نكبة الموصل بمرض الجدري في العشرينيات

نكبة الموصل بمرض الجدري في العشرينيات

سفانة هزاع الطائي
في عام 1928 ظهرت في الموصل بعض الاصابات بمرض الجدري ثم انتشر المرض فجأة لا سيما بين الاولاد الصغار الامر الذي حمل دائرة الصحة على اتخاذ الوسائل الصحية اللازمة وتجنيد كادرها الصحي لمكافحة هذا الداء. ومن هذه الوسائل الناجحة النشريات والاعلانات في الصحف لحمل الناس على التلقيح بالمصل المضاد للجدري.

 وقد تهافت عدد كبير من الموصليين على المستشفيات والمستوصفات فبلغ عدد الملقحين ما ينيف على (20) الف شخص، وذلك للتخلص من هذا المرض الذي أصاب (70) شخصاً توفي منهم (20) شخصاً معظمهم لم يتلقحوا. اما البلدية فهي ايضاً بذلت ما يلزم من المساعدات المادية والمعنوية لمكافحة هذا الداء الخطير فابتاعت الكمية اللازمة من المصل وعينت ملقحين وملقحات اضافيين علاوة على ملاك دائرة صحة البلدية بغية توسيع نطاق المكافحة وحصر المرض في المناطق الموبوءة وعدم انتشاره في المناطق السليمة.
وعلى اثر انتشار مرض الجدري في الموصل قامت ادارة الصحة بتوسيع اعمالها الصحية، اذ لقحت في مدة لا تزيد عن الشهر ما يقارب الـ (25) الف شخص ما عدا الاشخاص الذين لقحهم اطباء البلدة والذين لا يقل عددهم عن الـ (5) آلاف شخص، كما قامت باتخاذ التدابير اللازمة لتلقيح (40) الف نسمة في مدة (6) أسابيع ومن جملة تلك التدابير تشييد مستشفى خاص للمصابين بهذا الداء قرب المستشفى الملكي، ومع مرور الايام ازداد عدد الاشخاص الملقحين ضد الجدري حتى بلغ عددهم ما يقارب الـ (45) الف نسمة، وقد توقف انتشار مرض الجدري في مدينة الموصل الا ان بعض الاصابات ظهرت في بعض القرى الامر الذي حمل رئاسة الصحة على ارسال ملقحين الى هذه القرى لتلقيح الفلاحين ضد الجدري، كما ان صحة بلدية الموصل أوعزت الى موظفيها بتلقيح المواطنين القادمين من خارج الموصل.
وبفضل جهود رئاسة الصحة فقد خفت وطأة مرض الجدري خلال شهر آذار وبلغ عدد الذين جرى تلقيحهم خلال هذا الشهر في جميع انحاء لواء الموصل (11970) نسمة ورغم ذلك فقد كان في اللواء (242) اصابة توفي منها (47) شخصاً. وقد بلغ مجموع الولادات في الموصل خلال شهر آذار (374) نسمة منها (206) من الذكور و (168) من الاناث يقابل هذا العدد (274) في الشهر نفسه من العام 1928. وبلغ عدد الوفيات (186) نسمة منها (81) من الذكور و (105) من الاناث. وفي شهر نيسان من عام 1929 زال مرض الجدري من معظم القرى ولم يبق له أثر الا في ناحية تلكيف، الامر الذي دفع دائرة الصحة لاتخاذ ما يقتضي من التدابير لمكافحته. وقد بلغ عدد المصابين بالامراض السارية خلال هذا الشهر (15) شخصاً توفي منهم (6) اشخاص فقط، وان هذه الاعداد تدل على تحسن الحالة الصحية في كافة اللواء. كما بلغ مجموع  الولادات في الموصل (287) نسمة منهم (152) من الذكور و (135) من الاناث  يقابل هذا العدد (246) في مثل هذا الشهر من العام 1928 وبلغ مجموع الوفيات (125) نسمة (63) من الذكور و (62) من الاناث يقابل هذا العدد (172) من الشهر نفسه من العام 1928.
وفي بداية شهر أب من عام 1929 زال مرض الجدري من ناحية تلكيف وذلك بفضل التدابير والاحتياطات الشديدة التي اتخذتها دائرة الصحة في الموصل، ولكن هذا التحسن في الحالة الصحية لم يستمر، اذ سرعان ما ظهر مرض الحصبة في قرية بيساط التابعة لقضاء الشيخان، وقد بلغ مجموع الولادات (209) منهم (98) من الذكور و (111) من الاناث يقابل هذا العدد (186) في نفس الشهر من عام 1928، اما مجموع الوفيات ايضاً (141) نسمة منهم (64) ذكور و (77) اناث يقابل هذا العدد (292) في مثل هذا الشهر في العام 1928.
وقد ظهر مرة اخرى خلال شهر آب مرض الجدري في بعض القرى التابعة لناحية القوش، وذلك بسبب تماهل المختارين بعدم اعطائهم المعلومات بالشكل السريع والدقيق الى موظفي الصحة عند ظهور بعض الاصابات. وقد استمر انتشار المرض في تل رميلان على الحدود ما بين عشائر شمر وفي ناحية تلكيف وقضاء تلعفر، لذلك فقد جرى تلقيح نحو (2143) نسمة في هذه المناطق ضد الداء المذكور وقد توفي (16) شخصاً بينما كان عدد المصابين به (78) شخصاً .وفي شهر تشرين الثاني عام 1929 تفشَ مرض الجدري في لواء الموصل، اذ اشتدت وطأتهُ بنوع خاص في ناحية  قره قوش احدى نواحي قضاء الموصل، فأصاب مئات الاشخاص في هذه الناحية، ولمواجهة هذا المرض الذي يهدد اللواء بأكمله، اتخذت مصلحة الصحة في الموصل الوسائل اللازمة لتخفيف وطأته وحصره قدر المستطاع، ولكنها اهملت امر خروج الاشخاص من الناحية الموبوءة بهذا الداء، ففي الوقت الذي منعت الناس من الدخول الى هذه الناحية اذا لم يكونوا حاملين شهادة التلقيح، فأنها في الوقت نفسه اهملت امر خروج سكان هذه الناحية منها. وراح الكثير منهم يتجولون في الموصل وهم لا يحملون شهادة التلقيح مما يعكس نقص بارز في التدابير التي اتخذتها مصلحة الصحة لمكافحته، لذلك فقد فتك هذا الداء بالسكان.
وامام هذه الاوضاع الصحية المتدهورة، سُئل مدير الصحة العامة الدكتور حنا خياط عن التدابير المتخذة لمكافحة هذه الامراض في كافة انحاء القطر وخاصة بين الفلاحين، فأجاب بأنه قد خصص طبيبين سيارين مع معداتهما للتجوال في اللواء واقضيته لمعالجة المصابين بهذه الامراض ومكافحتها. ولكن على الرغم مما كانت تقوم به السلطات الصحية من تدابير مثل تلقيح السكان وتطعيمهم وعزل المصابين في مكان خاص يدعى ((المحجر))، الا ان هذه الاجراءات كانت عديمة الجدوى، لأنها كانت تأتي متأخرة فلا تؤدي الى انقاذ المنطقة من خطر العدوى، وان سبب تأخر هذه الاجراءات  يعود لتأخر وصول الاخبار الى السلطات الصحية لأيام وربما لعدة اسابيع بحيث يكون المرض قد انتشر في المنطقة، اذ ان جميع سكان المنطقة يكونون ((ملامسين))، اما في دور الحضانة او قد اكتسبوا المناعة من أوبئة وامراض السنين السابقة. ولكن هناك بعض الامراض السارية كالجدري تثير اهتمام السلطات الصحية، اذ يظهر هذا المرض بين أونة وآخرى، بالرغم من وجود اللقاح ضده، اذ يشاهد على اثر انتشاره عدد كبير من الملقحين، يقومون بتلقيح الناس في كل مكان، ولكن هذه الحملات لا تشتد الا عند انتشار العدوى وتخمد بعد اختفاء المرض، وهذا يقلل من فائدتها. وبذلك يمكن القول ان اعمال التلقيح ضد مرض الجدري كان ينقصها عامل الجدية والمثابرة والاستمرار للقضاء على المرض، فقد كان مجموع التلقيحات (4)  آلاف عام1927، وفي عام 1928 ارتفعت بشكل مفاجئ على اثر تفشي الجدري في الموصل حتى بلغت (42) الف، في حين انخفضت الى (10) الاف عام 1931، ونشطت التلقيحات عام 1932، واستمرت بعد ذلك الى عام 1939.
عن: رسالة (الموصل في سنوات الانتداب البريطاني 1920-1932)