المعماري العالمي الكبير فرانك رايت في بغداد سنة 1957

المعماري العالمي الكبير فرانك رايت في بغداد سنة 1957

د. موفق جواد الطائي
يعد فرانك لويدرايت أهم معماري القرن العشرين ومؤسس العمارة الحديثة والعمارة العضوية، أعجب بالعراق وتاريخه. صمم للعراق والعالم  جنة عدن كما يسميها.  كانت لرحلته المبدعة الغريبة المتعبة مع العراق وتاريخه وعمارته حيث بدء سفره الكبير مع العراقين. أعلن في يوم عيد ميلاده التسعين المصادف الثامن من حزيران عام في مدينة سبرنك كرين في الولايات المتحدة الأمريكية

وبحضور زوجته ولكفانا وأبنته لوفانا وحشد من من ضيوفه انه قد أستدعي من قبل الملك فيصل الثاني ملك العراق لتخطيط وتصميم مركزثقافي على ضفاف دجلة في بغداد، وذكرت جريدة (SaturdayPost) المسائية في حينها أن   فرانك لويدرايت قد ذكر معقبآ (  أنها أجمل هدية عيد ميلاد).
كما صرح رايت لاحقآ في حديث له لإذاعة نيويورك  (WNYC ) في برنامج معمار في عصر الفضاء،  بأنه ذاهب لتصميم دار أوبرا حيث توجد جذور الحضارة في العراق وأنتقد بشكل لاذع تصرفات بلدية نيويورك وعدم إهتمامها بالذوق المعماري الرصين وعدم مراعاتها الجوانب الإنسانية في تخطيطها وتصميمها الى جملة من الشوارع والمباني في مركز المدينة،  (أحتفظ بتسجيل صوتي كامل لهذا اللقاء ) .
وكان رايت قد رفض في حينها تصميم أوبرا مدينة نيويورك  (حلم أي معماري بالعالم )  معتذر أنه سوف يصمم  دار أوبرا حيث بدء الحضارات في بغداد.
حينها ظهرت الصحف الأمريكية بالعناوين العريضة ،  لقد تلبس الجني فرانك لويدرايت وأخرين أعطوه كنية جني بغداد، ولعل أهم تعليق ذلك هوما ذكرته جريدة الواشنطن بوست تحت عنوان جني في مصباح معماري..
حزم رايت أمره وتوجه الى بغداد وقبل وصوله المطار ومن الطائرة شاهد جزيرة أم الخنازير (الأعراس حاليآ)  والجادرية . وصل رايت بغداد في الأسبوع الأخير من شهر حزيران عام برفقة زوجته وصهره وليم وزلي وكان في انتظاره أحد أهم طلابه والعاملين معه سابقآ المعمار الإيراني نظام أميري والذي سبق وأن أخبره رايت بأنه سوف يكون هو المسؤول عن المشروع وكان حينها قد أسس مكتب إستشاري في طهران وصمم قصور فخمة   لعائلة الشاه، كما كان في إنتظاره المعمار الرائد نزار جودت الأيوبي (أبن رئيس الوزراء في حينه أطال الله عمره)  وزوجته المعمارية الفذة أمريكية الأصل ألين ( أطال الله عمرها ) ،  ونزل في فندق الخيام مجاور لسينما الخيام الذي كان قد أفتتح للتو . 
تجول رايت في أنحاء بغداد وزار المتحف والتقى بضياء جعفر رئيس مجلس الإعمار وناقش المشروع مع أعضاء المجلس، وفي هذا اللقاء أخبره أعضاء مجلس الإعمار بتكليف أخر جديد وهو تصميم البناية المركزية للبرق والبريد كما كانت تسمى في حينها وفي نفس الموقع الذي تحتله الأن بناية البريد المركزية في السنك المصممة من قبل رفعت الجادرجي، وكانت عملية مفاجئة له وقد إعترف رايت لوليم وزلي (أن ليس لدي  أي فكرة عمًا سأفعل، لذلك أنا في عجالة لتجميع الأمور وتقديمها لهم قبل فوات الأوان ،  يبدو أنني قد جئت في نهايات الأمور،  لا أعرف أي انطباع سوف أعطي، ولكني مع هذا سأحاول) .
كان أهم حدث له هو عند لقائه بالمعمارين والفنانين العراقيين في النادي الأولمبي) على أثر معرض كانت قد أقامته جمعية التشكيليين العراقيين والذي كان يرأسها المعماري الرائد محمد مكية  . ومن هؤلاء المعمار الرائد محمد مكيه والفنان الرائد جواد سليم رايت والفنان والآثاري طارق مظلوم والمعمار الرائد رفعت الجادرجي والفنان محمود صبري والمعمار الرائد قحطان عوني والفنانة لورنا سليم. كما ألتقى الفنان الرائد جواد سليم الذي كان يعمل جاهدآ لإنشاء مدرسة جديدة تشكيلية عراقية تمتد جذورها الى أعماق الحضارات العراقية القديمة  دون تقليدها لأي طراز تاريخي عراقيوإنما محاكاة الحضارات بشكل خفي مبدع سعياً لإعطاء الهوية الحقيقية للفن التشكيلي العراقي  . في حينها أخبر المعماريين بضرورة إقتفاء مثل جواد في العمارة وقال (إذا ما أردتم المعاصرة فعليكم دخولهاعبر تاريخكم المجيد )  نبه اإلى ضرورة عدم التمادي في تقليد العمارة الغربية وأنّب قسم من المعماريين العراقيين( وأخبرني قحطان المدفعي أنه لم يكن شخصياً مسرورآ بذلك التأنيب وقاطع رايت ولم يتجول معه كباقي المعماريين ) ،  بعد ذلك قدم محاضرة في جمعية المهندسين العراقيين ُنقلت نصاً  في حينها في مجلة المهندسين أدناه نصها الإنجليزي لضمان العرض الدقيق والأمانة التاريخية وتجنب احتمال التأويل.
حضي رايت بلقائين مثيرين مع الملك فيصل الثاني، الأول كان للتعرف على بعضهما البعض  وكان لقاء مثير حقاً فمن المعتاد عند حضور الملك أن ينادي المنادي عالياً (صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم)  ويبدو أن هذا قد استثاره فتقدم الى الملك في الحال مقدماً نفسه... صاحب الجلالة المواطن الأمريكي...فرانك لويد رايت،  بعد هذا اللقاء كان الحديث يدور حول الحضارة العراقية لكن رايت كانت ثقافته البصرية متأثره بالفن الفارسي وما أشار أليه من إعجاب كان يحسب على الفن الفارسي وهذا لم يجد صدى جيد عند الملك. بعد ذلك تغير الحديث حول الموقع المقترح لدار الأوبرا،  وأعرب رايت عن عدم صلاحيته واقترح موقع جزيرة أم الخنازير (الأعراس)  وهذا ما ينسجم وتفكير رايت وعمارته العضوية وفاجأ الملك رايت بقوله (الجزيرة لك ياسيد رايت)  وكانت هذه العبارات مؤثرة جدآ وعلق ساخراً لاحقآ (العراق الغير ديموقراطي،  جيد بعض الشيء فلا توجد فيه مجالس إدارة ولجان روتينية لأجل الحصول على الموافقات..مجرد حركة من اليد والجزيرة لك) قال ذلك مع أيمانه العميق بالديموقراطية، أما اللقاء الثاني فكان لتوديع الملك وشكره.
جلس رايت مليآ ليفكر عاليا وبدأ العمل على هذا التحدي وهنا يذكر.
(الأن وقد حصلنا عليها (موقع الجزيرة)،  لدينا فرصة كبيرة في غرف التصاميم لنثبت أننا لسنا بقوة مدمرة ولكن بناءه حيث مصدر القوة التي بنت حضارة العالم. لسنا هنا لنصفعهم على وجوههم وإنما لنكرمهم بكل مانملك من إمكانيات،  هكذا (كماأظن)  يجب على العمارة أن تتخذ منهج للحياة الموروثة من الماضي التي تستحق كل الإحترام، لا تُحترم الأشياء كما تعرفها أنت بمجرد تقليدها، وسوف لن نقلد أي شيء ولكنا سنعيد إستعمال أسس وأفكار  ذلك الأبداع الذي جعل منه قوة كبيرة في الأفكار الإنسانية ومشاعرهم، ونعمل ما نتمكن منه لإستمراريته، هذا (ما أعتقد) واجب العمارة الحديثة).
كان هاجس رايت هو ربط الحاضر بالماضي ولذلك نراه وفي مكان اخر يستدرك  ليقول أنها من المفارقة أن أكون أنا عميد الحداثة كما (يلقبوني أو شيء من هذا القبيل)  إرجع الى أصل الحضارة لكي اثبت ما تؤول أليه الأن .
عن: كتاب ( جني بغداد ) الصادر عن دار المدى