صفحات من اوراق المفكر المصري جمال حمدان

صفحات من اوراق المفكر المصري جمال حمدان

سليم النجار
 احتوت صفحات من اوراقه الخاصة لـ جمال حمدان على خمسة فصول رسم من خلالها خارطة مصر والعالم الاسلامي. لقد صنع حمدان بلده -عالمه الاسلامي- وراح يكتب عن اجزائه وتفاصيله، كما لو انه كتب رواية من خمسة فصول، وان قارئها سيجمع بين الحالات -الفصول- ليبني بناء كليا يصلح لان يكون رواية لعالم بعينه.

ويرصد جمال حمدان في الكتاب الذي اعده وقدمه د.عبدالحميد صالح حمدان الحياة الوسطية التي تصنعها البقعة المكانية، على الناس والحياة ومألوفها اليومي، وان هذا العادي والمألوف هو المواطن الدرامي -الوسطي- الذي يتلاءم والطبيعة السردية لاناس كان كل همهم ان يعلنوا صوتهم من خلال الممارسة اليومية، ولذلك لا تجد الصراعات الكبيرة، ولا تلك الصراعات التافهة والعادية جدا، وانما تجد الوسطية الدرامية بين القوى الماضوية الضاغطة على حياة الناس، وبين الافعال العفوية اليومية التي تولد المخاوف والامال، والاحباطات والحب، والرؤية العيانية العابرة، والممارسة الخفية التي تشد الاجزاء المتناثرة من اواسط الحياة وهوامشها، وضمن هذا المناخ الذي غاب ويغيب عن الكثير من المفكرين والمؤرخين، استطاع المفكر جمال حمدان ان يلتقط العادي، المركز والمألوف الشاذ والغريب، والنادر الوافر والمتميز، فاظهر لنا اناسا من الذين نعرفهم ونحيا معهم، اناس همهم الاساس ان يقولوا، عبر المكان، انهم يتشكلون وعيا وممارسة يوميا بطريقة متكررة، فيرسخ لديهم اللفظ المركز، واللحظة المتكررة، واللغة المعيشية، والعبوات النامية، والحالات التي تنمو وهي تعاد كل نهار. ولذلك ليس لديه شخصية تاريخية ذات مجد كبير، ولا شخصية تافهة عابرة لا قيمة لها.
انما جل شخصياته من اولئك الذين تشكلوا وفق نمط معين من الحياة، ومن اولئك الذين لا تغيب عنهم قضاياهم ونواياهم ومصائرهم، لكنهم وهم يحيون هذه العادية وهذه الالفة مع المكان، ينمون على جانب الحقائق التي امليت والمواقف التي لم تحسم بعد، لذلك تجدهم يمارسون وجودهم العادي، الا انهم مشدودون الى قضايا اكبر، الى موضوعات سياسية وتاريخية. المفكر جمال حمدان وهو يلتقط هذه الحيوات الصغيرة العابرة في اوراقه الخاصة، التي لا ترى الا لمن له عين رائية ومدققة، انما يصنع لنا المناخ المكاني الشعري الذي تحيا به بقعته الجغرافية التي خلقها مكانيا وسكانيا واهتمامات حياتية.
يشكل د.جمال حمدان مناخ مكانه من مفردات ثلاث:
المفردة الاولى: هي المناخ الحربي، والمقاومي الذي يتشرب داخل مفردات الحياة اليومية وقد تحول الى ما يشبه الثوابت المعاشية والحياتية، بحيث اصبحت المفردة المهنية ذات البنى المتعددة التي تمارسها الاسرة الواحدة، وكأنه من يوميتها المعلنة التي تشمل بها الاكل والكلام والحاجات والنوم والعلاقات.
ومفردة الحرب هذه اذ تشكل بصيغ واشكال شبه ثابتة، تفتح لغتها للجديد، وللمتطور، وحمدان لا يتعامل مع الجديد فيها، مع مطلقاتها الكلية وقد بدأت تمارس حضورها اليومي من خلال افعال في الشارع او في البيت، فاصبحت الحرب حياة معيشية ولكن مرفوضة ومحببة معا.
المفردة الثانية: هي اللحظة المكانية المشحونة بالحال، فالمفكر جمال حمدان لا يبتدئ بالمكان كما لو انه بدأ الان، وانما يبتدئ معه وهو في لحظة تشكله النهائي، الوصول الى نهاية الشوط، الحدث في اللحظة التي يتفجر فيها او يعلن عن نفسه في موقف فكري مكتمل.
المفردة الثالثة: التي يكتبها جمال حمدان لا يمكنها ان تصبح شريحة من نوع تاريخي متميز، إن هو امتد باللحظة التاريخية الى الماضي او الى المستقبل، انه يتعامل مع موقف نضج ووصل الي نهايته للمكان في هذه الاوراق الخاصة، خاصية فنية، هو اندماجه مع المشهد البصري، بمعنى ان للمكان تاريخية شاملة: ارضا عربية، واناسا عربا، وزمن عربي، لكن هذه المكانية لا تهتم بالتفاصيل الدقيقة، بقدر اهتمامها بالتفاصيل الزمنية، اي الزمن النفسي فقط.
هكذا اراد المفكر والمبدع الراحل جمال حمدان ان يدفع القارئ العربي الى ان يتطلع في مرآة ذاته الى الوراء، فيرى اكواما من فنون القول والممارسة، وقد تحاورت وتجاورت، واشتد الحق فيما بينها، ووضح الفكر في الفصل بين فصولها، حتى اذا ما استقر الامر على شيء من سوء الفهم قال الابداع قولا فاصلا، وحسب ذلك القول فكرا، علينا جعله سنة نطل بها على قرون قادمة.
عن: الاتحاد الاماراتية