حكاية شهيد..كرار الغزي.. حكاية ثائر سار على خطى الحسين

حكاية شهيد..كرار الغزي.. حكاية ثائر سار على خطى الحسين

 ماس القيسي
"نور عيني يا حسين"، ليست عبارة حب فحسب بل انتماء واقتداء بكل ما تحمله الثورة من معاني تتجلى في شخص الحسين الذي يزين اسم كرار في صفحته الشخصية، عنوان لحياته ورحيله على اتم وجه، في كرارنا حسين راحل وهناك في ساحات اعتصام تشرين ألف حسين لم يرحل بعد!

 كرار عصام طالب الغزي، تولد عام 1997، من محافظة ذي قار، قضاء الناصرية، أكمل دراسته الابتدائية وتوقف عن الدراسة في مرحلة المتوسطة رغم طموحه في بلوغ مستوى تعليمي اعلى، ليعمل في البناء معينا والده في سبيل سد حاجة اسرته، في عمر الثامنة عشر أراد ان يلتحق بالعسكرية، لكن والده رفض خوفا عليه في وقت حرج مرتبط بنزاعات طائفية، فاستمر في العمل بنّاءً حتى اندلاع ثورة تشرين.
ترعرع كرار وهو اشبه باليتيم، فقد انفصل والده عن والدته وهو رضيع لا يتجاوز عمره السنة والنصف، وعن هذا الشأن يحدثنا والده قائلا: "تركته والدته وسلكت طريق حياتها بعيدا عنه، فكبر وتربى لدى عمته، اعتنت به ومنحته الرعاية اللازمة وكأنه من صلبها، أحد ابنائها، من عام 1999 حتى عام 2005، ولصعوبة الوضع المعيشي في الوقت الذي كان فيه والده يعمل كاسبا، يعتمد على أجور يومية غير ثابتة، فقررت العمة ان تتخلى عن أبنائها لطليقها، واخذت على عاتقها تربية ورعاية كرار، حتى تزوجت وتحملت مسؤوليته بعد مضي سنوات من اقامته لدى عمته، واصبح له اخوة عاش بجوارهم".
شارك كرار في التظاهرات حين اندلعت في المرة الثانية بتاريخ الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي وبهذا الخصوص يقول والده: "كرار لم يشترك في الأول من تشرين لأنه كان يخدم في أحد المواكب الحسينية عند مدخل الناصرية ابان الزيارة الاربعينية، اذ كان يملك عربة (ستوتة) ينقل بها ما يخدم به الزوار، وفي يوم 25 التحق بأخوته المتظاهرين حيث كان يذهب صباحا لعمله ومساء يسرع ليتواجد في ساحة الحبوبي".
لم يتراجع كرار عن مواصلة التظاهر رغم تتابع الاحداث الدامية في الحبوبي، هذا ما أكد عليه والده بقوله: "رفض كرار ان ينسحب رغم الاعتقالات والتعسف القمعي وسقوط الشهداء والجرحى، فقد كان يستغل عربته التك تك في نقل الدعم اللوجستي للمتظاهرين حتى يوم استشهاده". وعن الحدث حين كُتب له ان يرتقي شهيدا عقب والده قائلا: "في يوم 28 تشرين الثاني الذي هجمت فيه قوة مسلحة على ساحة الحبوبي يوم مجزرة الناصرية قرب جسر الزيتون، خرج ابني برفقة اخوته الثوار حينها ليقطع الطريق لدى تقاطع المديرية عن القوات المارة دخولا وخروجا، مما أسفر عن مواجهات عنيفة بين الطرفين".
شهدت المواقف البطولية لكرار مدى اندفاعه في تلك الليلة الأليمة وبهذا يستطرد والده قائلا: "يشهد رفاقه بانه ساهم بكل ما يستطيع من جهد في سبيل قطع الطريق وتحشيد الشباب لتخفيف الضغط على المتظاهرين، في هذه الاثناء توجهت انا لعشيرتنا (آل غزي) للمطالبة بالدعم من اجل قطع الطريق السريع، وهذا ما حصل فعلا فقد قطعنا الطريق بوجه القوة القمعية آنذاك". عاد كرار مساء تلك الليلة الى المنزل هاربا وقد أخبر والده "انه ترك عربته ونفد بنفسه من القمع وقد طارده شخص حتى امسك به وصفعه على وجهه لكنه استطاع الهروب".
عاد كرار الى مكان المواجهة عند المديرية ووجد عربته محترقة، وبهذا يعقب والده قائلا: "لم يكن ابني الوحيد الذي فقد عربته وقتها، وقد اجمع رفاقه على منحه مبلغا لشراء عربة جديدة لكنه رفض وقال هناك من هو أحق به"، مؤكدا على ايثار ولده كرار المتواصل فقد اخرج ما في جيبه من نقود شحيحة وتقاسمها مع والده في صباح اليوم التالي بتاريخ 29 تشرين الثاني حيث اللقاء الأخير بينهما حين انطلق كرار مسرعا لساحة الحبوبي آخر مرة.
في الوقت الذي توجه فيه والد كرار لإتمام مهمة استلام قيادة المديرية من قبل عشيرته كان على تواصل دائم مع ابنه عبر الهاتف، وبهذا يقول: "بين الحين والآخر يتصل بي كرار مطالبا بتحشيد العشيرة من اجل دعم الثوار الذين يتعرضون للقمع المستمر، حتى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا عندما استقبلت آخر مكالمة منه، ثم اتصلت به في الساعة الواحدة والنصف لأطلب منه فتح طريق المنصورية لنا ونحن عائدون، فأجابني أحدهم بانه قد تصوب واستشهد وتم نقله للطب العدلي".
حوصر كرار ورفاقه لدى منطقة (خطوة الامام علي) إثر تصاعد وتيرة المواجهات بين المتظاهرين والقوات، اذ يقول والده: "اسرعت عمته لإنقاذه، عاد معها الى المنزل ثم توجه لتقاطع المديرية، ليدعم رفاقه حتى وجد قوة عسكرية تهاجم المتظاهرين السلميين والاحياء المدنية بالرمي العشوائي، فأسرعت خلفه لتدفعه للتراجع مرة أخرى لكنها وصلت متأخرة، فقد علمت بانه مصاب بطلق ناري في صدره ومنقول للمشفى الجمهوري، وأخيرا علمت باستشهاده".
"نحن أصحاب قضية وعلينا دفع الثمن من دمائنا، كل ثائر عراقي بالنسبة لي هو كرار!"، هكذا ختم والد شهيدنا كرار حديثه بنبرة جهورة ممتزجة بالأسى، وقلب مؤمن بانه ما فقد فلذة كبده بل قدمه فداءً لوطن لابد ان يسترد يوما، على يد ثورة صامدة بسلميتها.
شيع كرار البطل بجنازة حاشدة تليق به من قبل متظاهري ومعتصمي ساحة الحبوبي. ليلتحق بركب الثوار الاحرار ممن طالتهم ايادي الغدر الجبانة، وقد اجمع رفاقه على مد يد العون لأبيه بالمال لسد تكاليف الجنازة، عوضا عن ابتياع عربة جديدة لرفيقهم الراحل!، أبناء المدينة الابية التي ابت الا ان تسابق المدن الأخرى في تبني شعلة الثورة وضخ دماء أبنائها باستمرار في وريد الوطن ما يضمن الصمود حتى النصر.