عندما أصبح أرشد العمري أميناً للعاصمة للمرة الثانية

عندما أصبح أرشد العمري أميناً للعاصمة للمرة الثانية

وهيب حسن العبودي
شغل أرشد العمري منصب أمين العاصمة خلال فترة 12/تشرين الثاني/1936 – 4/حزيران/1944، ولابد من الإشارة إلى أن أرشد العمري كان قد تسلم منصب أمين للعاصمة قبل هذه المدة في 25/تشرين الثاني/1931 – 23/تشرين الأول/1933، وتم تعيينه بناء على اقتراح من وزير الداخلية، بعد أن أطلع مجلس الوزراء على كتاب وزارة الداخلية.

 وأقر تعيينه على وفق أحكام الفقرة (أ) من المادة(3) من قانون تعديل إدارة البلديات رقم 84 لسنة 1931.
وأبرز حدث تزامن مع رئاسة أرشد العمري لأمانة العاصمة هو اندلاع انتفاضة العراق عام 1941 وبعد اندلاع الحرب العراقية البريطانية في مايس عام 1941، انسحب أعضاء حكومة الدفاع الوطني إلى إيران، ومنهم رشيد عالي الكيلاني. والعقداء الأربعة. فأدى ذلك إلى احتلال القوات البريطانية مدينة بغداد وسقوط حكومة الدفاع الوطني، ثم تشكلت لجنة الأمن الداخلي وتم اختيار أرشد العمري أمين العاصمة رئيساً لها، وتشكلت (لجنة الأمن الداخلي) بموجب كتاب مجلس الوزراء المرقم 2205 والمؤرخ في 28/5/1941، وقررت ما يأتي:
1. تأمين سلامة الأهليين وممتلكاتهم، وتنظيم حياتهم خلال الطوارئ وفي حالة الانسحاب من بغداد.
2. القوة المتيسرة –أ- قوة شرطة بغداد. ب. الانضباط العسكري.
3. الخطة – أ – عند حدوث أسباب قاهرة بانسحاب الجيش من العاصمة، يصدر متصرف لواء بغداد أمراً بمنع  التجوال داخل العاصمة مدة الانسحاب، ويتوجب على السكان الإقامة في بيوتهم، واتخذت اللجنة الكثير من القرارات منها استمرار الحراسات على السفارة البريطانية، تقسيم العاصمة إلى أقسام لغرض الإشراف على الأمن في العاصمة، وتأسيس نقاط ثابتة في الميادين الرئيسية. وبعد لجوء رشيد عالي الكيلاني إلى إيران، وعين يونس السبعاوي نفسه حاكماً على العراق لكنه لم يصمد وانسحب أيضاً مع القادة والعقداء الأربعة والقادة الذين قاموا بالحركة، حيث بقي أرشد العمري أمين العاصمة وحده في بغداد للحفاظ على الأمن، بعد أن أصبحت بغداد في يد البريطانيين وانقطعت المواصلات في كل مكان وأصبحت ثلاث أرباع بغداد معزولة، أدى هذا الوضع إلى تشتت الجيش العراقي من جبهات القتال لعدم وجود قيادة له.
وفي هذه الأثناء تولت (لجنة الأمن الداخلي) التي يترأسها أمين العاصمة أرشد العمري مسؤولية مفاوضة السفارة البريطانية وأخذت موقع الوسيط لعقد هدنة مع الجيش البريطاني وأسفرت المفاوضات عن عقد الهدنة. بعد أن حضر أرشد العمري إلى السفارة البريطانية، فقام السفير البريطاني كورنواليس (K.Karnawils)  بتوجيه رسالة باللاسلكي إلى قائد القوات البريطانية في الحبانية لإيقاف القتال. وقد تولى صياغة شروط الهدنة الجنرال كلارك
(S.Calrk) ومارشال الجو داليبك(W. Dalibiek) والسر كورنواليس السفير البريطاني، وصادقت عليها هيئة الأركان العامة في لندن، ونصت الهدنة على:
1. تتوقف الحركات العسكرية ما بين الجيشين على الفور.
2. يسمح للجيش العراقي الاحتفاظ بأسلحته.
3. يطلق جميع أسرى الحرب.
4. تعطى جميع التسهيلات إلى السلطات البريطانية.
ولابد من الإشارة إلى ما ذكره العميد الركن طه الهاشمي في يومياته بتاريخ 31 مايس 1941م، إذ قال: "طلبني أمين العاصمة فذهبت إليه وكان نور الدين محمود، وأمين العمري، وحميد نصرت، وحميد رأفت، ومصطفى راغب، والرئيس رفيق عارف، وحسام الدين جمعة، وخالد الزهاوي وغيرهم حاضرين، وأطلعني على شروط الهدنة فكانت فيها بعض المواد التي تلفت النظر ودار البحث حول المواد الصعبة، كتسليم الألمان، والطليان، وانسحاب البريطانيين لمعسكراتهم، وكان رفيق عارف أكثر تحمساً لصيانة شرف الجيش والاستمرار بالمقاومة، وكان أمين العمري أكثرهم تحمساً لقبول الشروط، أما أمين العاصمة فقال أنه يتحمل المسؤولية وحده بقبول شروط الهدنة، وقد وقعها كل من اللواء إسماعيل نامق والعميد الركن حميد نصرت والعقيد نور الدين محمود نيابة عن الجيش".
ومن المفيد بمكان أن نذكر هنا أن أرشد العمري حصل على وسام القلادة الذهبية من لندن تقديراً لما قام به من سيطرة على بغداد بعد أحداث انتفاضة عام 1941 وجرى الاحتفال بهذه القلادة في بهو الأمانة وخلال الاحتفال تقلد السيد أرشد العمري القلادة.
ومما يؤخذ على أرشد العمري عدم اهتمامه بالآثار العراقية، فقام بهدم باب بغداد القديمة وجعله متنزهاً (حديقة الأمة) في منطقة الباب الشرقي، وهدم بعض الدور التراثية في الكاظمية وشارع الرشيد،  وهدم جزء من ساحة جدار جامع مرجان فوجهت الانتقادات إليه وخرجت المظاهرات تهتف ضده.
وخلال مدة توليه أمانة العاصمة للمدة الثانية أظهر نشاطاً إدارياً ملحوظاً في توسيع وتطوير مدينة بغداد، ومن جملة أعماله هذه تنظيم منطقة الجادرية، وفتح شارع في وسطها عرضه 60 متراً وفي 25 كانون الأول 1936 جرى انجاز وفتح شارع غازي ، كما قام بدفن الخندق المحيط ببغداد حيث حوله إلى متنزهات ومناطق عامة سياحية، واستطاع شق شارع حديث وهو شارع الملكة عالية ( شارع الجمهورية عام 1952).
ومن جانب آخر قام بتشييد المباني منها قاعة الملك فيصل الأول، كما أشرف على تشييد القصر الأبيض كدار للضيافة، كذلك تشييد وبناء قاعة أمانة العاصمة ودار الأوبرا، ومن أهم أعماله هو إنشاء بارك السعدون الذي نفذ بين عامي 1939-1941، وكان يتابع الأعمال بنفسه ويتجول بسيارته ليلاً ونهاراً ليراقب الأعمال. ومن الجدير بالذكر أن أرشد العمري كان من مؤسسي جمعية الهلال الأحمر العراقية.
 وبعد أرشد العمري تولى منصب أمانة العاصمة حسام الدين جمعة. وجاء تعيين حسام الدين جمعة بناء على اقتراح وزارة الداخلية، إذ وافق مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة بتاريخ 11/تشرين الثاني/1944 على تعيينه أميناً للعاصمة وذلك وفقاً للمادة (23) من قانون الخدمة المدنية رقم (64) لسنة 1939 والمادة (8/أ) من قانون إدارة البلديات رقم (84) لسنة 1931.
• أرشد العمري:- هو أرشد بن حسن زيور بن محمود منيب من الأسرة العمرية المعروفة في الموصل ولد فيها، تخرج مهندساً من مدرسة المهندسين العالية في استانبول عام 1912 وعين في تركيا بوظائف هندسية، وفي عام 1919 عاد إلى الموصل انتخب نائباً في أول برلمان عراقي، ثم عين مديراً عاماً للبريد والبرق، ثم عين أميناً للعاصمة عام 1931، ووزيراً للاقتصاد والمواصلات ووزيراً للخارجية، شكل وزارته الأولى عام 1946، وبعد استقالته أصبح وزيراً للدفاع عام 1948، ثم عين نائب لرئيس مجلس الأعمار عام 1953، ثم شكل وزارته الثانية عام 1954.
عن: رسالة (امانة العاصمة، دراسة تاريخية)