في عالم مضطرب وغير قابل للتوقع والتحكم، ..
وثانياً: قدرته الذاتية (أي السيستاني) على شق طريق وسطية كلما علت ضوضاء التطرّف والشعبوية والتدليس السياسي المهين للناس والوطن..
هي ليست لحظة لتمجيده أبداً، ولكنها لحظة لتمني الشفاء له، ولإنصاف وظيفته النفسية في توجيه الحشود المتصارعة نحو مسارات أقل عنفاً وتطرفاً، وأكثر قرباً من الصالح العام.
أنا واحد من نقاد مواقف السيد السيستاني في السنوات التأسيسية الأولى بعد التغيير في ٢٠٠٣، إلا أن ذلك لا يمنع أبداً من القول إن هذا الفقيه أسهم بقوة (بالمحصلة) في منح التديّن (أو التشيع) صفة القيمة الأخلاقية المدنية دون الحاجة إلى التبشير بدولة دينية تتغول على الأوطان أو تمحو حقوق الافراد في الإيمان من عدمه.
وهو في كل ذلك، أسهم في أنسنة الدين، وجعل من الفقيه فاعلاً اجتماعياً وسياسياً بشرياً دون أن يضطر أن يكون نائباً لله على الأرض..