صناع الأمل

صناع الأمل

 فارس حرام 
حين كنا صغاراً، كنا نخاف في السوق أن نضيع من أهلنا، أيدينا بأيديهم، وعيوننا عليهم مفتوحة وسط الزحام. ولما كبرنا وأصبحنا في أوّل الصفّ بالمدرسة كنا نخاف أن نضيع في الطريق إلى بيوتنا، فكنا نستدلّ عليها من خلال جيراننا،

 ولما كبرنا أكثر، وأصبحنا نذهب في السفرات الطلابية كنا نخاف أن نضيع في مدينة الألعاب أو حديقة الزوراء، وحين كبرنا أكثر وأصبح لكلّ واحدٍ منا طموحه، كان الوقت الذي نقضيه في حماية مواهبنا وأحلامنا من الضياع أكثر من الوقت الذي نقضيه في تنفيذها! ثم لما كبرنا أكثر وأصبحنا جنوداً في الجيش، كنا نخشى أن نضيع في الجبهة فنسقط في أيدي أعدائنا أكثر من خوفنا من الموت نفسه. وحين تسرحنا من الجيش عدنا إلى أهالينا وبدأنا حملة تكوين مطامحنا وعوائلنا، ومع هذا بقيت معزوفة الضياع ترن في آذاننا كلما صحونا على صباح عراقيّ جديد، وكان النظام السياسيّ قبل 2003 وبعدها يعمل بنفسه على تعميق شعور الضياع عبر التخويف أو الإلهاء بحروب داخلية وصراعات خارجيّة وإدارة منظمة للتجهيل والطائفيّة والقلق السياسيّ المستمر والخوف من التقسيم، فكنا في الجوهر أمام ضياعَيْن: إما ضياعنا الشخصيّ وإما ضياع الوطن!... وكأننا تعوّدنا على هذا الهاجس المتأصّل في أعماقنا: أن نضيع. نضيع من ماذا؟
وحدهم صنّاع الأمل كانوا يقاومون هذا الشعور القاهر في كلّ خطوة من خطوات حياتهم، وهم قلة عبر التاريخ وعاشوا في الغالب حياة صراع مع الأوضاع السائدة..
أما الآن فقد أصبح صنّاع الأمل ومحاربو الخوف والضياع يملأون مجتمعنا العراقيّ، يتقدّمهم جيل جديد وكثير من الشجعان هم ثوّار هذه الثورة..
تحية لك أيها القارئ إذا كنت منه.