حلاق ساحة التحرير المصاب بالسرطان يحارب الفساد

حلاق ساحة التحرير المصاب بالسرطان يحارب الفساد

 مصطفى المسعودي
تمتلئ ساحة التحرير بخيم المعتصمين الذي نظموا أنفسهم على شكل ‏مجموعات، بينهم طلاب الجامعات والمهن المختلفة، فضلًا عن المسعفين والنشطاء ‏والقادمين من محافظات أخرى، إضافة إلى خيمة بات يعرفها الجميع ويقصدونها للحصول على حلاقة مجانية، إنها "خيمة حمد محارب ‏السرطان".

يعاني الشاب محمد فراس  أو -"حمد" كما يسميه أصدقاؤه- من سرطان الدم، ‏المرض الذي أجبره على ترك مقاعد الدراسة منذ الصف الثالث الإعدادي، وتفرغ لتلقي العلاج، ‏ثم تعلم مهنة الحلاقة.
كان "حمد" (17 عاما) عند عائلته في محافظة ديالى (شرق بغداد) في الأيام الأولى بعد اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن حظر التجوال الذي فرض على ديالى ورفض العائلة منعاه من القدوم إلى العاصمة بغداد والمشاركة، لكن إصراره على المجيء أجبر أهله على السماح بذهابه إلى مركز الاحتجاجات في ساحة التحرير، وكان خاله -الذي يسكن في بغداد- بانتظاره ليرافقه في رحلة إثبات وجوده والمطالبة باحتياجات أقرانه من العلاج، والاهتمام الصحي الذي أهملته الحكومة طوال السنوات الماضية. وبالفعل، وصل "حمد" ساحة التحرير في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث دخلت الاحتجاجات موجتها الثانية، وكانت خيام المعتصمين تنصب تباعًا وتزداد يوميًّا بشكل ملحوظ للضغط على الحكومة وتحقيق المطالب.
قال إن "استقرار الأوضاع وسيطرة المتظاهرين وصمودهم في ساحة التحرير مكنني من الاستقرار في خيمة أسميتها (يد تحارب السرطان.. ويد تحارب الفساد)، وبعد جلب لوازم الحلاقة، بدأت الحلاقة للمتظاهرين مجانًا"، مشيرًا إلى أن "الرسالة التي أرغب في توصيلها هي أنني مشارك في الاحتجاجات فعلًا رغم المرض، وسأعمل على تقديم ما أستطيع للمعتصمين في التحرير".
وأضاف حمد أن الأحزاب الحاكمة باتت كالسرطان في جسد البلاد، ووجودي هنا لمحاربة الجبهتين؛ الفساد ومرضي، وبعد ما يقارب شهرين من الاعتصام لا أستطيع أن أعود أدراجي حتى تحقيق المطالب الإصلاحية، المطالب التي لها تأثير على الوضع ‏الصحي، خاصة مرضى السرطان في العراق. ورغم ميزانية العراق الكبيرة في الأعوام الماضية، فإنها لم تكن كفيلة بتحسن القطاع الصحي وتوفير أدوية الأمراض الخطيرة كالسرطان، في وقت ما يزال القطاع الصحي في العراق الأكثر تراجعًا خلال السنوات الماضية.
وأشعل إصرار الفتى الحماس لدى مرافقه الدائم خاله "أبو معصومة"، الذي أكد أنه ترك عمله وتفرغ لشيئين: المشاركة في الاحتجاجات الجارية، ومرافقة "حمد" والحرص على سلامته ومساعدته في أعماله اليومية.
ويقول الناشط في المظاهرات الجارية فلاح الشمري إن "استقالة الحكومة برئاسة عادل عبد المهدي هي المكسب الوحيد الذي تحقق نتيجة ضغط المظاهرات، بل تحققت مطالب كان يمكن ألا تتحقق في أقل من عقد على الأقل"، مبينًا أن "حالة حمد وإصراره تعطي دافعًا غير متخيل لأقرانه من الشباب".
وأضاف الشمري أن "الخوف الذي يعتري كل ذي سلطة ومسؤولية في الحكومة وخارجها مكسب لا يقل شأنًا عن مكسب الإطاحة بالحكومة، فلم يعد بإمكان أي مسؤول أن يتخاذل عن واجبه ما دام الذين خرجوا للمظاهرات يتربصون به في كل وقت، حتى لو كان بعد سنوات من اليوم"، مشيرًا إلى أن "حالة الشاب المحارب للسرطان مماثلة أمام حالات أخرى فتك بها سرطان الفقر والعوز، وتتلاقى عند مطلب واحد؛ إيجاد وطن، وهي مهمة ليست سهلة عند السلطة، ولا صعبة عند إصرار الشعب، وأجيال كهذه". طوال مدة مبيته في خيمة الحلاقة وسط التحرير، تلقى "حمد" الكثير من عروض المساعدة وتقديم التبرعات، لكنه يرفض دائمًا، لأن هناك من يستحقها أكثر منه، حسب قوله.
ويقول إن "إصرار الكثير من الأشخاص على التبرع بالأموال لمواجهة المرض وعلاجه مرتفع الأثمان، جعلني أفكر في استثمار الأموال التي وصلتني في دعم مرضى السرطان الفقراء غير القادرين على توفير العلاج وإجراءات تحاليل الدم بشكل مستمر".
وأضاف أن "منظمة تابعة للأمم المتحدة ‏تواصلت معي وعرضت توفير جهاز للتحليلات الخاصة بمرضى السرطان، الذي يقتصر وجوده في البلاد على العيادات الخاصة فقط ذات التكاليف المرتفعة".
ويعتزم "حمد" إجراء التحاليل مجانًا للمرضى الفقراء، في حال وصول الجهاز الذي يترقبه، لكن كثيرين أخبروه بصعوبة وصوله إلى بغداد، بسبب المستفيدين من عدم توفره في المستشفيات العامة، الذين سيحرصون على منع توفيره مجانًا.
وغير مكترث ببرودة الأجواء والأخطار اليومية التي يتعرض لها المتظاهرون والناشطون في الاحتجاجات العراقية منذ انطلاقها، يستمر حمد معتصمًا في خيمته؛ يخرج بجولات مع أصدقائه في الليل بمحيط التحرير، وصولا إلى ساحة الخلاني وجسر السنك، أو الذهاب إلى أصدقائه المعتصمين في شارع السعدون القريب من الساحة، ليعود ويقضي الليل داخل خيمته مع مرافقه الدائم خاله، ويبدأ صباحًا جديدًا وبيده ماكنة الحلاقة التي نذرها للمحتجين مجانًا.