مصطلح  تبنّته الجبهة المضادة للحِراك الثوري..الجوكر.. ثائر ساخر أم مقنع يعود لطرف ثالث!

مصطلح تبنّته الجبهة المضادة للحِراك الثوري..الجوكر.. ثائر ساخر أم مقنع يعود لطرف ثالث!

 ماس القيسي
فهمُ وإدراك أي موضوع يتطلب في بادئ الأمر توضيح المفردة أو المصطلح الذي يُشار إليه للدلالة عليه أو الارتباط به، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد يكون المصطلح الشائع شعبياً له عدة دلالات تتقاطع في المعنى لتكن مرادفات، أو تبتعد لتصب في وادٍ آخر بعيد كل البعد عن ماهية جوهر الفكرة التي نحن بصدد التحدّث عنها.

العديد من المصطلحات التي تنشأ وتستحدث تكون وليدة اللحظة، حين ترتبط بحدث شائك ذي أبعاد وتوجهات على المستوى الجماهيري، لما له من تأثير على الوعي المعرفي بقضايا المجتمع الملحة في فترات زمنية مفصلية، لها الدور الكبير في تقرير مصيره.
إبان اندلاع ثورة تشرين العراقية في مطلع أكتوبر الماضي من عام 2019، ظهرت بين صفوف المجتمع العراقي مصطلحات لم تطرق على مسامعنا فيما سبق، لكونها وليدة موقف معين تجاه هذا الحراك سواء بالإيجاب أو السلب، وفيما يخص الجانب السلبي منها هو حق يُراد به باطل إن صح التعبير، في وقت حساس يقرر مصير وطن بأكمله في سبيل أدلجة الحراك ولفت انتباه الناس وبالأخص ضعاف النفوس منهم، الى كون هؤلاء الشباب المنتفضون في ساحات الاعتصام ليسوا إلا أداة تحركها أجندات خارجية لها نفوذ ومصالح في الداخل. من ضمن المصطلحات التي أدرجت وتم تبنّيها من قبل الجبهة المضادة للحراك الثوري مصطلح (الجوكر، Joker) والذي هو بالأساس مفردة من مفردات اللغة الإنكليزية تعني المهرج أو الساخر، بمعنى الشخص الذي يقوم بإضحاك الناس، مركبة من الفعل joke أي يمزح، وتستخدم هذه المفردة بدلالات أخرى، منها شخصية الجوكر كأحد بطاقات ورق اللعب (الشدة)، يمثل على أنه الورقة التي يمكن استبدالها بأي ورقة أخرى إن لزم الأمر أثناء اللعب، وقد ارتبطت هذه المفردة أخيراً بشخصية الجوكر في عالم السينما المدرج في أحد أفلام هوليوود الاميركية، على أنه شخصية معقدة تعرضت لتعنيف نفسي وأصبح لها أثر سلبي على المجتمع وفق تحليلات علم النفس.
أطلق مصطلح الجوكر على متظاهري ثورة تشرين، وكل ثائر أو ناشط مدني أو صحفي أو مسعف أو حتى مندد بالأعمال القمعية التعسفية التي تواجه المحتجين في ساحات الاعتصام في جميع المدن العراقية المنتفضة، القصد منه مختلف تماماً عن دلالاته التي عرف بها كما أسلفنا، فقد انتشر بين جموع الناس وتم توظيفه لينعت به الثائر باستحداث أو تحريف المعنى الأساس ليكون إشارة الى الشخص المقنّع المتخفي الذي يُخفي أفكاره وقناعاته الحقيقية ونواياه ويختبئ خلف قناع، هذا المفهوم أُريد منه أن يكون صفة ملتصقة بكل ثائر من قِبل مَن يحاول تشويه الثورة بكل السبل، من خلال نشر ثقافة تنص على أن الثائر لا يتصرف وفق قناعاته الشخصية وإيمانه المطلق، وإنما يندفع بفعل أيادٍ خفية تحركه وتملي عليه تحركاته، حتى وصل الأمر لجعل الجوكر هو بمثابة الطرف الثالث المجهول، الذي يحرك أحجار النرد في لعبة سياسية بين طرفين.
ما يثير استغرابنا إزاء هذا المنطق الباعث للسخرية حد الهذيان!، هو تساؤل محير، من هو الجوكر المقنع؟! هل هو الشاب اليافع الملتحف بعلم وطنه والكاشف لوجهه دون خوف أو هوادة، من يعري صدره أمام الرصاص بكل بسالة؟!، أم ذاك المسعف الشجاع الذي يسرع لإنقاذ جرحى الحرية؟!، أم يا ترى، تلك الرسامة، من تنقش بألوانها رموز الكرامة الإنسانية وكسر قيود الذُل على جدران أزقة وأنفاق الشوارع؟!، أم قد يكون ذاك البطل الصنديد من يقود عربته الصغيرة في سبيل نقل جريح الى أقرب مفرزة طبية؟!، قد تكون تلك الأمّ العراقية التي تركت أسرتها وفضلت البقاء في الساحات لإطعام أبناء وطنها؟! أو من الممكن أن يكون كبير سن وجد في روح الحماس لدى الشباب، أملاً في عودة وطن مسلوب لم يستطع هو وأقرانه أن يقدم له شيئاً إزاء انهياره في حقبة مضت؟!.
حقيقة واضحة كالشمس لا يمكن إقصائها أو إسدال ستار عليها، أي شخص مجهول مقنع تحت مسمى الطرف الثالث، هو الجوكر الحقيقي حسب مفهوم الجبهة المضادة في خضم معركة الشعب العراقي هذه، بينما الثائر المغوار قد يكون جوكراً بدلالته الحقيقية، حين يلقي دعابة هنا وهناك ساخراً من وصفه بأقبح العبارات على لسان من يسمون أنفسهم دعاة الإصلاح والتديّن!