المس بيل وعشقها لاثار العراق..جهود مخلصة للحفاظ على تاريخ بلاد ما بين النهرين

المس بيل وعشقها لاثار العراق..جهود مخلصة للحفاظ على تاريخ بلاد ما بين النهرين

د. محمد يوسف القريشي
بعد ان التحقت غروتريد بيل بهيئة موظفي السير برسي كوكس في العراق، ادركت الحاجة الضرورية للاهتمام باثار العراق والمحافظة عليها من العبث والسرقة، ففي عام 1917 حذرت غروترود الموظف البريطاني المسؤول عن الواردات ، والذي كانت دائرته مسؤولة عن المواقع الاثارية، من اي تصرف يسيء للاثار، واخذت عليه تعهدا بعدم هدم اي موقع اثاري في بغداد.

 كما قامت غروترود بزيارة عدد من المواقع التي اصبحت بحاجة ماسة للترميم لحيلها للانهدام.
ومن ابرز هذه المواقع طاق كسرى الذي تعرض احد جدرانه للتصدع، فما كان منها الا اصطحاب احد المهندسين للموقع لعمل ما بوسعه من اجل تقوية هذا الجدار. ولما وصل الامير فيصل الى العراق اصطحبته لزيارة طاق كسرى لتطلعه على الاثار ومعالم الموقع ومحل جلوس كسرى، وشرحت لفيصل كيفية فتح طيسفون من قبل العرب المسلمين بعد معركة القادسية كما رواها الطبري في تاريخه "الرسل والملوك". ان الاهتمام الذي ايدته غروترود بالاثار العراقية وسبل المحافظة عليها دفع الملك فيصل، يعد توليه العرش، ان يطلب من الوزارة النقيبية وبايحاء من غروترود، تعيينها مديرة فخرية لدائرة الاثار القديمة بصورة مؤقتة لحين ايجاد الشخص المناسب ليتولى امور هذه الدائرة. وقد حظى هذا التعيين بارتياح غروترود التي بدأت العمل بالتفكير بالطرق التي تحمي الاثار من السرقة. وفي احدى زياراتها للملك طلبت منه مساعدتها في تشريع "قانون التنقيب" الذي قامت باعداده بعد استشارات قانونية. وعند مناقشة مشروع القانون بينها وبين الملك تعهد لها بتمريره في مجلس الوزراء. ارتبطت دائرة الاثار القديمة بوزارة الاشغال والمواصلات. وهذا ما اثار فرح غروترود للصداقة التي تربطها بوزيرها صبيح نشأت، الذي استقبلها عدة مرات وناقش معها مشروع القانون. كما حضرت غروترود اجتماع مجلس الوزراء لشرح بنوده الذي قرأت فقراته ودافعت عنها امام اعضاء الوزارة، وبعد مناقشة دامت ساعتين تمكنت من اقناع الوزراء بالمشروع فصدر القانون بعد ادخال بعض التعديلات. استقبلت غروترود بعد توليها دائرة الاثار القديمة عددا من البعثات الاثارية الاجنبية التي كانت تطمح الى الحصول على امتياز التنقيب في بعض المواقع الاثارية. ومن اشهر هذه البعثات البعثة المشتركة للمتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا الامريكية برئاسة ليوناردو وولي "L.woolley" وحصلت هذه البعثة على امتياز التنقيب في مدينة اور الاثرية، وبدأت العمل في تشرين الثاني 1922 واستمرت بالعمل لسنوات طويلة وكما منحت جامعة اكسفورد امتيازا للتنقيب في مدينة كيش وبدأت العمل في كانون الثاني 1923. اتمت البعثة الاثارية المشتركة موسمها الأول في مدينة اور حيث نجحت في العثور على قطع اثارية مختلفة لذلك ذهبت غروترود الى مكان عمل البعثة لاقتسام هذه اللقى الاثرية بين البعثة والعراق. استغرقت عملية الاقتسام يوما كاملا وقد حرصت غروترود على الحصول على احسن اللقى الاثرية الموجودة، مما اثار غضب المستر وولي لاختيارها قطع تمثل خوذة ذهبية وقيثارة، دنبوس ذهبي وهي تمثل افضل ما تم العثور عليه., كما حرصت غروترود على الحصول على قطعة اثرية عبارة عن تمثال سومري لاحد ملوك مدينة كيش يبلغ طوله ثلاثة اقدام، لكنه بدون رأس كتب على كتفه كتابة تمكن احد الاثاريين الموجودين من قراءة اسم الملك فقط دون التوصل الى معرفة معاني الكلمات الاخرى، لذلك ارتأت غروترود ارسال التمثال الى لندن لفك رموزه من قبل علماء الاثار واعادته الى العراق بعد الانتهاء من ذلك. امت غروترود بجمع القطع الاثرية التي حصلت عليها نتيجة الاقتسام وبعد ان استحصلت موافقة الحكومة العراقية قررت اقامة معرض صغير تعرض فيه اثار مدينة اور، بعد ترتيبها بصورة منظمة حيث وضعت على كل قطعة بطاقة تضمنت معلومات عن القطعة باللغتين العربية والانكليزية ، ووجهت الدعوة للملك ولبعض الوزراء والوجهاء لحضور هذا المعرض.
شهد مطلع عام 1924 قيام غروترود بجولة تفتيشية على المواقع الاثرية في الجنوب للاطلاع على اعمال الحفر والتنقيب التي تقوم بها البعثات الاثارية ولمسح كافةالمواقع الاثرية الموجودة في العراق وقد وضعت تقريرا حول هذه الجولة بداية هذه الجولة مدينة كيش، التي تعمل فيها بعثة اثرية تضم مجموعة من كبار علماء الاشوريات. وفي يوم 5 كانون الثاني 1924 زارت مدينة الوركاء فوجدت فيها مجموعة من الرجال والنساء والصبيان مشغولين بالحفر بصورة غير منتظمة وقد جمعت هؤلاء الناس واخبرتهم بان عملهم هذا مخالف للقانون وان عليهم الابتعاد عن هذه الاعمال لانها تعرضهم للمساءلة القانونية، ثم طلبت منهم جلب ما لديهم من قطع اثارية لكي تشتريها منهم لغرض وضعها في المتحف، وطلبت منهم جمع كل ما عندهم وبيعه لها الان ، واذا لم يرغبوا بذلك الان فبامكانهم تسليمها لشخص منهم ليقوم بجمع هذه القطع ليوصلها لها وياخذ الاموال اللازمة. ومع ذلك كانت غروترود تعتقد بانه من الصعوبة منع الحفر في الوركاء، لان منطقة الحفر بعيدة عن انظار الحكومة وقريبة من مساكن هؤلاء الناس، وان الامل بالحصول على بعض الروبيات تغريهم على الاستمرار في الحفر وان هذا بدوره بسبب اضرار كبيرة للآثار.
وفي 16 كانون الثاني 1924، زارت احد المواقع بالقرب من الشطرة، وقد شاهدت في هذه المنطقة وجود العديد من الحفر غير المنتظمة،. وقد ترك في احد هذه الحفر معول وفأس وشاهدت بعض الرجال عن بعد، فامرت الشرطة الذين كانوا يوافقونها بجلب هؤلاء الرجال، فتمكنوا من جلب احدهم، بعد هرب الباقين، ولما استفسرت منه عن تلك الحفر اخبرها انها من فعل مجموعة من اهل الشطرة. وتعتقد غروترود بان هذه الاعمال تجري لحساب تاجر من اهل بغداد يتاجر بالاثار  القديمة لذلك فانه يؤجر جماعة من الناس ليقوموا بالحفر ويشتري منهم كل ما يعثرون عليه، ويقوم هو بدوره ببيع هذه القطع لتجار الاثار في اوروبا الذين كانوا يدفعون مبالغ كبيرة لما لهذه القطع من قيمة عالية، ولايقاف مثل هذه الاعمال فانها ترى ان الواجب يقتضي التنسيق مع وزير الداخلية لتعيين عدد من الموظفين المحليين ليقوموا بالمراقبة ومنع اعمال الحفر والتنقيب، التي يقوم بها عامة الناس، والممنوعة بموجب القانون.
بعد ان اتمت غروترود جولتها قامت بزيارة اور لاقتسام اللقى الاثرية التي تم العثور عليها. وفي هذه المرة ايضا اصرت غروترود على اخذ احدى القطع، التي تمثل منظرا لحلب الابقار وهو منظر فريد ولذلك ارادت وضعه في المتحف.
وقد اثار هذا المستر وولي الذي قدر قيمة القطعة بعشرة الاف باون استرليني على اقل تقدير، لذلك قررت غروترود اخفاء قيمة القطعة عن الحكومة خشية ان تقرر بيعها بدلا من وضعها في المتحف .
ويبدو ان تولي غرترود مهمة رئاسة دائرة الآثار القديمة بصورة فخرية يعود لعدم تفرغها لشؤون هذه الدائرة بصورة كاملة، لان عملها الرئيس كان مع المندوب السامي بصفة سكرتيرة شرقية، ولكن شغفها بالآثار دفعها لتولي المسؤولية الفخرية لدائرة الآثار وتخصيص جزء من وقتها لها.
لقد اشرنا من قبل الىالمعرض الذي اقامته غرترود للقى الاثرية التي حصلت عليها من اور. وقد تضافرت جهود غروترود في العمل من اجل جعل هذا المعرض متحفا دائما لاثار العراق حيث قامت بجمع الآثار التي كانت تحصل عليها في هذا المتحف حتى غدا المتحف يضم عددا كبيرا من القطع الآثارية وقد اشار الاستاذ محمد علي مصطفى الى ضخامة هذا العدد. فعندما عمل الاستاذ محمد علي في المتحف في بداية الثلاثينيات وجد صناديق ضخمة وباعداد كبيرة معبأة بقطع آثارية مختلفة تعد بالالاف بالاضافة الى ما تم عرضه من قطع، وقد اخبره العاملون الذين سبقوه في العمل في المتحف بان هذه الصناديق والآثار الموجودة فيها قد جمعتها غرترود اثناء توليها مسؤولية دائرة الآثار القديمة.
عن: رسالة (المس بيل واثرها في السياسة العراقية)