قانون اسقاط الجنسية عن اليهود في مجلس الاعيان

قانون اسقاط الجنسية عن اليهود في مجلس الاعيان

صالح حسن عبد الله
يتألف مجلس الأعيان بموجب الدستور العراقي من عدد لا يتجاوز العشرين عضوا ، يعينهم الملك ، وهو بذلك يكون قد ضمن مقدما احد مجلسي الامة بتعينه اعضاء هذا المجلس وهم ((ممن نالوا ثقة الشعب ، وممن له ماضٍ مجيد في خدمة الدولة والوطن)) ، ومدة العضوية فيه ثمان سنوات على ان يتبدل نصفهم كل اربع سنين، ويعد مجلس الاعيان جزءا متمماً للسلطة التشريعية الى جانب مجلس النواب.

بعد ان اقر مجلس النواب لائحة قانون اسقاط الجنسية في الثاني من اذار عام 1950 ، عرضت في الرابع من آذار من العام ذاته على مجلس الاعيان الذي كان يرأسه جميل المدفعي ، للموافقة عليها واصدارها بصيغة قانون . ولاهمية الموضوع حضر هذه الجلسة رئيس الوزراء توفيق السويدي ووزير الداخلية صالح جبر ووزير المواصلات والاشغال عبد المهدي ووزير الشؤون الاجتماعية توفيق وهبي ووزير الدولة حازم شمدين اغا.
تلى صالح جبر وزير الداخلية اقتراحه على مجلس الأعيان للنظر في لائحة مرسوم اسقاط الجنسية بطريقة الاستعجال في هذه الجلسة ، ذلك لأن الحكومة كما اشار ((تشعر بضرورة وضع هذه اللائحة موضع التنفيذ بالسرعة الممكنة بالنظر للظروف والاحوال الراهنة)).
انبرى العين مزاحم امين الباجة جي ، للتصدي لعرض وزير الداخلية بالنظر الى اللائحة بطريقة الاستعجال ، واكد ان المجلس منذ تأسيسه لم يتناول ويتداول في لائحة لها خطورة اللائحة المقترحة ، التي توفرت  فيها اسباب وعوامل كثيرة على الصعيد القومي او الدولي ، لذا يصعب على الانسان (على حد قوله) مهما اوتي من حذق وعلم وفراسة ان يحدد النتائج الخطيرة التي تولدها هذه اللائحة في العراق وفي الاقطار العربية. عد الباجة جي موضوع اللائحة اكبر من رغبة قسم من المواطنين اليهود العراقيين في مغادرة العراق ويجب الاستجابة اليهم ، بل (يرى) ان هذه اللائحة تحمل في طياتها ما له تأثير على الامن الوطني والعربي ، لذلك عد الباجة جي معالجتها بالارتجال والاستعجال خطأ سياسيا كبيرا.
رأى مزاحم الباجة جي أن وزارة توفيق السويدي قد ناقضت نفسها بعرضها لائحة تتنافى وتأمين الاستقرار وسيطرة القانون ودعائم الأمن والنظام الذي أكدته في المادة الثالثة من منهاجها للشؤون الداخلية، وأكد أن اللائحة ما هي إلا استسلام ورضوخ الى قسم استهزأ بالقوانين والأنظمة المرعية.
وفي الوقت ذاته استغرب الباجة جي لأجراء الحكومة بتسهيل هروب اليهود الذين استهتروا بالقوانين ، وألفوا عصابات لمحاربة الأنظمة المرعية في العراق بدلا من معاقبتهم ، وطالبها بالاستقالة طالما أثبتت عجزها في مواجهة هؤلاء حيث قال : ((أنا لا استطيع أن أملك نفسي في اظهار أسفي الشديد لظهور الوزارة العراقية بهذا المظهر الضعيف ، وبهذا الاستسلام ، وبهذا الخضوع امام اناس لا يستحقون غير العقاب ، فأذا كانت الحكومة كما يظهر غير قادرة على مكافحة اناس استهتروا بالقوانين والانظمة وغير مستطيعة ان تطبق عليهم احكام القوانين فليس عليها إلا شيئاً واحد وهوان تترك الحكم ولا تعرض العراق الى أخطار كثيرة وملابسات دولية يصعب عليه الخروج منها)) .
أجاب وزير الداخلية على ملاحظات الباجة جي زاعما ان اللائحة جاءت كحل مناسب لهجرة اليهود غير الشرعية من العراق ، وجاءت منسجمة مع مصلحة البلاد ، ومتوافقة مع الواقع والحقائق الراهنة حسب ادعائه ، وانكر افتراض الباجة جي ان المهاجرين سيذهبون الى الكيان الصهيوني بدعوى ان اللائحة لا تتضمن ما يجبر هؤلاء او يسهل عليهم التوجه اليه ، كما رفض صالح جبر ، ربط هذه اللائحة بالقضية الفلسطينية بقوله: ((ولا ادري ما اذا كانت قضية فلسطين تحل بمثل هذا البحث في مثل هذه اللوائح او بشكل اخر ، الاجدر ان لا نبحث قضية فلسطين بمناسبة وبدون مناسبة))  .
لم تكن تبريرات صالح جبر مقنعة ، لذلك أصر الباجة جي على سحب اللائحة او على الأقل أحالتها الى لجنة خاصة لخطورتها وما يمكن ان تسببه من مشكلات واخطار تهدد سلامة العراق والوطن العربي ، الا ان صالح جبر رفض اقتراح الباجة جي ، كما رفضه أعضاء المجلس بعد عرضه على التصويت.
اما العين عزرا مناحيم دانيال ، فقد رأى ان اللائحة تعالج ناحية واحدة من وضع يهود العراق ، وطالب بتطمين اليهود الذين لايرغبون بترك وطنهم بصورة قطعية ، لانهم مخلصون وقائمون بكل الواجبات المترتبة عليهم بحسب القوانين والأنظمة السائدة ، ورفض الخوض في تحديد الأسباب التي دفعت اليهود للهجرة تاركا هذا الامر للتاريخ الذي سيتولى إظهار الحقيقة (على حد قوله) ، مدعيا انه ليست ليهود العراق أية علاقة  في الحوادث المؤلمة والتي يشكو منها المواطنون في العراق.
وابدى العين علي جودت الايوبي استغرابه من اقدام الحكومة على تقديم هذه اللائحة في الوقت الذي منعت فيه بعض الدول هجرة اليهود الى فلسطين مراعاة لشعور العرب ، كما عد (اللائحة) اجحافاً بحق العراق والعرب، مؤكدا في الوقت ذاته ان الكيان الصهيوني هو المستفيد من هذه اللائحة لو اقرت ، لان المهاجرين اليهود سيتوجهون اليه وليس الى أي مكان اخر دون ادنى شك .
واعلن العين مصطفى العمري عن اسفه لقبول المجلس طلب الحكومة النظر في هذه اللائحة بطريقة الاستعجال ، وعد ذلك وسيلة اتبعتها الحكومة لتسهيل عمليات الهروب لليهود ، ومنحت الصهيونية من خلالها فرصة لتهريب اموال المسقطة عنهم الجنسية الى الكيان الصهيوني ، لانها لم تشترط تجميد اموالهم ، واكد ايضا ان اللائحة غير محكمة لذا يتحتم احالتها الى لجنة مختصة لغرض دراستها بشكل جيد.
مما تقدم يتضح ان المتحدثين من الاعيان مع حالات استثنائية اجمعوا على ان هذه اللائحة ستسهل هجرة يهود العراق الى الكيان الصهيوني ، مما ينعكس بشكل سلبي على القضية الفلسطينية ، وما يترتب على ذلك من اخطار على الوطن العربي بشكل عام ، الا ان وزير الداخلية صالح جبر اكد وباصرار ان الحكومة لم تبغ من هذه اللائحة ما اجمع عليه المتحدثون بخصوص تسهيل الهجرة ، مشيرا على نحو يفتقر الى الموضوعية : ((ان الفرق كبير بين القول ان الحكومة اتت بهذه اللائحة لتسهيل السفر لهؤلاء اليهود الهاربين وبين انها اتت باللائحة لاسقاط الجنسية عن هؤلاء . فارجو التفكير في هذه الفروق وارجو الانتباه)) ! ومما يثير الاستغراب في موقف الحكومة العراقية التي مثلها وزير الداخلية صالح جبر ان تلقى دعوة بعض الاعيان بتجميد اموال المسقطة عنهم الجنسية على نفس الاساس الذي تمت مناقشة اللائحة فيه وهو (الاستعجال) رفضا تاما ، بل عارض وزير الداخلية هذا الامر بكل قوة طالبا التريث في معالجته بحجة ان الناحية المالية ليست من اختصاص هذه اللائحة التي اقتصرت كما يدعي على تقديم : ((حلول وهدف معين)) ، معترفا في الوقت ذاته ان هذه الاموال ستهرب خارج العراق لفائدة الصهاينة ، وان حكومته عاجزة عن اتخاذ أي اجراء للحيلولة دون حصوله ، ويتضح ذلك بقوله : ((انا اعتقد وكلكم يعلم انه نظرا للاعمال والامكانيات الموجودة ان بامكان من يريد ان يهرب نقوده الى البلاد المجاورة ان يهربها ، لان الامكانيات موجودة على الحدود ولا اريد ان اذكر هذه الحدود التي تهرب النقود بواسطتها)). ويستغرب الباحث هذا القول من وزير الداخلية .
واختتم رئيس الوزراء توفيق السويدي مناقشات مجلس الاعيان بخصوص اللائحة ، داعيا بحزم الى حسم موضوعها بعرضها على التصويت لاقرارها واصدارها كقانون . ومما جاء في حديثه: ((ان الحكومة ارادت بهذه اللائحة ان تعالج وضعا خاصا ونقطة من النقاط او معضلة من المعضلات التي تشعر بضرورة معالجتها بنوع من التوئده والحنكة، والحزم في عين الوقت .. واعتقد ان المسألة هذه ليست بهذه الخطورة ولا هذه الصعوبات وانما هي مسألة بسيطة تقع كل يوم .. نحن نريد ان نتخلص منهم ويتخلصوا منا واعتقد ان هذا هو احسن الحلول)).
عرضت لائحة اسقاط الجنسية مادة اثر مادة على التصويت ، فقبلت وصدرت كقانون برقم (1) لسنة 1950 في السادس من اذار من العام ذاته ، وتحت عنوان (قانون ذيل مرسوم اسقاط الجنسية العراقية رقم (62) لسنة 1933). وجاء في الاسباب الموجبة له: ((لوحظ ان بعض اليهود العراقيين اخذوا يتذرعون بكل الوسائل غير المشروعة لترك العراق نهائيا ، كما ان البعض الاخر غادر العراق بصورة غير مشروعة ، ومن حيث ان وجود رعايا من هذا القبيل مرغمين على البقاء في البلاد ، ومكرهين على الاحتفاظ بالجنسية العراقية ، مما يؤدي الى نتائج لها تأثير على الامن العام ، والى خلق مشاكل  اجتماعية واقتصادية ، فقد وجد ان لا مندوحه من عدم الحيلولة دون رغبة هؤلاء في مغادرة العراق نهائيا واسقاط الجنسية العراقية عنهم . وقد سنت هذه اللائحة لتامين هذه الغاية)).
عن: رسالة (تهجير يهود العراق 1941 - 1952)