الناصرية تُصدّر التصعيد وتخطف الأضواء. . وعدد الشهداء

الناصرية تُصدّر التصعيد وتخطف الأضواء. . وعدد الشهداء

  متابعة الاحتجاج
انطلقت احتجاجات تشرين الأول  2019، في العاصمة بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، دون أن يكون لها قادة، فيما كان الجميع ينظر إلى بغداد بوصفها العاصمة ومركز الاحتجاج منذ 2011، بالإضافة إلى محافظة النجف، العاصمة الدينية، لكن ذلك لم يدم طويلًا حتى فرضت مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار هيمنتها على المشهد، وأخذت جميع المحافظات تلتزم بخطواتها التصعيدية.

تصدير التصعيد
يعتقد علاء ناجي، أن الناصرية تميزت بتوسع مناطق الاحتجاج في الأقضية والنواحي، ولم يقتصر على  مركز المدينة كما في المحافظات الأخرى، حيث شهدت الجولة الأولى من الاحتجاجات حرق مقرات الأحزاب وبيوت مسؤولين في معظم مدن المحافظة.
أضاف ناجي وهو محتج من بغداد في حديث لـ"الاحتجاج"، أن "ظاهرة الحرق التي صدرتها الناصرية إلى ساحات الاحتجاج كانت الصفة الأبرز لهم، كسروا من خلالها الخوف والخشية من رد فعل قاسي من حمايات المقرات، بالرغم أن الثمن لم يكن سهلًا فاستشهد الكثير من الشباب على أبوابها"، مبيناً أن "السوشيال ميديا أدامت زخم شباب الناصرية من خلال التشجيع والثناء من المحافظات الأخرى بوصفهم الأبطال، والكثير منه في سياق الفكاهة الداعمة للحرق والابتكار في خطوات التصعيد".

استنهاض الثورية والمعارضة
تغفو الناصرية على تاريخ مليء بالثورة والمعارضة، حيث مثلت بعض أقضيتها الحواضن لكثير من التنظيمات اليسارية، فيما تدلى المئات من أبنائها على أعواد المشانق خلال حكم النظام السابق، وهي مدينة تعيش السياسة فيها خبزاً، بحسب وصف ابنها الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي.
يرى الباحث سليم سوزه أن "الناصرية ذات النسيج العشائري المتماسك تستجيب لإرثها التاريخي، الذي رعى الحركات اليسارية والقومية والإسلامية، ووفر لها خزيناً هائلاً من الشباب الثوري، هي اليوم تعيد إنتاج نفسها وإرثها التاريخي، مستدركاً "لكن وفق معادلة جديدة تسحب البساط من النجف (عاصمة القرار الديني) ومن بغداد (عاصمة القرار السياسي) لتستحوذ على زمام الريادة والقيادة بنفسها"، مبيناً أن "سحب البساط لا يعني الانقلاب على هاتين المحافظتين، وإنما يعني خطف الأضواء منهما وعدم انتظارهما في أي خطوة احتجاجية تصعيدية كما كان الأمر في السابق".
يُشبّه سوزه الناصرية خلال حديثه لـ"الاحتجاج"، بـ"بطارية كبيرة شحنت أجواء التظاهر كلها وزودتها بالطاقة التي كانت على وشك أن تنتهي وتتحول معها ساحات التظاهر إلى هايد باركات كرنفالية فقط".
في السياق، يعتبر الناشط حسين الغرابي، الناصرية هي شريكة للمحافظات الأخرى في الحرمان والمظلومية، فيها نحو 60 ألف شاب عاطل عن العمل، وهذه هي الإحصائية التي وثقتها الحكومة فقط، مبيناً أن "هذا العدد من الشباب نزل إلى ساحات الاحتجاج منذ 1 تشرين الأول/أكتوبر2019، فيما شهد اليوم التالي مضاعفة الأعداد والتصعيد بقوة خاصة وإنهم يحتجون منذ 2011 ويدركون التسويف والتجاهل الذي تمارسه السلطة معهم، ما دفعهم إلى التعامل مع الأحزاب كمصدر للفساد، فأضرموا النيران فيها حتى تحولت الناصرية إلى مدينة خالية من مقرّات الأحزاب خلال ليلة واحدة".
أضاف الغرابي أن "المجازر الوحشية التي ارتكبت بحق المتظاهرين السلميين رفعت من المعنويات وبثت فيهم روح التحدي، خاصة مجزرتي التربية وجميل الشمري، ما جعل الجميع أمام مسؤولية أخلاقية في التضامن المجتمعي، ولا يكاد أي بيت من بيوتها لم يشارك أفراده في الاحتجاج".
يعتبر الغرابي "عدم سيطرة أي طرف سياسي على ساحة الاحتجاج في الناصرية مصدر قوة ووحدة، خاصة التيار الصدري الذي يشاع تأثيره بشكل عملي على الكثير من الساحات قبل انسحابه، ما جعل كل موقف يصدر منها يعبر عن الرأي الشعبي فيها"، مبيناً أن "دور شباب الناصرية لا يقتصر على التصعيد الثوري والاندفاع فهنالك جلسات توعية يقوم بها أكاديميون في العلوم السياسية والقانون، حيث تعقد ندوات عديدة في خيم الاعتصام، بالإضافة إلى الهتافات اليومية المتجددة التي تتميز بها المدينة والتي تعبر عن عمق المشكلة وتلامس المطالب الحقيقية بسياق شعبي، وتُصدر إلى جميع ساحات الاحتجاج عبر السوشيال ميديا".

مدينة الضحايا والمسؤولين!
وحول العوامل التي ساعدت على جعل الناصرية فاعلة في ميدان الاحتجاج على عموم البلاد، قال سوزه إن "أهم العوامل هو المشاركة الكبيرة لشبابها في الحشد الشعبي، والأكثر عدداً في شهداء الحشد الشعبي، ومع ذلك، هناك إحساس رهيب لدى المحافظة أنها لم تعامل بطريقة لائقة وبمستوى تلك التضحيات، حيث بقيت بذات الفقر والأكثر سوءاً من حيث خدماتها والبطالة نسبة لأعداد السكان فيها".
يعتقد سوزه أن "المدينة خُذلت من رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بوصفه من أبناء المحافظة، بالإضافة إلى الأمين العام لمجلس الوزراء حميد الغزي، ما جعلها تنتفض وتتقدم مسيرات الاحتجاج الغاضبة"، مبيناً أن "النسيج العشائري أعطى لأبنائها المنتفضين نوعاً من الضمانة والحماية أمام قمع الأجهزة الأمنية، وربما يكون سبباً في اندفاع الشباب هناك بهذه الطريقة، مع أن هذه العشائر لم تتدخل بشكل مباشر لحمايتهم أو قيادة التظاهرات، مستدركاً "ولكن مجرد إحساس الفرد أنه ينتمي لعشيرة قوية ومتماسكة يجعله يعتقد أنه بإمكانه مقاضاة أفراد أجهزة السلطة المنتمية للمحافظة عشائرياً، مما يكون عاملاً في هذا الاندفاع".
في السياق يقول جعفر الجابري إن "موجة الحرق التي شملت بيوت المسؤولين في الجولة الأولى لم تكن عشوائية أو فوضوية، فهي استهدفت الصقور من المسؤولين الذين تدرجوا في المناصب بعضهم من المجلس البلدي وحتى البرلمان"، مبيناً أن "شيوخ عشائر كبيرة دعمت وساندت الشباب، ووفرت لهم الحماية ما دفعهم إلى مزيد من التصعيد، وشجع المترددين منهم إلى الخروج للساحات".
وأضاف الجابري، وهو متظاهر من المحافظة "لم يكن أمامنا خيار تصعيدي غير الحرق فلا منطقة خضراء نقتحمها ولا جسور عديدة  نقطعها"، مبيناً أن "الكثير من الشباب يعتقدون أن مقاتلتهم لتنظيم "داعش" واستشهاد أخوتهم وأصدقائهم، قطفت الأحزاب ثماره بالإضافة إلى أن طبقة من قيادات الحشد الشعبي في مدننا استغنت بسرعة لافتة خلال معارك التحرير".
قيادة من الحبوبي إلى ساحات الاحتجاج
تفتقد ساحات الاحتجاج إلى القيادة أو وجود متحدث رسمي لها، وهذا ما يختلف بشأنه الكثير من المختصين بوصفه نقطة ضعف أو قوة للساحات، لكن الأمر اختلف في الناصرية حيث يلتف الشباب المتظاهر حول الدكتور علاء الركابي، والذي يتضح دوره من خلال التسجيلات المصورة التي يظهر فيها، ويطلق فيها الخطوات التصعيدية مثل "مهلة الناصرية"، وفكرة "المسير العاشورائي" نحو المنطقة الخضراء.
وحول صعود نجم الركابي، قال حسين الغرابي، إنه "برز بشكل واضح خلال مجزرة جميل الشمري ومحاصرة الشباب لقيادة الشرطة والتي كانت تهدف لمنع هروبه وليس الاقتحام، حيث شكّل الركابي مجاميع من الشباب الواعي لإقناع المتظاهرين بالرجوع إلى ساحة الحبوبي لوقف خزانات الدماء التي أخذت تتدفق، وما ساعد على ارتفاع رمزيته هو تصريحه بشكل واضح أنه ليس رجل سياسة وأنه سيعود إلى صيدليته بعد انتصار الانتفاضة، ما جعل ساحة الحبوبي تتبنى  خطواته".
من جهته يعتبر سوزه رمزية الركابي "مهمة جداً لأن شخصية الدكتور والكاريزما التي يتمتع بها جعلت الآخرين يدورون حوله في الناصرية، بل وحتى في المحافظات الأخرى أيضاً"، مبيناً أن "هذا ما تفتقده ساحة التحرير بظل وجود تيارات وآراء وتوجهات كثيرة فيها"، مرجحاً أن "ينعكس دور الناصرية والركابي أكثر بعد تظاهرات المشي لبغداد، لو نجح الأمر، لتكون الناصرية عاصمة الاحتجاج قولاً وفعلاً".