حكاية شهيد ..كرار صفاء حسين.. أصيب مرتين وهو يقاوم حتى اسقطته الضربة الثالثة شهيداً

حكاية شهيد ..كرار صفاء حسين.. أصيب مرتين وهو يقاوم حتى اسقطته الضربة الثالثة شهيداً

 ماس القيسي
لم يكن يعلم ان تلك هي ساعته الأخيرة، وان عربة التك تك ستكون اكثر رأفة به من عربة أخرى لم تتسع لنقله الى منزله بصحبة رفاقه، ذاك هو القدر حين يشبك خيوط الاحداث ليستهدف ضحيته!. 

 كرار صفاء حسين، من مواليد عام 1999، من أهالي حي الشهداء في مدينة الناصرية من محافظة ذي قار، أكمل دراسته الابتدائية وترك المدرسة ليعمل (كاسب) بأجر يومي، يسكن مع اسرته ذات الدخل المحدود، لم يكن لكرار رغبات شخصية، أراد ان يحقق أمنية والدته في أداء مناسك العمرة، واتمام دراسة أخيه الأصغر جعفر، الذي يدرس الآن ليحقق حلم أخيه الشهيد، حتى ان ما حصل عليه من مردود ضئيل من عمله تبرع به في ساحة الحبوبي لدعم المتظاهرين.
رغم اصابته بضعف في القلب لكنه لم يتهاون ولم تضعف رباطة جأشه في اثبات موقفه، فقد اختار ان يبقى بجوار رفاقه، ليشارك في تظاهرات تشرين، على الرغم من الإصابات المتكررة التي تعرض لها،  وبهذا الصدد يقول محمد (صديقه) قائلا: "كرار تعرض الى اصابتين واحدة بيده والثانية بمنطقة الظهر وهذه الإصابات حدثت في نفس الوقت، قبل عشرة ايام من استشهاده قرب موقع تربية ذي قار"، واثناء الاصابة تم نقله الى مستشفى الحسين التعليمي من قبل اصدقائه وبعد الاطمئنان على حالته الصحية خرج كرار وذهب الى ساحة الاحتجاج لينقل الجرحى!، ويضيف محمد بقوله: "رغم كل محاولاتنا لإقناعه بالتراجع عن التقدم والتواجد في الخط الامامي كان رده الدائم: ليس لدي وطن وكل حقوقي مسلوبة، لن اتراجع".
 وعن تفاصيل آخر يوم قضاه كرار قبيل استشهاده يقول محمد: "اردت انا ورفاقي المغادرة من الساحة والذهاب الى المنزل، وقتها بقي كرار عند جسر الزيتون لان الدراجة (الماطور) التي تقلنا لا تتسع لراكب آخر، بحدود الساعة الثانية ليلا تركته وغادرت، ثم علمت باستشهاده".
 في ليلة المجزرة الأليمة التي تعرض لها متظاهرو الناصرية يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني، كان كرار مرابطا ومعتصما على جسر النصر عند الكورنيش، وبهذا الشأن يقول محمد: "بقي كرار صامدا يومها اثناء احداث مجزرة جميل الشمري التي حدثت عند جسر الزيتون وامتدت الى ساحة الحبوبي، حتى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، انسحب ثم عاد مرة أخرى حاملا العلم اذ اشتد عزمه في المقاومة، حتى بدأت قوات الرد السريع برمي الرصاص الحي صوب المتظاهرين"، الوقت الذي تعرض فيه كرار لإصابة بالغة أدت الى سقوطه على الفور، اذ يقول: "أصيب كرار بطلق رصاص مباشر اذ اخترقت الرصاصة فكه وخرجت من رقبته، سقط على اثرها ملطخا بدمه قرب جسر النصر بتاريخ 28/11". لم يكن على معرفة سابقة بالشهيد لكن شاءت الصدف ان تجمعه به ليلة الحادثة ليحمله جريحا على امل نقله واسعافه، شاهد آخر يحدثنا عنه قائلا: "كنا سويا عند جسر الزيتون قرب الكورنيش في بادئ الامر ثم زحفنا باتجاه الشغب عبر الجسر حتى وصلنا الى طرف الجسر الآخر، حين بدأت قوات الرد السريع بالرمي مع التلويح لنا بالتوقف عن الزحف، حينها أصيب كرار برقبته وسقط ارضا، لم استطع عندها الإسراع لإنقاذه تحت الرمي الحي، لكن متظاهرا آخر (حامد) ركض باتجاهه فمنعه احد قوات الشغب من الاقتراب منه محذرا بسلاحه!"، عاد حامد ادراجه ثم "توجه رفاقه صوبه مرة أخرى حاملين إياه وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة محاولا نطق الشهادة دون جدوى"، تم نقله بعربة التك تك ثم بسيارة اسعاف الى مستشفى الحبوبي ويختم الشاهد حديثه قائلا: "تركته في المشفى ثم علمت باستشهاده، وتعرف علي اخوته بعد 4 ايام في الساحة من خلال قميصه الذي كان يرتديه في يومه الأخير، اذ كان بحوزتي".
ناضل كرار في الكر والفر بين مناورة وأخرى وهو يتناوب في حمل رايتين، رافعا راية الحسين مرة وراية العراق في المرة التالية، هكذا حتى نال الشهادة على خطى حسينه ووطنه المعطر بدماء الشهداء ليسطر اسمه بجوارهم في سجل تاريخ شهداء ثورة تشرين المجيدة.